الرئيسية-مقالات رأي

من الفهم السُّنني إلى التكليف السُّنني: تأملات في قانون “الأخذ بأسباب القوة” من وحي الآية 60 من سورة الأنفال

المقالة الثامنة

أولا؛ مدخل منهحي: في بيان مفهوم التكليف السُّنني

يُحصر التكليف في التصور الشائع لدى عموم المسلمين في أوامرَ ونواهٍ فردية، أو في عبادات ومعاملات مضبوطة فقهيا ومذهبيا. وهذا أمر لا يمكن التقليل من شأنه. لكن القرآن يقدّم مستوى أعمق: التكليف هو الاندراج الواعي داخل سُنن الله في الكون والتاريخ. بهذا المعنى يتحول التكليف السُّنني من تفسير استعراضي للتاريخ، إلى وعي بالمسؤولية في صناعته.

فكما أن مخالفة السنن الكونية (الجاذبية مثلا) تُهلك صاحبها بالسقوط المميت من ارتفاع معين دون احتياط، فإن تعطيل السنن التاريخية (كالتدافع والإعداد..) يُخرج الأفراد والجماعات والدول والحضارات من الفاعلية التاريخية. ومن هنا فإن الإيمان بالسُّنن ليس مجرد معرفة ذهنية وسلوك تعبُّدي، على أهميتهما القصوى في تقرير المصير الفردي الأخروي، بل التزام تاريخي جماعي ورسالي، يقرر مصير الجماعات والأمم.

لهذا السبب يُعدّ التكليف السُّنني نقلة تفكرية نوعية في إدراك العلاقة مع العالم، والتاريخ، وقوانين التدافع في إقامة وصيانة العمران بالقرآن. فهذا الفهم من جهة، يحرّر المستضعفين من الركون لعقلية الضحية، ويمنع اختزال القدر في الانتظار؛ ومن جهة أخرى يُسقط التديّن الاتكالي، ويُعيد وصل عقيدة التوحيد بالفعل التاريخي. فالله لا يُسقط الظلم بدل الناس، ولا يُداول الأيام نيابة عن الغائبين عن التدافع، ولا يُفعل السُّنن لمن يرفض الانخراط في إقامة شروطها.

ثانيا؛ لماذا لا يكفي الفهم السُّنني في تأكيد الحضور في التاريخ ؟

شهد الاشتغال المعاصر بالسُّنن القرآنية توسعًا ملحوظًا في مستوى التحليل والتفسير، غير أن هذا التوسع يظل في بعض تجلياته قاصرا يدور حول الفهم التفسيري، دون أن ينتقل إلى مستوى تفكيك وبناء بُعد الالتزام العملي. بلغة أوضح، تمّ التعامل مع السُّنن القرآنية بوصفها قوانين تفسيرية للتاريخ، لا بوصفها موجِّهات تكليفية للفعل البشري داخله . من هنا تبرز الحاجة المنهجية إلى الانتقال من الفهم السنني إلى التكليف السنني وربطهما ربطا عضويا؛ أي التحول من إدراك كيفية اشتغال القوانين الإلهية في الواقع، إلى الوعي بأن هذه القوانين تُحمِّل الإنسان، فردًا كان أو جماعة أو دولة أو أمة، مسؤولية الاندراج الواعي داخل شروطها. فالسُّنن لا تعمل خارج مسؤوليات الفاعلين، ولا تُنتج آثارها لمن يكتفي بمراقبتها أو انتظار نتائجها على سبيل التبرُّك لا التحرُّك.

ثالثا؛ السُّنن القرآنية بين الإخبار والتكليف

لا يقدّم القرآن السُّنن بوصفها أخبارًا محايدة عن حركة الكون والتاريخ وقوانين التدافع فيهما، بل يعرضها في سياق توجيهي واضح. فكما أن الإيمان بقوانين الكون الطبيعي يستلزم فهما لتسخيرها وعدم مصادمتها، فإن الإيمان بالسُّنن التاريخية يقتضي، بعد الفهم، الالتزام بمقتضياتها العملية وعدم مصادمتها أيضا.

