أصداء الجمع العامالرئيسية-مقالات رأي

د بونعمان يكتب: امتحان المؤسسة الحية.. دلالات انتخاب الدكتور محمد ابراهمي والحاجة إلى نظرية في العمل الإصلاحي

مساء السبت الرابع والعشرين من أكتوبر 2026، وفي مدينة بوزنيقة، حسم الجمع العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح منافسةً رشّح لها خمسة أسماء، بينهم الرئيس المنتهية ولايته ورئيس أسبق، فآلت الرئاسة إلى الدكتور محمد ابراهمي بأغلبية مطلقة بلغت 352 صوتا، لولاية تمتد إلى سنة 2030.

وقد وصف الرئيس الجديد انتخابه بالمفاجئ، وهي عبارة يألفها خطاب الحركات والتنظيمات الإسلامية التي تمنع الترشيح الذاتي، غير أن لها في هذه المحطة ما يسندها، فقد جاء هذا الرئيس متأخراً في ترتيب جولة الترشيح قبل أن يحسم التداول اختياره.

ومن هذه الواقعة ينطلق سؤال يشغل الحركات الإصلاحية جميعها، يتصل بقدرتها على تحويل الشرعية التأسيسية إلى قواعد مستقرة، وعلى تجديد نخبها مع الحفاظ على ذاكرتها ومرجعيتها وهويتها.

فأشقّ ما تواجهه حركات إصلاحية كثيرة في العالم العربي والإسلامي اختبارُ قدرتها على إصلاح ذاتها، والانتقال من سلطة الأشخاص إلى بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار والإبداع، وهي اللحظة التي درسها ماكس فيبر بوصفها تحولا للشرعية من كاريزما المُؤسِس إلى قواعد المؤسسة.

وكثير من الحركات التي نشأت حاملة أحلام التغيير والنهوض انتهت إلى الارتهان لرمزية مؤسسيها، فتحولت فيها القيادة من مسؤولية متداولة إلى موقع تحرسه الأقدمية والشرعية التاريخية والمشيخية، وتحيط به علاقات الولاء والتبعية. وهذا مآل كل حركة تعجز عن تداول قيادتها، إذ تصير، من حيث لا تشعر، سيرةً ذاتية لمؤسسيها.

ولذلك يستحق انتخاب الدكتور محمد ابراهمي، الأستاذ الجامعي والقيادي الإصلاحي، قراءةً تنفذ من الحدث التنظيمي والمناسبة الاحتفالية إلى مساءلة التحولات الجارية في إحدى التجارب التي طال عمرها داخل المدرسة الإصلاحية المغربية.

ويقتضي الإنصاف في هذه القراءة التمييز بين امتحانين:

أولهما انتظام التداول وانتقال الرئاسة إلى جيل أحدث، وقد اجتازته الحركة بنجاح مقدر في بوزنيقة ضمن استمرارية قيادية واضحة في بنية المكتب الوطني.

وثانيهما بناء نظرية في العمل الإصلاحي تجدد عقله النظري والمنهجي، وتوسع دوائر المشاركة وصناعة النخب، وهو ورش مفتوح على اجتهاد الجيل الجديد.

مؤسسة تتداول قيادتها

نحن أمام تجربة صار الرئيس الجديد خامس من تعاقبوا على رئاستها منذ تأسيسها بصيغتها الحالية سنة 1996. وقد راكمت على امتداد ثلاثة عقود اجتهادات فكرية وتنظيمية في تدبير العلاقة بين المرجعية والمؤسسة، وضبط الصلة بين القيادة والقاعدة، والموازنة بين الثبات القيمي وحاجات التجدد التاريخي. وجددت فهمها لشمولية الإسلام، وصاغت رؤية ناظمة وتوجهات مؤطرة لمشروعها، ثم بلورت ما يمكن عدّه نظرية في التنظيم، قوامها فلسفة العمل بالتخصصات، والتمايز بين الدعوي والسياسي، وهي صيغة سبقت بها تجارب عربية تبنتها لاحقا منها حركة النهضة التونسية في مؤتمرها سنة 2016، فضلا عن الانتقال من مركزية التنظيم البديل إلى ما تسميه أدبياتها بالعمل الرسالي.

وقد نهض هذا الاجتهاد على قراءة المشروع بعين الواقع المغربي، فتخففت الحركة مبكراً من مقولات استقرت طويلا في التجربة المشرقية، كشعار “الإسلام هو الحل” وفكرة “شمولية التنظيم”، وأعادت صياغة أفقها الفكري، فانتقلت من “إقامة الدولة الإسلامية” إلى أطروحة “إقامة الدين وإصلاح المجتمع”. وجاءت أجوبتها، بفضل هذا التوطين، منسجمة مع ثوابت الأمة المغربية ومع نظام سياسي يستند إلى الملكية وإمارة المؤمنين والمذهب المالكي.

وتعود جذور هذا المسار إلى لحظة الوحدة بين تنظيمين (رابطة المستقبل الإسلامي وحركة الإصلاح والتجديد)، فقد تأسست الحركة على قيادة جماعية حالت مبكراً دون تمحورها حول مؤسس واحد. ومرّت بقيادتها بعد ذلك أجيال وشخصيات علمية ودعوية وفكرية وازنة، أغنت رصيدها الإصلاحي، وأفسحت المجال، عبر آليات انتخابية وتداولية، لاستمرار التجربة بعيدا عن الارتباط المصيري بأي شخصية مهما بلغت مكانتها ورمزيتها، وفي هذا المهاد التأسيسي تفسير لجانب من رسوخ التداول فيها.

وتستمد محطة بوزنيقة خصوصيتها من سابقة في تاريخ الحركة، فلأول مرة يختار الجمع العام رئيسا جديدا وفي متناوله التجديد لرئيس أمضى ولاية واحدة. وكان الجمع قد جدد من قبل للدكتور أحمد الريسوني والمهندس محمد الحمداوي والمهندس عبد الرحيم شيخي، الذي كان بدوره بين المرشحين هذه المرة.

