الرئيسية-رمضانصحةقضايا

دة حنان الإدريسي: رمضان مدرسة الإرادة وفرصة التحرر من التدخين وسائر أنواع الإدمان

رمضان استثناء في نظام الكون: لماذا رمضان موسم للتغيير؟

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين، ونادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر”. رواه مسلم.

إن هذا الحديث يؤسس لفهم عميق لرمضان بوصفه استثناءً في نواميس الكون التي خلقها الله. فحين يدخل رمضان، تبدأ حركة تغيير من عند الله سبحانه وتعالى؛ تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفّد الشياطين، ويُدعى الإنسان دعوة مباشرة إلى الإقبال على الخير والكف عن الشر.

إنه موسم يُراد له أن ينتشر فيه الخير في النفوس وفي الواقع، وأن يضعف فيه الشر في النفوس وفي الواقع.

هذه التغييرات التي تقع في عالم الغيب ليست عبثًا، بل هي تهيئة كبرى للإنسان كي يتغير. فالله عز وجل يهيّئ المناخ الكوني والروحي ليكون دافعًا قويًا نحو التحول الداخلي، وكأن الكون كله يُعاد ترتيبه ليمنح الإنسان فرصة جديدة لإعادة ترتيب نفسه.

ويأتي التصريح القرآني ليؤكد مقصد الصيام:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

فالمقصد الأساسي من الصوم هو التقوى، أي بناء رقابة داخلية ووعي دائم بالله، يقود إلى ضبط السلوك وإعادة تشكيل الإرادة.

كل هذه التحولات التي تتجاوز عالم الشهادة إلى عالم الغيب، إنما تُهيَّأ ليتمكن الإنسان من التغيير. فالصوم وسيلة، والقرآن وسيلة، والصلاة وسيلة والجو الإيماني العام وسيلة، وكلها تساعد الإنسان على تقوية مؤهلاته النفسية، فيصبح أكثر تحكمًا في نفسه، وأكثر قدرة على ضبط رغباته.

ومن أهم مجالات التغيير التي يفتحها هذا الشهر: التحرر من الإدمان وعلى رأسها التدخين لأنه القاتل رقم 1 ولأن المجتمع طبع معه ولأنه المفتاح لباقي المخدرات…..، وكذلك سائر أشكال الاعتماد السلوكي أو النفسي أو الجسدي.

إن رمضان ليس حلاً سحرياً للإدمان، لكنه فرصة حقيقية وبداية ممكنة. فمن دخل هذا الشهر بوعيٍ تربوي وبخطة عملية، قد يخرج منه أقوى نفساً وأكثر قدرة على التحكم في نفسه، سواء نجح في الإقلاع النهائي أو بدأ مسار التعافي الجاد.

الإدمان: ظاهرة مركّبة تحتاج إلى وعي

الإدمان، سواء تعلق بالتدخين أو الكحول أو غيرهما، ليس مجرد عادة سطحية، بل هو ظاهرة مركّبة تتداخل فيها ثلاثة أبعاد:

  • بعد جسدي يتعلق باعتماد الجسم على مادة معينة.
  • بعد نفسي مرتبط باستخدام تلك المادة لتخفيف التوتر أو القلق أو الملل.
  • بعد سلوكي يرتبط بعادات يومية و”روتين” ومواقف اجتماعية محددة.

هذا التداخل يجعل الإقلاع تحدياً حقيقياً، ويجعل الأيام الأولى من الانقطاع مصحوبة بأعراض انسحاب مثل التوتر والصداع وصعوبة التركيز. لكن رمضان يوفّر تجربة عملية تثبت للمدخن أو المدمن أنه قادر على العيش ساعات طويلة دون تلك المادة، وهو ما يعزز ثقته بنفسه وقدرته على التغيير.

لماذا يختلف الناس في أثر رمضان عليهم؟

الملاحظ أن بعض الناس يعيشون رمضان وهم أكثر طمأنينة واتزانًا، بينما يعيشه آخرون وهم متوترين وضيقي الصدر كثيري الغضب بحجة الصيام .

والسبب أكيد ليس في رمضان ذاته، بل في طريقة استقبال الناس لرمضان ونضرتهم إليه .

