د. أوس رمّال يكتب: بين “التجديد” و”التفكيك”.. كيف نقرأ بعض الخطابات الفكرية الجديدة؟

تعيش الساحة الفكرية في عالمنا الإسلامي والعربي، بين الفينة والأخرى، على وقع نقاشات حادّة تُرفع فيها شعارات “التّجديد” و”التّنوير” و”إعادة قراءة التّراث”. وهي شعارات في أصلها مشروعة، بل ومطلوبة؛ إذ لا يمكن لأمة أن تحيى بعقلٍ جامد أو بفكرٍ منغلق على ذاته؛ دون مراجعة أو تطوير أو اجتهاد. غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ التجديد، وإنما في طبيعته ومنهجه وحدوده.
لقد عرف تاريخنا الإسلامي نماذج رفيعةً من التجديد العلمي الرصين؛ الذي جمع بين الوفاء للأصول والقدرة على الاجتهاد في الفروع؛ فكان التجديد عند علمائنا ترشيدًا للفهم؛ وليس قطيعةً مع المرجعية، وبناءً تراكميا على الموجود؛ وليس هدمًا لكلّ ما خلّفه السّابقون. وهكذا بقيت الأمة، رغم اختلاف عصورها وتعاقب أجيالها؛ محافِظة على توازنها بين الأصالة والمعاصرة.
أما هذه الخطابات التي تطفو اليوم، فإنها تُقدَّم في ظاهرها بوصفها دعوة إلى التّفكير النّقدي، لكنّها -في عمقها- تميل إلى اختزال التّراث في صور نمطية، أو إلى تقديمه باعتباره عائقًا كليًا أمام التقدم، أو إلى إعادة تفسير تاريخنا الإسلامي وفق سرديات جاهزة لا تراعي تعقيداته وسياقاته. وهنا يتحول “النقد” من أداة للفهم إلى أداة للتفكيك والهدم، ومن وسيلة للإصلاح إلى مدخل لإثارة الشكوك وبث الاضطراب.
إن الفرق بين التجديد والتفكيك فرقٌ دقيق لكنه حاسم:
ففي الوقت الذي ينطلق فيه “التجديد” من الثقة في المرجعية، ويسعى إلى فهمها وتنزيلها في الواقع بكفاءة أعلى؛ نجد “التفكيك” يقوم على الشك في الأصول ذاتها، ويعمل على زعزعة المسلّمات دون تقديم بديل معرفي متماسك. ثمّ إنّ التجديد يبني. أما التفكيك فغالبًا ما يكتفي بالنقد دون أن يقيم بناءً.
وفي هذا السياق، يصبح من واجبنا أن نتعامل مع هذه النقاشات بوعي واتزان، بعيدًا عن ردود الفعل المتشنجة أو الانجرار إلى معارك استقطابية. فما يحتاجه مجتمعنا هو: خطاب علمي هادئ؛ يُحسن التمييز بين ما يستحق المراجعة وما ينبغي تثبيته، ويُعيد الثقة في قدرة تراثنا على الإسهام في بناء الحاضر والمستقبل.
كما أن الانفتاح على الأسئلة الجديدة لا يعني التنازل عن الثوابت؛ بل يقتضي امتلاك أدوات معرفية رصينة لفهمها وتأطيرها. فليس كل سؤال جديد دليلًا على عمق في الفهم، وليس كل طرح صادم علامة على الجرأة العلمية؛ بل العبرة بمدى التزامه بالمنهج واحترامه للسياقات وقدرته على الإقناع لا مجرّد الاستفزاز.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس ظهور واستيراد هذه الخطابات في حدّ ذاته، وإنما كيفية التعامل معها: هل نكتفي بتجاهلها أم نرفضها أم نحوّلها إلى فرصة لتعميق وعينا وتجديد خطابنا وتقوية مناعتنا الفكرية؟ وهذا الخيار الأخير هو الأجدر بنا، لأنه يحول التّحدي إلى طاقة بناء، ويجعل من النقاش وسيلة للنضج لا سببًا للانقسام.
وفي الأخير، فإننا أحوج ما نكون إلى ترسيخ خطاب يجمع بين الثقة والوعي: الثقةِ في ديننا وتراثنا وهويتنا، والوعيِ بواقعنا وتحولاته وأسئلته. خطابٍ يُطمئن ولا يُخدّر، ويُقنع ولا يُقصي، ويُجدّد ولا يُفكّك. وبذلك فقط نستطيع أن نواصل مسيرتنا في الإصلاح، على بصيرة، وفي توازن، وبروح مسؤولة تجاه حاضرنا ومستقبل أمتنا.
الرّباط: 20 شوّال 1447ه / 08 أبريل 2026 م