ويقدم النموذج الانتخابي الذي اعتمدته الحركة مفتاحاً لفهم هذه السابقة. فالاختيار يمر بجولة ترشيح يعبّر فيها المؤتمرون عن تفضيلاتهم عدداً، ثم يعقبها تداول يُناقَش فيه المرشحون بحضورهم، وتوزن فيه مؤهلاتهم في ضوء متطلبات المهمة وأولويات المرحلة وأسلوب القيادة، قبل أن يُحسم الأمر بالتصويت. وتستلهم الحركة في هذا التداول، وفق تصورها لتجربتها، تقاليد الجرح والتعديل في تمحيص الرجال. وفي هذا النموذج تلتقي الديمقراطية العددية بما يسميه الدارسون بالديمقراطية التداولية، فتُعدّ الأصوات وتُوزن في آن.

وقد تصدّر الرئيس المنتهية ولايته جولة الترشيح، وحلّ الرئيس الجديد رابعاً فيها، ثم انتهى التداول إلى انتخابه، في حين نالت حصيلة الولاية المنتهية تزكية الجمع. ومن ثم جاء الاختيار ثمرة لحركية التداول العام الذي يتيح للمؤتمرين مراجعة قناعاتهم واختياراتهم بحسب ما يسفر عنه النقاش. وتستند هذه القراءة إلى ما نُشر من معطيات رسمية في موقع الحركة وما تداوله أعضاء من داخل الحركة في الفضاء الرقمي، وتظل مفتوحة على ما قد تتيحه معطيات أوفى.

كما تتوقف جودة هذا النموذج على ضمانات إجرائية مستمرة تكفل تكافؤ الآراء في النقاش وتصون التداول من الشخصنة، وتحفظ التوازن بين الترتيب العددي الذي أفرزته جولة الترشيح الأولى والتقدير النوعي الذي يخلص إليه التداول النهائي. أما الدلالة المؤسسية الثابتة لهذه السابقة، فهي أن القاعدة استبقت لنفسها حق الاختيار. ولم يحجب هذا الحق واجب الوفاء لمن سبق، فقد ختمت الحركة جمعها بتكريم رئيسها السابق الدكتور أوس رمال، جريا على سنة دأبت عليها في جموعها العامة.

وفي هذا الاختيار تتجلى إحدى أهم دلالات التجربة، إذ يصبح احترام العلماء وتقدير المؤسسين والقادة السابقين رصيدا أخلاقياً ومعرفياً للمؤسسة، دون أن يتحول إلى سلطة مقدسة تعطّل استقلال قرارها أو تحدّ من قدرتها على تطوير ذاتها وتجديد منظومتها. ويمكن قراءة ذلك من خلال خطاطة “الشيخ والمريد” التي اشتغل عليها الأنثروبولوجي عبد الله حمودي لفهم البنيات الثقافية لإنتاج السلطة والتبعية، حيث تتقدم المكانة الرمزية للأشخاص على استقلال القواعد والمؤسسات. وقد تسرّب هذا النسق، بدرجات متفاوتة، إلى تنظيمات إسلامية وعلمانية وحزبية عديدة، فضيّق مساحات الاجتهاد وأعلى سلطة الزعامة على قواعد التداول والمسؤولية والمحاسبة وفضيلة النقد الذاتي.

ويرى حمودي أن هذه الخطاطة تعيد إنتاج نفسها حتى داخل المؤسسات الحديثة، لذا تُقرأ واقعة بوزنيقة مؤشراً على قدرة الحركة على مقاومة هذا النسق، ويظل التحرر منه ممارسة تُختبر في كل محطة. وفي المقابل، تمنح الشورى، حين تستقر في قواعد مكتوبة وممارسة منتظمة، للتعدد والاختلاف مشروعية ديمقراطية وأخلاقية، وتعيد الاعتبار إلى الكفاءة والاختيار الجماعي في صناعة القيادة. فالمؤسسة الراشدة تحفظ لمؤسسيها الوفاء، وتستبقي لنفسها حق القرار.

ومن منظور علم اجتماع التنظيمات، تتجه القراءة إلى بنية السلطة داخل التنظيم، في توزيعها وتداولها ومواقع القرار فيها، وفي قدرة المؤسسة على مراجعة اختياراتها وتصحيح أعطابها. وتوفر قواعد الحركة لهذا التحليل مادة صلبة، فالجمع العام هو الذي يفرز المرشحين ويختار من بينهم، ويمتنع على العضو أن يرشح نفسه، والرئاسة محدودة بولايتين كاملتين، وبهذه القواعد تنتقل الشرعية من الشخص إلى الهيئة.

وقد جرى التداول وفق مسطرة ديمقراطية، شارك فيها أكثر من 600 مندوب من مختلف جهات المغرب. ويظل التوازن بين الخبرة والتجديد سؤالا تطرحه كل تجربة ديمقراطية، في الأحزاب والمؤسسات على حد سواء، وتتحدد إجابته بما تتيحه القواعد من انفتاح على الكفاءات الصاعدة.

على أن للواقعة وجهاً آخر يستحق التأمل من زاوية سوسيولوجيا النخب. فشرط الأقدمية، الذي حدده النظام الداخلي في صيغته الموثقة سابقاً بعشر سنوات على الأقل مع عضوية سابقة في إحدى الهيئات المركزية، يمنح الخبرة والتدرج في المسؤولية وزناً في صناعة القيادة، ويثير في الوقت نفسه مسألة العلاقة بين انتظام التداول واتساع مسارات تجديد النخب.

فالتداول يحفظ انتظام التعاقب على المسؤوليات، ويصونه التجديد من أن يؤول، مع الزمن، إلى تدوير للمواقع داخل الدائرة نفسها، وهو تحدّ تواجهه كل مؤسسة حزبية أو مدنية. ويتحدد هذا التجديد بقدرة المؤسسة على توسيع الروافد التي تغذي قيادتها، وفتح آفاق الصعود أمام أجيال وكفاءات جديدة.

وتتكامل في هذا التوسيع روافد متعددة. فالهيئات المركزية، بأقسامها ومؤسساتها المتخصصة، تمنح الكفاءات الصاعدة سعة الرؤية والتمرس بالتخطيط وتدبير الملفات الكبرى، وتتولى الهيئات الجهوية والمحلية اختبار هذه الكفاءات في احتكاك مباشر بالميدان وحاجات الناس. ومن تلاقي المسارين تتشكل قيادات تجمع أفق الاستراتيجية إلى خبرة القرب، وقد يزداد هذا التلاقي وزناً بعد أن عززت مراجعة الجمع الثامن نموذج اللامركزية الجهوية.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى ما صادق عليه الجمع العام الثامن من مراجعة هي الأوسع للنموذج التنظيمي منذ أن استقرت هيكلته سنة 2006. فقد قلّصت المستويات التنظيمية من أربعة إلى ثلاثة، وأعادت النظر في تكوين مجلس الشورى وطريقة انتخابه، وعزّزت موقع مكاتب الفروع، وصاحبتها تعديلات على القانون الأساسي والنظام الداخلي.

ثم صادق الجمع في يومه الأخير، بعد مناقشة مستفيضة، على تحيين المخطط الاستراتيجي، فحصر مجالاته الاستراتيجية في خمسة بعد أن كانت تسعة، وجعل في صدارتها بناء الإنسان وتأهيل الشباب، والحضور الفكري والمجتمعي، وتعزيز الدور الإصلاحي للحركة، على امتداد ثلاث ولايات تنظيمية مقبلة.

فالانتخاب في هذا السياق حلقة في مخاض مؤسسي أوسع، ترتهن قيمته التاريخية بقدرة هذه المراجعات على إطلاق دورة جديدة في العمل الإصلاحي المغربي وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية، بما يبث في أدوات الفعل الإصلاحي نفَساً متجدداً.

تجديد جيلي في إطار الاستمرارية

ويضيف المسار العلمي والجيلي للرئيس الجديد إلى هذه اللحظة دلالة أخرى. فالنقلة الجيلية هنا تتصل بمسار التكوين أكثر مما تتصل بالسن، إذ تولى بعض أسلافه الرئاسة في عمر مقارب، بيد أن الرئيس الجديد ينتمي إلى الجيل الرابع من الأجيال التي تعاقبت على الحركة، وهو جيل تكوّن داخل مؤسساتها بعد وحدتها. فالدكتور محمد ابراهمي، وهو في السابعة والأربعين من عمره، أستاذ جامعي بشعبة الدراسات الإسلامية يشتغل على قضايا الأسرة والتربية والقيم. وقد تدرج في العمل الإصلاحي من مدرسة منظمة التجديد الطلابي، حيث تقلد المسؤولية الطلابية في موقع وجدة، المدينة التي نال من جامعتها الدكتوراه في الفقه وأصوله، قبل أن يتولى رئاسة المنظمة على المستوى الوطني. ثم انتقل إلى مواقع القرار داخل الحركة، فالتحق بمكتبها التنفيذي، وأشرف على قسم الشباب ثم قسم الدعوة والعمل الثقافي. ولهذا المسار بعد مؤسسي يتصل بقدرة المشروع الإصلاحي على إنتاج قياداته من داخل مؤسساته التربوية والطلابية والعلمية. فجيل التجديد الطلابي الذي نشأ في فضاءات الجامعة، وتكوّن على المبادرة والعمل الجماعي والتدافع الفكري والنقابي والمدني، يتقدم اليوم لقيادة تجربة إصلاحية وطنية ذات امتداد تاريخي. وتلك إحدى ثمار الاستثمار في تكوين الشباب وبناء النخب، تمنح التداول القيادي مضموناً أغنى من تعاقب الأسماء على المناصب.

ويكتسب هذا الاختصاص وزنا خاصا في سياق تعود فيه قضايا القيم والهوية والأسرة إلى صدارة النقاش العمومي، مع استئناف ورش مراجعة مدونة الأسرة، وما يتصل به من نقاش حول تعديل القانون الجنائي والحريات الفردية. وقد اشتغل ابراهمي على هذه القضايا من موقع الباحث الفقيه، وصدر له في ذلك كتاب “الأسرة ونظام القيم بين المقاربتين الوضعية والمرجعية”، كما دافع عن مراجعة التشريع الأسري في ضوء مقاصد الشريعة، وعن تصور للأسرة يقوم على قيم التراحم أكثر مما يقوم على منطق التعاقد.

وتجري مراجعة المدونة في إطار حددت إمارة المؤمنين والمجلس العلمي الأعلى ضوابطه المرجعية الكبرى، فيتجه التدافع إلى الصياغة القانونية وحدود الاجتهاد داخلها، بعيدا عن الثنائية التبسيطية بين المحافظة والتحديث. وفي ثنايا هذا التدافع يعود إلى السطح توتر رافق الفكر الإصلاحي منذ نشأته، بين الحرص على صون الهوية والانفتاح على ما راكمته الإنسانية من مكتسبات حقوقية. ويمكن لهذا التوتر أن يثمر اجتهادا خصبا متى نظر إليه مجالا للتركيب الخلاق، تلتقي فيه أمانة الانتماء إلى المرجعية الإسلامية بالانخراط في المشترك الإنساني.

وبالنظر إلى هذا السياق وإلى مساره العلمي، يرجح أن تكون قضايا الأسرة أول اختبار لرئاسته، يتحدد فيه موقع الحركة بين الاعتراض على مقتضيات بعينها وتقديم صيغ بديلة تسندها المعرفة الفقهية والدراسات الميدانية. وهو مسلك سبق أن اعتمدته الحركة في مذكرتها حول المدونة، حين قرنت التحفظ باقتراح البدائل.

لقد جرى هذا التشبيب مقترنا باستمرارية قيادية. فالرئيس الجديد عضو في المكتب التنفيذي منذ سنة 2013، والمكتب الوطني الجديد احتفظ بأغلب وجوه المكتب السابق، ومنهم الرئيسان السابقان، كما احتفظ نائبا الرئيس، رشيد العدوني وحنان الإدريسي، بموقعيهما، وانتُخب عبد الرحيم شيخي منسقاً لمجلس الشورى. ولهذه الاستمرارية وجهان متكاملان، فهي تصون خبرة التجربة وتماسكها، وتقدم صورة دالة لرئيسين سابقين يعملان ضمن فريق يقوده الرئيس الذي خلفهما، ويسهمان فيه بخبرتهما وقدرتهما على الإقناع في إطار الشورى. وفي ذلك تجديد لتقليد القيادة الجماعية الذي رافق الحركة منذ وحدتها.

وبموازاة هذه الاستمرارية، تستحق الخريطة التمثيلية للقيادة تأملا خاصا؛ إذ انحصرت المنافسة على الرئاسة بين خمسة رجال، وضمت التشكيلة الجديدة للمكتب الوطني ثلاث نساء من أصل خمسة عشر عضوا. وهي معطيات تطرح سؤالا حول موقع النساء في صناعة القرار، ومدى انعكاس التجديد الجيلي على مشاركتهن في تحمل المسؤوليات القيادية والتأثير في الاختيارات الكبرى للمؤسسة.

وتضع هذه النقلة الجيلية القيادة الجديدة أمام اختبار مضاعف، قوامه أن تستوعب ما تراكم من خبرة فكرية وتنظيمية، وأن تملك من الجرأة الاجتهادية ما يلزم لتطويره. وعندها يتبين ما إذا كانت مدارس التكوين قد أنجبت عقولا مجتهدة، أو اكتفت بتخريج أوفياء للموروث يكررونه.

فالتوليد التجديدي يصنع عقولا تراجع ما ورثته، في حين لا يثمر الاستنساخ المقلد غير نسخ تحرس هذا الإرث وتجمد عليه. ويتحدد نضج الحركات الإصلاحية بقدرة مؤسساتها التربوية والدعوية والفكرية على نقل خريجيها من موقع التلقي والتنفيذ إلى موقع المراجعة وصناعة القرار وقيادة التحولات الجديدة، وعلى تنشئة عقول تسائل ما استقر من تصورات وأساليب، ويتسع خيالها لآفاق تتخطى إنجازات المؤسسين. وعند هذا المستوى يكتمل التداول الجيلي، فتنهض المؤسسة بنيةً حية تتجدد من داخلها، تحفظ ذاكرتها وتتحرر من أسرها، وترى في تجاوز أبنائها لمؤسسيها إبداعياً ثمرةً لنضج تجربتها وامتدادا لمشروعها.

من أعطاب التنظيم إلى أعطاب العقل

تقتضي المسافة العلمية التمييز بين نجاح المؤسسة في تداول القيادة ونجاحها في تجديد فكرها ووظائفها الاجتماعية والدعوية والثقافية. فالتحول القيادي يفتح أفقاً، وتبقى الممارسة القادمة المعيار الأقدر على تحديد عمقه واتجاهه، في زمن تعيد فيه التحولات القيمية والرقمية والاجتماعية تشكيل الأجيال الجديدة وأسئلتها وانتظاراتها.

ويشتد إلحاح هذا التمييز في السياق الذي أعقب انتخابات 23 شتنبر 2026، التي ارتفع فيها رصيد حزب العدالة والتنمية من 13 مقعداً إلى 54. فقد تجددت معها أسئلة استقلال القرار الدعوي، وحدود العلاقة بين الفعل الديني الإصلاحي والعمل الحزبي. وتستبطن هذه الأسئلة رهانا جوهريا، يخص قدرة الحركة على صون أولوياتها ونخبها ومسارها من ضغط الإيقاع الحزبي ومواسمه الانتخابية، حتى تنصرف طاقاتها إلى إصلاح عميق للتدين يحرره من أسباب الجمود ويصله بالسياق المدني العام والمشترك الإنساني، وهي قضايا نظرية قبل أن تكون تنظيمية.

وتتأثر التحولات القيادية في المؤسسات ذات التاريخ الطويل بقوة الثقافة التنظيمية، وما استقر عبر الأجيال من تقاليد في العمل وصناعة القرار. وقد تكون هذه التقاليد رصيدا يحفظ تماسك المؤسسة، كما في التقاليد الشورية التي رسختها الحركة وفق قاعدة “الرأي حر والقرار ملزم”، وقد تنقلب في تجارب أخرى قيداً يثقل حركتها.

فقد تنجح المؤسسة في تغيير قائدها، وتعجز عن تغيير البنية التي توجّه اختياراته، فتستوعب الأعراف القديمة إرادته الجديدة، ويؤول التجديد إلى تبدل في الوجوه واستمرار في طرائق التفكير والتدبير. والانتقال القيادي، بهذا الاعتبار، امتحان للثقافة التنظيمية ذاتها، يتوقف نجاحه على الإفادة من خبرة السابقين، وعلى انفتاح المؤسسة على رؤى جديدة ومقاربات مختلفة في العمل.

ويقترن بذلك خطرٌ يطال البنية الإدارية نفسها، يتجسد في التضخم الإداري والجمود الحركي. إذ يمكن للتنظيم الذي نشأ أداةً للتغيير والإصلاح أن يتحول تدريجيا إلى جهاز منشغل بإدارة ذاته، يستعير من البيروقراطية أثقل عاداتها، ويستهلك جانباً من طاقاته في تعدد الهياكل والاجتماعات والمساطر والتقارير، على حساب المبادرة والإنتاج الفكري والتأثير المجتمعي.

والمفارقة أن المؤسسات التي تأسست لتحرير الطاقات من قيود الجمود الفكري والاجتماعي قد تجد نفسها مكبلة، مع امتداد التجربة وتعقيد المساطر، وفي حاجة إلى التحرر من جمودها الداخلي وبطء حركتها. وقد عبّرت مراجعة الجمع الثامن عن وعي صريح بهذا الخطر، حين جعلت من أهدافها التخلص من مظاهر التضخم والثقل التنظيميين، وتُختبر جدواها في حسن التنزيل.

وثمة، وراء هذا الخطر التنظيمي، خطر أدق يمس طريقة التفكير، يتمثل في انكماش الأفق المقاصدي تحت وطأة نزعة إجرائية تستغرق في تدبير الأجهزة واستدامة الرتابة، حتى يتقدم حفظ الموجود على اجتراح الممكن. ومن هنا تلزم التفرقة بين عقلانية تنظيمية تضبط المسؤوليات وتصون الموارد في خدمة غايات المؤسسة، وما سماه عالم الاجتماع روبرت ميرتون “إزاحة الأهداف”، حين يتحول الالتزام بالقواعد والإجراءات من وسيلة لتحقيق المقاصد إلى غاية قائمة بذاتها، ويصير انتظام العمل أهم من أثره في الواقع.

