الرئيسية-دروس ومواعظمقالات رأي

ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة

"الحض على العمل بعد العلم"

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

اختار كاتب خطبة يوم 27 ربيع الآخر 1448هـ الموافق لـ 9/10/2026م موضوع “الحض على العمل بعد العلم”، لكنه لو يتطرق إلى مضامينه إلا في الخطبة الثانية، فافقده أهميته لا من حيث أولوية الترتيب ولا من حيث العمق في التناول.

ملاحظات على الخطبة:

1- سجل أحد المتتبعين على صفحته على الفايسبوك ما يلي: ” ورد في خطبة تسديد التبليغ التي ألقيت على مسامعنا اليوم الجمعة ثلاث مغالطات إن لم تكن كذبات:
أولا: قولها بأن الخطة أتت أكلها وثمارها، والحال أن ما أرصده هو النقد والرفض والاستهجان والبُعد عن نبض الشارع ومأمول الناس من خطب الجمعة…
ثانيا: قولها بأن محل التسديد يشمل حياة الناس كلها، قول لم نر له من دليل، إذ غابت قضايا وإشكالات همت المواطنين جميعا، وانشغلت بأخرى ليس ذلك وقتها، فأخلفت الموعد مع حاجة الناس لما يسدد رأيهم وموقفهم…
ثالثا: قولها بأنها أدت “… حقوق الأمة” والمنوط بالعلماء “تجاه أمتهم”، أمر غير دقيق بل كذب صريح، ذلك أن الأمة لم تكن محل موضوع من مواضيعها، بل إن مسرى الرسول الكريم وهو يتعرض لما يتعرض له من جرائم لم يشمله الحديث ولو بالإشارة، فضلا عن عدم الدعاء لأهلنا بالقطاع المبارك ودماؤهم الزكية ماتزال تراق إلى الآن.

2- الخطبة الأولى عبارة عن تقييم لخطة تسديد التبليغ- والتي تم اختزالها في  الخطبة الموحدة-  وقد مرت سنتان على تنزيلها، جاء في الخطبة الموحدة:” ولا شك أن هذه الخطة المباركة، ولله الحمد، قد أخذت تأتي أكلها، وهي تتغيي أهدافا ومقاصد.”

ولا ندري على أي معايير استند هذا التقييم، هل هناك دراسات اجتماعية أنجزت، أو استطلاعات للرأي أجريت، اللهم إلا ما جاء على لسان وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية من أنه اعتمد في تقويم نجاح تجربة الخطبة الموحدة على قواعد الذكاء الاصطناعي. وذلك في كلمة ألقاها أمام جلالة الملك بمناسبة ذكرى المولد النبوي في السنة الماضية.

والقضايا التي زعمت الخطة أنها بدأت تؤتي أكلها  هي: تصحيح مفهوم الدين والتدين، وبيان حقيقة التوحيد، وبيان قيمة العمل الصالح ومنزلته في زيادة الإيمان وتقويته، وبيان أهمية  الأسرة في إصلاح المجتمع، وبيان حقوق الله تعالى وحقوق العباد، وحقوق الوطن وحقوق الأمة.

كل ما ذكر من قضايا يصعب قياسه، بالإضافة إلى أن الفاعل الرسمي في الحقل الديني ليس وحده في الميدان.

إن من وظائف الجهة الوصية على خطة التسديد التبليغ أن تنجز تقريرا على الإنجاز بشكل دوري، ترصد فيه ما تحقق وما اعترض التنفيذ من تحديات وإكراهات. لكن قياس أثر الخطة في المجتمع ليس بالأمر الهين ، ويحتاج إلى مجموعة من  الوسائل والنماذج والمناهج التي تستخدم لتقييم النتائج والتغيرات الحقيقية بعد تنزيل  مشاريع أو برامج أو مبادرات معينة على الأفراد أو المجتمع .

وعلى كل حال فليس من المناسب لخطبة الجمعة ذات البعد الوعظي التوجيهي أن تتناول في موضوعها لا تقرير الإنجاز ولا  قياس الأثر ، لأنهما من صميم العمل الإداري.

3- والخطبة الأولى  كذلك أشبه بتقرير  رسمي يقدم إلى جهة ما منه إلى خطبة جمعة تذكر الناس بالله تعالى، وقد كان الوقت مناسبا لتنخرط الخطبة بدورها في المساهمة في تخليق الحياة العامة بدل التركيز دوما على الحياة الخاصة، وضرورة ربط الخطبة بما يعيشه الناس وينتظرونه من نواب الأمة الذين تم اختيارهم ومن الحكومة التي ستشكل بعد ذلك.

فتتحدث عن مسؤولية ممثلي الأمة في البرلمان حيث ينوبون عنها في تشريع القوانين التي لا تناقض شرع الله  فلا تحل حراما ولا تحرم حلالا، ولا تضر بمصالح الناس المشروعة.

4- الخطبة الموحدة ينقصها التحليل، فعدم العمل بما نعلم آفة دينية وخلل تربوي، وهي تعني ترك تطبيق الهداية والمعرفة الشرعية أو الأخلاقية التي يمتلكها الإنسان، رغم علمه التام بوجوبها أو فضلها. وكان لا بد للخطبة أن تطرح عدة أسئلة وتجيب عنها، مثل:

 لماذا لا نعمل بما نعلم؟ وما هي مظاهر  هذه الآفة في المجتمع؟ وما هي عواقبها وآثارها السيئة عل الفرد والمجتمع؟  وكيف السبيل إلى الخلاص منها ؟ وما هي النماذج البشرية  من السلف والخلف التي نفتدي بها في هذا الباب؟

وفي القرآن الكريم جاء العتاب الإلهي  شديداً للذين يرتكبون مخالفات شرعية وهم يعلمون حكم الله فيها، في قوله تعالى في خمس مواضع من القرآن: { وأنتم تعلمون} عقب مخالفات على سبيل المثال لا الحصر وهي:

1- من يجعل لله أندادا.

2- كتمان الحق (مرتان).

3- أكل أموال الناس بالباطل والإثم.

4- خيانة الله والرسول وخيانة الأمانات.

فالعلم حجة على الإنسان، لأنه إذا علم الحق وعرف الأحكام والهدى، فإن هذا العلم يتحول إلى مسؤولية ومحاسبة يوم القيامة، فيكون شاهداً له إن عمل به، أو شاهداً عليه إن قصّر أو خالفه.

5- هناك توجه في الخط التحريري للخطب الموحدة يقصد إلى تحميل المواطن  وحده المسؤولية كاملة في مدى تمثله إلى يسمعه ويوجه إليه من توجيهات، وكأن الفاعل الديني الرسمي يبرئ ذمته، من حيث قيامه بوظيفته المنوطة به كاملة، فليس عليه ملاحظات في ضعف التأطير  أو تقصير في الأداء. ثم ما هو موقف الفاعل الديني الرسمي من الفاعلين الرسميين الآخرين في المجتمع والذين يحملون مشاريع هدم للدين والأخلاق والقيم سياسيا وثقافيا وإعلاميا وفنيا ؟  والتي بلا شك لها تأثير كبير على تدين المواطن .   

قال الشاعر:

‏متى يبلغُ البنيانُ يوما تمامَه  …  إذا كنت تبنيهِ وغيرك يهدم

فلو ألف بانٍ خلفهم هادمٌ كفى …  فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم

6-  جاء في الخطبة الموحدة: ” وعلى هذا الأساس فإن خطب الجمعة فيما يستقبل من الأيام إن شاء الله ستتناول العودة ثم العودة إلى شرح شروط الحياة الطيبة وهما الإيمان والعمل الصالح. والغرض من التكرار هو توضيح المضامين والإلحاح على العمل، ولو عملنا للتحقق بهذين الشرطين لحقق فينا وعد الله تعالى بالحياة الطيبة وهو المراد.”

في هذه الفقرة إقرار بعدم نجاح الخطة أو على الأقل عدم الرضى لما تحقق منها، وإلا فلماذا العودة ثم العودة إلى الحديث عن شروط الحياة الطيبة والتي سبق تناولها في خطب كثيرة؟

نعم قد يكون التكرار مطلوبا لكن ليس بنفس الأسلوب والمنهج، ولنا في تنوع أساليب النبي صلى الله عليه سلم  في التربية خير  مثال وقدوة.

والحمد لله رب العالمين

أخبار / مقالات ذات صلة