يوجد من الناس من ينتظر رمضان بشوق ويعيش أيامه ولياليه بكل حب وطمأنينة   وفي المقابل يوجد من الناس من يتوتر أثناء الصيام ويشعر بثقل العبادة،

فطريقة الاستقبال، ونظرة الإنسان لرمضان، وكيفية إدارة الإنسان لجسده ونفسه، هي التي تجعل الأثر إيجابيًا أو سلبيًا على الشخص الصائم.

التوتر في رمضان: دراسة ميدانية في الدار البيضاء

أُجريت دراسة في الدار البيضاء على مدار سنتين خلال شهر رمضان لدراسة التوتر لدى الصائمين: هل هو موجود فعلًا؟ وما أسبابه؟ وهل له علاقة بالصوم؟

أظهرت النتائج أن التوتر قد يزداد لدى بعض الصائمين في رمضان، لكن التحليل بيّن أن السبب ليس الصوم نفسه، بل عوامل أخرى أبرزها:

  1. التدخين

المدخنون يعانون أصلًا من مستويات أعلى من التوتر مقارنة بغير المدخنين، ويزداد التوتر لديهم في رمضان بسبب الامتناع المفاجئ عن النيكوتين، خاصة عند من لم يستعدوا لذلك.

  1. الإفراط في القهوة

الاعتماد الشديد على القهوة يجعل الامتناع عنها في رمضان سببًا لظهور أعراض انسحاب، منها الصداع والتوتر والقلق.

  1. الكحول

الامتناع المفاجئ عن الكحول قد يسبب توترًا وأعراض انسحاب، خاصة لدى من لديهم اعتماد قوي عليه. وقد لوحظ أن بعض الناس يتوقفون عن الكحول قبل رمضان بفترة، مما يقلل من الأعراض السلبية.

  1. اضطرابات النوم

السهر الطويل وقلة النوم يؤديان إلى اضطراب المزاج وسرعة الغضب خلال النهار.

إذن الصوم بريء من التوتر الذي يصيب بعض الناس وهم صائمون بل الصوم الحقيقي يهدف إلى تخليص الإنسان من هذه التوترات، لا إلى تكريسها.

قال صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

المدمن ورمضان: هل هو فرصة للإقلاع؟

يعيش كثير من المدمنين عامة رمضان بين معاناة الانقطاع نهاراً والإفراط ليلاً، فيتحول الشهر عندهم إلى دورة من الحرمان والتعويض. غير أن المقاربة التربوية والطبية ترى في رمضان فرصة علاجية حقيقية يمكن أن تكون نقطة بداية للإقلاع النهائي إذا أحسن استثمارها.

السؤال المطروح هو: هل يمكّن رمضان المدمنين من الإقلاع النهائي عن التدخين أو باقي المخدرات أو الكحول؟

الجواب: رمضان ليس ضمانًا للتوقف النهائي، لكنه فرصة ثمينة يمكن اغتنامها.

يمكن أن يكون رمضان حافزًا معنويًا قويًا، كما يمكن استثمار ساعات الصيام كمرحلة علاجية ضمن خطة الفطام، ولكن بشرط أن يرى المدمن في رمضان فرصة للتغيير وأن يتوفر عنده الحافز للتغيير. المدمن الذي لا يرى في الإدمان مشكلة ولا يرى في رمضان فرصة للتغيير سيظل على حاله، وربما يزداد ضيقًا. أما الذي يمتلك حافزًا حقيقيًا للتوقف عن الإدمان ويرى في رمضان فرصة، فقد ينجح في التوقف أو التقليل أو بدء مسار التعافي، خاصة إذا استعان بطبيب الإدمان واستفاد من دعم أسرته.

فالامتناع عن التدخين مثلا لساعات طويلة يومياً يساعد الجسم على التكيف دون النيكوتين، ويكسر بعض الروابط السلوكية المرتبطة بالتدخين، مثل التدخين مع القهوة أو في أماكن معينة أو مع أصدقاء محددين. كما أن الأجواء الإيمانية تعزز الدافعية الداخلية وتزيد القدرة على الصبر.