وتتيح هذه التفرقة استعادة العقل المقاصدي النقدي الذي يستمد وجهته من غايات أخلاقية وحضارية، ويزن في تدبير الوسائل مدى ملاءمتها لتلك الغايات، مستحضرا مآلات الاختيارات وما قد ينشأ عنها من آثار مقصودة أو غير مقصودة. وبهذا يصبح الاجتهاد في الوسائل ومراجعتها امتداداً للوفاء بالمقاصد، وتستحق الكفاءة التنظيمية التقدير بقدر ما تحققه من مصالح وما تصونه من قيم وتحققه من أثر. وعلى هذا الأساس، تقاس فعالية المؤسسة بحسن ترشيد مواردها وزمنها الإصلاحي وتوجيه طاقاتها، بدل تكرار الأنشطة، نحو مبادرات تصنع أثرا باقيا في المجتمع، وتسهم في حماية الأسرة وتعزيز القيم والهوية وتجديد الوعي الديني، وتستند في اختياراتها إلى معرفة رصينة بالواقع، تتغذى من البحث العلمي والخبرة الميدانية والتعاون مع الجامعة ومراكز الدراسات والفاعلين المدنيين.

ولعل هذا الانتقال القيادي يكون خطوة أولى نحو استعادة التوازن بين كفاءة التنظيم وحيوية الفكرة، وتحرير العقل الإصلاحي من أسر المألوف، وإعادة الاعتبار لثقافة السؤال والنقد والمراجعة، فيترسخ الإبداع ممارسة مؤسسية تتخلل التفكير والتربية والفعل المجتمعي. ويبدو هذا التوازن رهينا بتكامل عقل مؤسسي يحسن التدبير وعقل فكري جريء على المراجعة، يستمدان من الأفق الحضاري وجهتهما وغايتهما.

ويمر التجديد الحقيقي عبر إخضاع النموذج التنظيمي نفسه للمساءلة المستمرة، وقياس جدوى مؤسساته بوظائفها وأثرها في المجتمع، وإعادة وصل التنظيم برسالته، والوسائل بمقاصدها، والفكرة الإصلاحية بأسئلة الواقع وتحولات الأجيال الجديدة. ويكمن رهان التداول القيادي في انتقال التجديد من عالم الأشخاص إلى عالم الأفكار، على نحو ما ميز مالك بن نبي بين العوالم الثلاثة، ثم من الهياكل إلى الوظائف، فيتحول تدبير التنظيم إلى توليد للفعل الإصلاحي، ويتخذ الرصيد التاريخي موقع المنطلق لقدرة متجددة على الاجتهاد والمبادرة في خدمة قضايا الوطن والأمة.

ويمتد هذا الرهان إلى الحقل التربوي والدعوي، وفيه تتسرب إلى الممارسة الإصلاحية أحياناً نزعات فردانية واستهلاكية وانسحابية، تختزل التزكية في تهذيب الذات، وتنكفئ بالصلاح عن آفاق الإصلاح والعمران. فالتزكية تحتفظ بقيمتها الروحية والأخلاقية الأصيلة، ويتسع أثرها في الحياة العامة بما توقظه في الإنسان من إرادة ومسؤولية، وبتحرير عقله من التبعية والجمود، إذ يغذي صلاح النفس القدرة على الإصلاح، ويمنح الفعل الحضاري ضميره الأخلاقي ووجهته الإنسانية.

وهنا ينهض سؤال أعمق يتصل بشروط الفعل الإصلاحي نفسه: كيف يمكن للقيم التي تنشئها التربية والتزكية أن تتحول إلى قدرة على المبادرة والإنتاج، وللوعي الديني الحضاري أن يغدو قوة دافعة إلى تحمل المسؤولية المدنية وبناء المؤسسات؟ وما هي الشروط المعرفية والتربوية والاجتماعية التي تتيح انتقال صلاح الفرد إلى فاعلية إصلاحية يمتد أثرها إلى ما وراء دائرته الشخصية، وتستجيب لتعقيدات المجتمع وتحولاته؟

ومن ثمّ تتأكد الحاجة إلى استئناف بناء أخلاق النهوض والقوة، بما تحمله من استقامة وانضباط وإتقان للعمل وتعظيم لقيمة الزمن، وشجاعة في الاجتهاد، ومقاومة لأسباب الوهن والتخلف والاستلاب. ويستدعي ذلك تحديث المنظومة التربوية والخطاب الديني، والإصغاء الجاد إلى الحاجات الروحية والأسئلة الفكرية للأجيال الناشئة، وتحصين مناعة المجتمع القيمية والفكرية بروح منفتحة قادرة على النقد والإبداع. ومن أبرز ما تطرحه المرحلة ترسيخ تدين مغربي إصلاحي يصل صفاء الروح بقوة الفعل، ويجعل خدمة الوطن وقضايا الأمة امتداداً طبيعياً للمسؤولية الدينية والأخلاقية.

وقد اختار الجمع الثامن لأشغاله شعار “بالاستقامة ينهض الوطن، وبالمقاومة تعزّ الأمة”، جامعاً بين الإصلاح المجتمعي والانحياز لقضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين ومناهضة التطبيع. وهو اختيار يضع الحركة أمام تحدي تحويل الاستقامة والمقاومة من شعار تعبوي إلى ممارسة تربوية ومدنية موصولة. ومتى تحقق ذلك استعادت التزكية وظيفتها العمرانية، وانتقل الزمن الإصلاحي من استهلاك الطاقات إلى استثمارها في بناء الإنسان والانخراط الفاعل في مشروع النهوض.

ومن هذه الزاوية تبدو التجربة المغربية جديرة بالتأمل، لأنها تقدم، في أحد مساراتها، إمكانية الانتقال من التنظيم الذي تتمحور حياته حول القيادة إلى المؤسسة التي تصنع قياداتها، وتطور وظائفها، وتستوعب تحولات مجتمعها المحلي في تشابكاته العالمية. وتبلغ هذه المؤسسة قمة نضجها حين يخرج من صفوفها من يتقدم لقيادتها ويراجع اختياراتها، ويفتح أمامها دروبا لم يطرقها السابقون.

الامتحان الثاني

بانتقال الرئاسة إلى جيل ما بعد القيادة التاريخية، تكون حركة التوحيد والإصلاح قد اجتازت امتحانها الأول في تداول المسؤولية، وأحرزت في آليات التنخيب تقدماً ملموسا، تكتمل ثمرته بتوسيع الروافد التي تغذي قيادتها. وترجع أعطاب التنظيم التي سبق تحليلها، في جانب منها، إلى الأفق النظري الذي تصدر عنه، فما يعتري النسق التنظيمي لحركة إصلاحية من تعثر يحمل في طياته سؤالا موجها إلى نموذجها المعرفي، وإلى قدرتها على تصحيح مسارها بآليات تواكب تحولات العصر وتستوعب أسئلة المرحلة. وقد جاءت مراجعة بوزنيقة أوسع مدى مما عرفته المحطات السابقة، فهيأت الشروط للانتقال بالسؤال من إصلاح التنظيم إلى تجديد النظرية.

ولما كانت الحركة قد بلورت نظرية في التنظيم، فإن امتحانها الثاني يتصل باستكمالها بنظرية في العمل الإصلاحي تساير مستجدات العالم والمجتمع. وأقصد بها إطاراً تفسيرياً وعملياً يقع بين الاجتهاد المقاصدي والعلوم الاجتماعية والإنسانية، يتميز عن الوثيقة المذهبية بوظيفته التفسيرية، وعن المخطط الاستراتيجي باشتغاله على منطق التغيير ومنهج الإصلاح الحضاري وشروط الفعل، في حين ينشغل المخطط بترتيب الأولويات والمجالات والبرامج لمدة معلومة. وتنصرف هذه النظرية إلى تجديد المقاربات والآليات التي تنهض بها الحركة بوظائفها المعروفة، التربوية والدعوية والمدنية والإصلاحية، فتمنحها قدرة أكبر على الاستجابة لتحولات المجتمع، ولا سيما لدى الأجيال الشابة، مع المحافظة على مرجعيتها الإصلاحية ومقاصدها الجامعة. وللحركة وثائق مرجعية، من ميثاقها إلى مخططاتها الاستراتيجية المتعاقبة، وهي في أغلبها وثائق توجيه وتخطيط، تحدد الاختيارات والأولويات والتصورات الخاصة بمجالات بعينها أكثر مما تبني نموذجا لفهم المجتمع وتحولاته وتعقيدات الفعل الإصلاحي.

وفي تركيز المخطط المحيَّن على بناء الإنسان والحضور الفكري ما يفتح الطريق أمام هذا الورش النظري، ويمنحه موقعا بين أولويات المرحلة. وهذه الحاجة إلى نظرية في العمل الإصلاحي ظلت، في تقديري، أقل حظا من الجهد قياسا بما استثمرته الحركة في بنائها التنظيمي والتربوي والدعوي. ولهذا التفاوت أسباب متداخلة، منها إلحاح العمل الميداني، وما استقطبته المشاركة السياسية وتجربة التدبير الحكومي من نخب، واتساع المسافة بين الباحثين ومواقع القرار.

وتجيب كل نظرية في العمل الإصلاحي عن أسئلة متصلة، تبدأ بالفاعل وثقافته المؤسسية في الاجتهاد وصناعة القرار، وتمر بصورة المجتمع الذي يروم إصلاحه والمجالات التي يتحقق فيها فعله، وتنتهي بالمعرفة والمنهج اللذين يفهم بهما الواقع قبل السعي إلى تغييره. ويقع في صميم هذه النظرية بناء فرضيات تفسر الصلة بين المعرفة والفعل، وتبحث في الشروط التي تتحول بموجبها القيم والتصورات الإصلاحية إلى قدرات اجتماعية ومبادرات مؤسسية قابلة لتقدير أثرها ومراجعة مساراتها.

ويعد إرساء قواعد التداول أشق ما في أعمار الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي، وقد قطعت فيه هذه الحركة شوطا مؤسسيا. فإذا استقرت القواعد جرى تداول المواقع بيسر نسبي، وتظل مراجعة الأطروحات عسيرة حتى في ظل القواعد الراسخة، لأن الأفكار التي رافقت التأسيس تلتحم مع الزمن بذاكرة الجماعة وهيبة بداياتها، فتبدو مراجعتها مساسا بتلك الذاكرة، ويدفع الخوف من المستقبل إلى التمسك بها. ويزيد هذه المراجعة إلحاحا، على عسرها، أنها تجري في لحظة تاريخية تبدلت فيها شروط إنتاج المعرفة والسلطة والتأثير.

وتستند هذه الأسئلة إلى طبقة أعمق، تتصل بالمضمون الفلسفي والمعرفي لنظريات التغيير والإصلاح. فالتحول الحضاري الذي تنشده التجربة الإصلاحية يرتكز على الإنسان فاعلا في التغيير العميق، وعلى الأمة مدخلا للنهضة. والإصلاح الديمقراطي، بما يقتضيه من إرساء قواعد البناء السياسي وترتيب علاقات السلطة وآليات التداول عليها ومحاربة الفساد، مسار حيوي في هذا المشروع. على أن التغيير الحضاري، بما يستلزمه من عمل إصلاحي مركب، أبعد غوراً وأطول نفَساً، وفي رحابه يستعيد الإصلاح السياسي حجمه الطبيعي، مدخلا بين مداخل متعددة للنهضة، تتجاور فيها الإصلاحات الدينية والتربوية والمدنية والثقافية.

ويستلزم ذلك إعادة التفكير في النموذج المعرفي الذي تصدر عنه نظريات الإصلاح، مستحضرةً ما نبّه إليه عبد الوهاب المسيري من تحيّز النماذج المعرفية، وما يفرضه تعيّن الواقع التاريخي والسياسي والاجتماعي والثقافي في العالم العربي والمغاربي. وتحتاج النظرية في ذلك إلى موازنة حكيمة بين الوفاء لخصوصية واقعها والانفتاح على المعرفة الإنسانية المشتركة. ومن هذه الموازنة تتشكل الحاجة إلى مشروع حضاري نهضوي يتكامل فيه دور الدولة ودور المجتمع، بعيدا عن منطق التنازع على الأدوار، وتنفتح فيه الهوية على الحداثة انفتاحا نقديا ينطلق من روحها، فيأخذ من منجزاتها ويحاور مسلماتها.