أما من فهوم كبار المفسرين، فالطبري يقرّر ان الأمر بإعداد القوة- على سبيل المثال – توجيه دائم للأمة بألا تُفاجأ بالقوة المعادية، وأن ترك الإعداد نوع من التعرّض للهلاك. وبيّن القرطبي أن القوة هنا عامة في كل ما يُرهب العدو ويمنع طمعه، لا في السلاح وحده. أما الرازي ، فنبّه إلى أن الله – مع قدرته المطلقة – لم ينصر المؤمنين بلا أسباب، ليقيم الحجة على أن سننه لا تُعطَّل بالانتساب الإيماني المجرد أو المشلول الإرادة. ويؤكد ابن عاشور ما معناه أن الآية تؤسس لعقلية استراتيجية، لا لردود فعل ظرفية.

بهذا، يتأكد أن الأخذ بأسباب القوة ليس خيارًا سياسيًا، بل تكليفًا سننيًا، والتخلّف عنه ليس زهدًا في الدنيا، بل تعطيلًا لقانون من قوانين الله في الاجتماع الإنساني.

رابعا؛ مصير مصادمة السنن القرآنية: نموذج تفسيري لاستنهاض قوة المسلمين.

على أساس ما سبق، فإن تعطيل فهم العمل بالسُّنن (الكونية الطبيعية وفي العمران البشري) عند المسلمين، لا يُعدّ قصورًا معرفيًا فحسب، بل إخلالًا بالتكليف السُّنني. فالله لا يغيّر، ولا يُداول، ولا يدفع، ولا ينصر، إلا في سياق شروط محددة، تتعلق بالفعل البشري الواعي. وهذا المعنى هو ما يحرّر السُّنن من التناول القدَري السلبي، ويعيد ربطها بالمسؤولية البشرية.

فالآية  “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة” ليست أمرا عسكريا فحسب، بل هي قانون سنني مكتمل الأركان.  غالبًا ما تقرأ هذه الآية في سياقها القتالي تأثرا بظلالها المباشرة، غير أن بنيتها اللغوية والدلالية تكشف عن أفق أوسع. فالأمر بالإعداد هنا ليس توجيهًا ظرفيًا، بل تأسيس لقانون سنني دائم، قوامه أن امتلاك القوة – بمختلف أشكالها – شرط فاعلية، لا وعد بالهيمنة وفق النموذج المشيحاني اليهودي الخلاصي (مثلا) . فالقوة في هذا السياق لا تختزل في السلاح، بل تشمل: القوة الإيمانية، والمعرفية، والتنظيمية، والاقتصادية، والتواصلية، وقبل ذلك كله، قوة السردية.

في ذات سياق الفهم، فإن ارتباط الأمر بعبارة “ما استطعتم” يرفع الإعداد من مستوى التطلع الكمالي إلى مستوى الاستطاعة الواقعية، ويمنع تحويله إلى شرط تعجيزي أو ذريعة للتقاعس.

فالتكليف السُّنني بوصفه نقيض الاتكال، يُعدّ من أهم مداخل  تصحيح الخلل في الوعي الديني لدى المسلمين واستنهاض همتهم لامتلاك القوة في التاريخ، لأنه يربط بين الإيمان والعمل، ويحوّل الثقة بالله إلى رفض للانسحاب من الفعل، أو العمل “بأضعف الإيمان”. فقانون إعداد القوة يفكك هذا الوهم من أساسه، لأنه يربط النصر، والدفع، والتداول، بمدى الاندراج في شروط الأخذ بأسباب القوة الممكنة، في سقفها الأعلى المستطاع.

فالإيمان بقانون الأخذ بالأسباب لا يُنتج قلقًا دائمًا، بل يولّد طمأنينة فاعلة؛ طمأنينة من يدرك أن النتائج ليست بيده، لكن التدافع لتوليد الشروط مسؤوليته. وبهذا المعنى، يصبح التكليف السنني قوة تحررية تولد الانعتاق من العبوديات، لا عبئًا نفسيا يشُلُّ الإرادة.

