الرئيسية-دروس ومواعظرمضانمقالات رأي

ذة فاطمة أزرور تكتب: زاد الطريق.. “استغنِ يا ولدي فمن استغنى مَلَك” 3/5

بعد”بوصلة الطريق”، يأتي “زاد الطريق” .
من: “أين نذهب؟” إلى السؤال الأكثر وجعاً: “كيف نكتفي؟”.
إنَّ أوجع ما ينهكنا في طريق الغربة ليس بُعد المسافة، بل ذلك “الفقر العاطفي” الذي يجعلنا نلهث خلف العابرين طلباً لترميم جراحنا، ناسين أنهم يرتجفون من فقرٍ مماثل.

﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر 36) هذا التساؤل كشفٌ لواقعنا، نحن نتألم لأننا طلبنا الكفاية ممن لا يملكها. الاستغناء بالكافي لا يعني أن تصبح “جماداً” لا يحس، بل يعني أنك لم تعد “رهينة” لتقلبات العابرين.
الغريب الذي يسعى للامتلاء بالكافي، شخصٌ “قرر” ألا يترك فجوات قلبه مشاعاً ينتظر ثناءً من هنا أو اعتذاراً من هناك، بل يسدُّها باليقين أنَّ الله وحده هو الذي يرى ويجبر.

“استغنِ يا ولدي فمن استغنى ملك”.
الحقيقة المُرة أنَّ “الاحتياج العاطفي المفرط” هو قيدٌ، والحرية تبدأ حين التوقف عن طلب “صكوك الغفران” أو “شهادات الجدارة” من العابرين.
المَلِك ليس من “يملك الكثير”، بل من استغنى عن “انتظار الكثير”
الحزن على الجفاء حقٌ إنساني، لكن الانهيار بسببه خديعة في حق النفس وظلم لها.
حين تدرك أنك “كافٍ” عند خالقك، سيهون أن تكون “ناقصاً” عندهم.

أغلب جراحاتنا هي ثقوب خلفها الانتظار الطويل لإنصافٍ لن يأتي من العابرين، واستجداء “رقع” الروح من أيدٍ جرحت وقد “تجرح” مرة أخرى.
الاستغناء ب “الجبار الودود اللطيف”، يجعل القلب بيتا آمنا، قد تهتز جدرانه لرحيل من نحب، لكنه لا ينهدم، يظل ممتلئاً ب”الشكور” لا ينقص جوهره برحيلهم، ولا يرتهن سكونه بحضورهم.
طوبى للغرباء الذين يداوون فقرهم بالغني الكريم.

عابر السبيل الممتلئ لا يستجدي أحداً ليرمم روحه، ليس لأنه فوق الألم، بل لأنه وجد في “خلوته مع الصمد” وطناً لا يغلق بابه أبداً.
الاستغناء بالجبار، امتلاك “للقرار”، وكسر لوحشة الطريق.
الاستغناء ليس كراهية للبشر، بل هو “حب للنفس” وصون لها كي لا تضيع في زحام العابرين.
والامتلاء ليس حالة نصل إليها ونتوقف، بل هو “جهاد يومي” لترميم ما كُسِر وما خُرِق في النفس.
التخلي ليس فقداناً، بل هو “إفراغ للمساحة” لكي يتجلى فيها ما هو أسمى. عابر السبيل لا يستطيع الرؤية بوضوح وهو يحمل حقائب ثقيلة من الضغائن والتوقعات.

من “تخلى” عن رغبته في اعتراف الآخرين بفضله، “تتجلى” له قيمة ذاته المستقلة.
التخلي عن انتظار الإنصاف ممن خذل ليس ضعفاً، بل هو تطهير للقلب لكي تتجلى فيه سكينة “السلام”.فطوبى للغرباء الذين عرفوا أنَّ “الاكتفاء بالكافي الغني الكريم” هو الغنى الأكبر.
#فطوبى للغرباء

زر الذهاب إلى الأعلى