ويرتد هذا الامتحان إلى البيئة التاريخية التي تشكل فيها الخيال الإصلاحي الحديث. فأسئلة الإصلاح الإسلامي تمتد إلى القرن الثامن عشر، ثم اتسعت في القرن التاسع عشر في سياقات إمبراطورية واستعمارية، ومرت أطوار مهمة منها بمعركة التحرر من الاستعمار، فالاستقلال وبناء الدولة. وللتجربة المغربية خصوصيتها، فقد عرفت دولة سلطانية عريقة سبقت الحماية بقرون، وتشابكت فيها أسئلة الإصلاح الديني واليقظة بقضايا السلطة والحركة الوطنية وبناء الدولة الحديثة. واستأثر سؤال الدولة بمساحة واسعة من خيال الحركة الوطنية، ثم من خيال الحركة الإسلامية في عقودها الأولى، حتى باتت العلاقة بالسلطة ومؤسساتها مدخلا أساسيا لتصور الإصلاح، قبل أن تتجه تجارب منها، وفي مقدمتها هذه الحركة، إلى تعريف نفسها حركة دعوية مدنية.

ثم أخذت التحولات التي تسارعت مع نهاية الحرب الباردة واتساع العولمة، وتعاظمت مع الثورة الرقمية، تعيد رسم الحقول التي يتحرك فيها هذا الخيال. فتنامى الترابط بين القضايا المحلية والإشكالات العابرة للحدود، وتوزعت صناعة الوعي والتأثير بين مؤسسات الدولة والفضاءات الرقمية والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين.

وفي صميم سؤال المجتمع يقع تحول عميق في شروط تكوين الوعي. فمع اتساع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وصعود المنصات الرقمية، تعاظم دور الخوارزميات في توزيع الانتباه وتوجيه الوصول إلى المعرفة، إلى جانب مصالح الشركات واختيارات المستخدمين والسياسات المنظِّمة للفضاء الرقمي.

وانتقلت السيطرة على البيانات والبنى الرقمية إلى قلب التنافس الدولي على النفوذ، وهو ما يمكن تسميته بالجيوبوليتيك الرقمي. وامتدت آثار ذلك إلى التعليم والهوية والقيم، وأعادت طرح أسئلة الثقة والسلطة الرمزية والسيادة المعرفية والأمن الروحي. وفي قلب هذه التحولات تدور معركة الوعي، ويتخذ فيها التنافس على القيم والهوية صورة حرب ثقافية حول الشروط التي تتشكل فيها العقول والوجدان. وأمام هذا التركيب، تجاوزت الإحاطةُ بالتحولات الجارية طاقةَ أي فاعل يعمل بمعزل عن غيره، فرداً كان أو جماعة.

وتجد المقاربات الإصلاحية التي تختزل التغيير في امتلاك أدوات التأثير على الدولة، أو تحصره في إعادة إنتاج الجماعة وتنظيمها، نفسَها أمام واقع يتأبّى على أدواتها، تتوزع فيه السلطة والمعرفة والفاعلية عبر مجالات وشبكات متعددة. وأشد ما يترتب على هذا العسر أن يختل التوازن بين الخطاب والعمل. فالتعبير عن الموقف وظيفة مشروعة تنهض بها الحركات الاجتماعية في تشكيل الرأي العام وممارسة الرقابة المدنية، ويتحول إلى عبء إذا حل محل إنتاج الفعل، فتستغرق الحركة طاقاتها في ملاحقة الأحداث والتعليق عليها، على حساب بناء القدرات والمبادرات والمؤسسات والمشاريع.

ورصيد الحركة الإصلاحية يُنسج على مهل مما تنشئه من مؤسسات ومعارف وكفاءات، ومما تبذله في معالجة مشكلات الناس. ثم يستمد خطابها العمومي وزنه من صلته بهذا الرصيد، ومما ينجزه من تحويل القيم إلى مبادرات والاختيارات الفكرية إلى أثر في المجتمع.

وهنا يطرح سؤال الحيوية المجتمعية نفسه بإلحاح: بأي معايير يمكن تقدير فاعلية حركة إصلاحية راكمت ثلاثة عقود من العمل، وأي وزن ينبغي أن يعطى لامتدادها التنظيمي، وقدرتها على التأثير في الأجيال الجديدة وتجديد الحس المدني المسؤول، وإنتاج المبادرات والمؤسسات التي تستجيب لحاجات الناس؟ وكيف تطورت هذه المؤشرات خلال العقد الأخير، وما الذي تتيحه من معرفة بالفارق بين استمرارية المؤسسة وقدرتها المتجددة على التأثير في المجتمع؟

وإذا كانت التحولات العالمية تعيد رسم خرائط السلطة والمعرفة والتأثير، فإن آثارها الاجتماعية تُعاش في الأمكنة التي ينتظم فيها وجود الناس. فتستعيد المجالات المحلية أهميتها، بوصفها فضاءات يُدرَك فيها أثر المتغيرات الكبرى في تفاصيل الحياة اليومية، وتُجرَّب فيها المبادرات التي تستجيب لها. وتحتل المدينة في هذا المشهد موقعاً متقدماً، لأنها ملتقى ما يعتمل في القيم والثقافة والاجتماع والفضاء الرقمي من تبدلات، ومختبر المبادرة المدنية وبناء القدرات وموطن تشكل الذاكرة وترسيخ الهوية الحضارية، وهي حلقة في شبكة أرحب تضم القرية والحي والجامعة ومؤسسات المجتمع المدني والفضاءات الرقمية.

 وقد نبّه عالم الاجتماع مانويل كاستلز إلى أن السلطة والثروة تنتظمان اليوم في “فضاء التدفقات” العالمية، بينما تُعاش التجربة الإنسانية في “فضاء الأمكنة”، وحذّر من انفصال الفضاءين وهيمنة الأول على الثاني. فتبلغ المبادرة المحلية قوتها حين تصل قربها من الناس، وما تستمده من علاقات الثقة والتنظيم والموارد القريبة، بالحضور في شبكات المعرفة والتواصل العابرة للحدود، وتبقى هامشية حين تنغلق على مكانها. ومن يحسن قراءة هذا التداخل يكسب أرضا في معركة الوعي.