وبالتالي فالنجاح في الإقلاع لا يحدث تلقائياً؛ فهو يعتمد على عوامل عدة، منها:

  • استعداد المدمن النفسي للتغيير.
  • مرحلته في مسار التعافي.
  • وجود خطة علاجية واضحة.
  • الدعم الأسري والاجتماعي.

التحديات التي قد يواجهها المدمن في رمضان

رغم أن رمضان فرصة للتغيير، فإنه يحمل أيضاً تحديات حقيقية، من أبرزها:

  • أعراض الانسحاب خلال النهار في الأيام الأولى.
  • الرغبة الشديدة في التدخين بعد الإفطار.
  • العادات الاجتماعية المرتبطة بالتدخين.
  • اضطرابات النوم والتقلبات المزاجية.

هذه التحديات مؤقتة في الغالب، ويمكن تجاوزها بالصبر والتنظيم والدعم النفسي وقد يحتاج أدوية طبية ومع مرور الأيام، يبدأ الجسم في التكيف، وتخفّ حدة الأعراض تدريجياً.

كيف يمكن استثمار رمضان في التعافي؟

لتحويل رمضان إلى نقطة انطلاق نحو التحرر من الإدمان، يمكن اعتماد مجموعة من المبادئ العملية:

  1. الاستعداد النفسي: أن يكون قرار التغيير نابعاً من قناعة داخلية، مع إدراك أن التعافي عملية تدريجية تحتاج إلى صبر.
  2. وضع خطة واضحة: بالتعاون مع مختص عند الحاجة، مع استثمار ساعات الصيام كفترة تدريب على الامتناع.
  3. تقليل التعاطي الليلي تدريجياً: بدلاً من التعويض المفرط بعد الإفطار، يمكن تقليل الكمية وتأخير الجرعة الأولى.
  4. تغيير الروتين والعادات: تجنب الأماكن التي تعزز الرغبة في التدخين، واستبدالها بأنشطة صحية كالمشي والذكر.
  5. تنظيم النوم والغذاء: اضطراب النوم يزيد التوتر ويصعّب التحكم في الرغبات.
  6. الدعم الأسري والاجتماعي: إخبار الأسرة والأصدقاء بقرار التغيير وطلب الدعم منهم.
  7. تعزيز الجانب الإيماني: الانشغال بالصلاة والقرآن والذكر يخفف التوتر ويقوي الإرادة ويملأ الفراغ الذي كان يشغله الإدمان.

رمضان… ليس معجزة فورية بل بداية طريق

التغيير الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة، بل يمر بمراحل. وقد يحتاج المدمن إلى أكثر من محاولة قبل الإقلاع النهائي. المهم هو الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر.

ورمضان يعلّم الإنسان الصبر على المباح، وهو قادر – بعون الله – على أن يكون تدريباً عملياً على الصبر عن الضار. وكل يوم يمرّ دون تدخين أو تعاطٍ هو خطوة نحو التحرر.

إن جوهر رمضان هو إعادة بناء العلاقة مع النفس: ضبط الرغبات، وتقوية الإرادة، واستعادة التوازن الداخلي. وبالنسبة للمدمنين، قد يكون هذا الشهر بداية طريق التعافي إذا استُثمر بوعي، وبمرافقة علاجية عند الحاجة، وببيئة داعمة.

خاتمة

رمضان موسم فريد تتغير فيه الأجواء الروحية والنفسية، وتُفتح فيه أبواب الخير، وتُمنح فيه للإنسان فرصة جديدة لإعادة ترتيب حياته. وهو بالنسبة للمدخنين والمدمنين ليس مجرد فترة انقطاع مؤقت، بل فرصة سنوية ثمينة لإعادة بناء الإرادة والتحرر من العادات الضارة.

قد لا يضمن رمضان الإقلاع النهائي، لكنه قد يكون البداية. وقد لا يكون معجزة فورية، لكنه مدرسة تربية عميقة.

ومن استطاع أن يصوم ساعات طويلة دون سيجارة أو مادة مخدرة، فقد أثبت لنفسه أنه قادر – بإذن الله – على أن يعيش حياة أكثر حرية وتوازناً.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى