د مصطفى قرطاح يكتب:القرآن الكريم وصناعة كرامة الأمة الإسلامية – الحلقة الخامسة
من أشد ما يثير الإعجاب والانتباه في القرآن الكريم أن الله تعالى افتتح تنزيله إلى الناس بقوله عز وجل: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [ العلق: 1 ـ 5]، ثم تَوَقَّفَ الوحيُ عند هذا القدر إلى أن هدأ روع النبي صلى الله علي وسلم فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 1ـ 5]
إن هذا الافتتاح العظيم يكشف عن واحدة من أعز مقاصد دين الإسلام وأعظمها، ألا وهو مقصد صناعة الإنسان القارئ المتعلم، الذي جعل من القراءة دينا ووسيلة للتقرب إلى الله تعالى وابتغاء مرضاته، واتخذ من القلم والورق والكتابة أدوات يسطر بها ما يتعلمه، ويحفظ بها ما أنعم الله به عليه من علم لم يكن يعلمه. ولما كان هذا المقصد عظيما شريفا فقد عظمت وشرفت وسائله، ولهذا أقسم الله تعالى بها، تنويها بشأنها وبحصيلتها، فقال سبحانه: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: 1].
قرأ قتادةَ قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} قرأ حتى بلغ: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} فقال: القلمُ نعمةٌ من اللَّهِ عظيمةٌ، لولا ذلك لم يقُمْ ولم يَصْلُحْ عيشٌ»[1].
إن الاقتران القائم في الآية ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ بين التأكيد على الأمر بالقراءة (اقرأ) وبين مدح الله تعالى بالكرم والأفضلية فيه (وربك الأكرم) يوحي بأن القراءة وسيلة لاستدرار كرم الله تعالى، واستكمال التكريم الإلهي الذي أراده الله تعالى لبني آدم، وامتن به في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70 ].
فالتكريم الإلهي لبني آدم بعضٌ منه اضطراري؛ حصَّلَهُ الإنسان بموجب الخِلْقِةِ الإلهية له، إذ خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، وسواه وعدله، وصوره فأحسن صورته، وشرفه بالعقل، وسخر له ما في الأرض جميعا منه. والبعض الأخر من التكريم هو اختياري؛ يكتسبه الإنسان بتزكية نفسه باستثمار ما وهبه الله تعالى من سمع وبصر وعقل في القراءة والنظر والتفكر والتدبر والتفقه، فإذا اجتمع للإنسان التكريم الاضطراري والاختياري ارتقى في معارج التفضيل التي رتبها الله تعالى بين خلقه. ويوم أن تحقق لآدم عليه السلام هذا الشرط المزدوج فضله الله تعالى على الملائكة، إذ خلقه الله تعالى بيده وسواه ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها، فسبق بها الملائكة، وحينها خرت له ساجدة، فانفجرت ضغينة إبليس وكشف عن مُوجِبِها فقال: ﴿ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 62].
ومن صناعة الإنسان المؤمن الكريم نشأت الأمة الإسلامية المحفوظة الكرامة، التي تبوأت بين الأمم موقع الشاهد الوسط العدل، بعدما حازت من العلم نصيبا موفورا، وأصبح العلماء هم أولو الأمر فيها، تَرُدُّ إليهم أمور الأمن والخوف ليستنبطوا القول الفصل فيها.
وقد أجمل الإمام الرازي القول في فضل القرآن فقال: «فهو كتاب كريم، من رب كريم، نزل به ملك كريم، على نبي كريم، لأجل أمة كريمة، فإذا تمسكوا به نالوا ثوابا كريما»[2].
ويوم أن تنكرت الأمة لنعمة ربها، وتخلت عن القراءة والكتابة والقلم، وأزرت بالعلم والعلماء، ردت أسفل سافلين وانحطت مرتبتها بين الأمم، وتقهقرت إلى ذل بعد عز تليد، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾[المجادلة:20].
وكما فعل إبليس مع أبينا آدم عليه السلام، فإن جنوده من الجن والإنس يكيدون الكيد ذاته للأمة الإسلامية، فيصرفونها عن سبب كرامتها، ويكرسون الجهل بين أبنائها، ويعلون من شأن الجاهلين والتافهين، ويسندون إليهم القول في عظائم الأمور.
[2] ـ مفاتيح الغيب: ج2، ص: 264.