ويتطلب هذا التداخل خيالا إصلاحيا وثقافياً متجدداً، ومراجعة متأنية في المنهج والرؤية، تعيد إلى العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية موقعهما في الفهم والتفسير، حتى تقوم من تكاملهما معرفة بالمجتمع تسبق الحكم عليه وتؤسس للتأثير فيه. وتتجسد هذه المراجعة في إعادة ترتيب العلاقة بين الفهم والحكم، فتتقدم معرفة تفسيرية تتعقب تحولات المجتمع وتناقضاته وحاجاته، وتستند إلى البحث العلمي والدراسات الميدانية، ثم يأتي الحكم المعياري مستنيراً بها.

وبهذا الترتيب تلتقي المعرفة العلمية بالاجتهاد المقاصدي، فيسهم الفهم في ترشيد الحكم والقرار، وتستمد الاختيارات الإصلاحية وجاهتها من قدرتها على استيعاب الواقع والتأثير في تحولاته. ويبدأ هذا التحول عملياً حين يدخل البحث الميداني والتشخيص المجتمعي وتقييم الأثر في صلب صناعة القرار الإصلاحي، فتتأسس المبادرات على معرفة دقيقة بحاجات الناس وتحولات بيئاتهم، وتخضع الاختيارات للمراجعة في ضوء نتائجها.

ومن أوضح مختبرات هذا المنهج اليوم تحولات الأسرة ومنظومة القيم في المجتمع المغربي، حيث يستلزم الإسهام في النقاش التشريعي فهما فكريا متبصرا لتحولات بنية الأسرة وأنماط العيش قبل الحكم عليها.

وعلى هذا الدرب تفيد أطروحة عالم الاجتماع خوسيه كازانوفا حول الأديان العمومية. وقد بناها على حالات متنوعة، وميّز فيها بين حضور الدين على مستوى الدولة، ومستوى المجتمع السياسي بأحزابه وانتخاباته، ومستوى المجتمع المدني ونقاشه العمومي، ثم راجع لاحقا بعض قيود هذا التمييز.

ويمنح هذا التمييز أداة نافعة لقراءة سؤال الدعوي والسياسي، ولفهم حضور الدين في نقاش عمومي مفتوح تتعدد فيه المرجعيات والمواقف والفاعلون، ويضطلع فيه الخطاب الديني، وفق تصوره لرسالته، بالتذكير بالمسلّمات الوجودية والأخلاقية، وبالمشاركة في الحوار حول القيم والعدالة والخير العام. ويزداد السؤال دقة في السياق المغربي، حيث يقوم الحقل الديني على مؤسسة إمارة المؤمنين، التي جعلها دستور 2011 ضامنة لحرية ممارسة الشؤون الدينية، وجعل المجلس العلمي الأعلى الذي يرأسه الملك الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى المعتمدة رسميا. فيتولى هذا الإطار تدبير المرجعية الدينية على مستوى الدولة، وينفتح أمام الفعل الدعوي المدني فضاء المجتمع ونقاشاته.

وتتوقف قدرة التجربة الإصلاحية على تحويل ذخيرتها الأخلاقية والتربوية إلى عطاء مدني عام قادر على استيعاب هذه الخصوصية المغربية، بما يتيح لها الإسهام في النقاش العمومي وإغناء الثقافة المشتركة وخدمة المصلحة العامة، في ظل تعدد الفاعلين وتمايز اختصاصاتهم. ومن هذه الزاوية ينهض سؤال يتخطى الترتيبات التنظيمية إلى البنية التي تنتظم فيها علاقات الدين والمجتمع والسلطة: كيف تتشكل استقلالية الفاعل الديني المدني في حقل تتداخل فيه السلطة الدينية والسلطة الرمزية والتنظيم الدستوري والقانوني الحديث، وتتفاعل جميعها مع تحولات المجتمع وتحديات أنماط العيش الجديدة؟

ويُنتظر من الجيل الجديد أن يتقدم لفتح هذا الورش، فيقيم جسوراً بين ما يختمر داخل البيت الإصلاحي من رؤى وما يُنتَج على تخومه وخارج أسواره، في الجامعة ومراكز البحث وحقل العلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات الاستشرافية وحقل دراسات التعقيد، وفي مدارس فكرية تختلف معه في المنطلق وتلتقي معه في هموم النهضة. فالنهوض الحضاري مهمة يشترك فيها الفيلسوف والمؤرخ والأديب والفنان وعالم الاجتماع، إلى جانب العالم والتقني والاقتصادي. ويتوسط هذه الشراكة المثقف النقدي العضوي، صلة وصل بين الفكرة والتنظيم، يحمي العقل الوظيفي من الاستغراق في التدبير، ويمنح الأطروحة الإصلاحية عمقها الفكري وامتدادها الاستراتيجي.

وتنطلق المراجعة المنشودة من الرصيد النظري الذي راكمته الحركة، فتمتحن قدرته التفسيرية على محك التحولات الجديدة، وتتبين حدود صلاحيته، ثم تبني عليه وتطوره. ويحتاج ذلك إلى حوار هادئ حول المقولات المؤسِّسة للعمل الإصلاحي، يُفرَز فيه ما يستحق البقاء من هذا الموروث عما استنفد وظيفته التاريخية.

ويقوم هذا الحوار على تمييز يقظ بين المقاصد الكبرى للمرجعية والاختيارات الاجتهادية التي صيغت في سياقات تاريخية بعينها، فالمرجعية الحية تغتني بما تستوعبه من معارف جديدة، وبما تجرؤ على مراجعته من تلك الاختيارات. والعقل يتسع بمقدار ما يحاور، وتعود الفكرة إلى بيئتها أصلب عوداً كلما اختُبرت خارجها. وهكذا يبلغ التداول الذي بدأ في المواقع تمامه حين يصل إلى النظرية التي توجّه العمل وتسدده، فالمؤسسات التي تجدد قياداتها وتستأنف مراجعة أفكارها تمتلك من أسباب الحياة ما يجعل مستقبلها أكبر من تاريخ مؤسسيها.

د. سلمان بونعمان: أستاذ العلوم السياسية، رئيس مركز معارف للدراسات والأبحاث

أخبار / مقالات ذات صلة