إن قانون الأخذ بأسباب القوة يعتبر المدخل الطبيعي للجناح الثاني من مدوّنة السُّنن القرآنية، لأنه يضبط علاقة الإنسان بالفعل، قبل الانتقال إلى سنن التدافع، والبناء التنظيمي المرصوص، والانسلاك في دورة استثمار قوانين المكر والاستدراج والإملاء والإحاطة، والمرصاد، وغيرها. فهذه السنن لا تشتغل في فراغ، بل تفترض فاعلين منخرطين في الإعداد، واعين بحدود استطاعتهم بمفهوم “السقف الأعلى” الممكن، مدركين أن إعداد القوة في شمول معناها وتعدد جبهاتها، وسيلة تُحقق التداول، لا غاية للسيطرة الأبدية.

خامسا؛ مصير مصادمة السنن القرآنية: نموذج الشيوعية والرأسمالية، للاعتبار.

من منظور تفكري وتدبري للسنن القرآنية، لم تسقط الشيوعية لأنها أخفقت في إدارة الاقتصاد فحسب، بل لأنها قامت، في بنيتها النظرية، على محاولة إلغاء التعدد الاجتماعي والاقتصادي باسم “المساواة الشيوعية” . فالمساواة في التصور الماركسي ليست مبدأً أخلاقيًا محايدًا، بل آلية لإذابة الفوارق الطبقية عبر نفي الملكية الخاصة واحتكار الدولة لوسائل الإنتاج، بما يؤدي عمليًا إلى تجميد التنافس، وتعطيل التداول، وتحويل المجتمع إلى كتلة واحدة مفترضة التطابق في الاستعدادات وتقدير المصالح والمنافع. وبهذا المعنى، دخلت الشيوعية في صدام مباشر مع قانون التدافع المبني على التعدد والتنافس، فكان سقوطها نتيجة سننية بنيوية عرَّت حدود الفكر الماركسي، لا مجرد هزيمة سياسية خارجية.

أما الرأسمالية فقد سلكت مسارًا معاكسًا في الشكل، لكنه مماثل في الجوهر؛ إذ أقرت التنافس، لكنها أنكرت التداول، وروّجت لوهم نهاية التاريخ الذي عطل عقلها عن الشك في أعطاب تفكيرها، فادّعت لنفسها موقع القيادة الأبدية باسم التفوق القيمي الموهوم، والقوة المادية الامبريالية العمياء. وهو ادعاء لا يصادم سنن التاريخ فحسب، بل ينقض، في عمقه، قانون وحدانية الله في السيادة، لأن السيادة المطلقة لا تستقر في التاريخ، ولا تُمنح لبشر أو لمنظومة حُكم.

سادسا؛ التكليف السنني تجاه الحالة الصهيونية: من اضطراب الفهم إلى يقين التكليف

إن النظر إلى الحالة الصهيونية من منظور الفهم السنني يحوّل قرنا من الاضطراب الفكري اللّاسُنني، والإحباط الناتج عنه – بسبب نتائج عقود الاستيطان والاحتلال والقتل والتهجير والإبادة – إلى طاقة استشرافية فاعلة. فالأزمة التي تكاد تبدو مستعصية ليست مجرد اختبار سياسي أو عسكري، بل تجربة تكليفية سننية تدعو أصحاب كل ذي حق تاريخي وديني وإنساني في فلسطين، إلى إدراك أن حركة السنن الإلهية في التاريخ تشتغل لصالحهم، لأن قانون التداول ذو طبيعة قهرية غلابة لا تقبل الاستثناء.

هذا الفهم يتيح إدراك أن النصر ليس مجرد أمل وسراب بِقيعةٍ يحسبه الظمآن ماء، بل نتيجة مباشرة لتحقق النبوءات القرآنية والحديثية التي تحدد مصير التتبير الحتمي للعلو الكبير والإفساد في الأرض المقدسة. ومن ثم، فإن الانخراط في شروط التكليف السنني – بتفعيل قانون الأخذ بالأسباب، والتراكم المقاوم، والتمسك بالعدل والحق – ليس واجبًا عباديًا فحسب، بل شرطًا موضوعيًا لحدوث هذا النصر الوجودي. فكل فعل مقاوم، مهما بدا محدودًا، يصبح جزءًا من حركةِ تَحقُّق السنن في التاربخ، ويحول الإيمان إلى طاقة استشرافية وفاعليةٍ ملموسة، تعيد رسم موازين القوى، وتحطم وهم السيادة المطلقة لمشروع الطغيان اليهودي الصهيوني.

خاتمة

إن الانتقال من الفهم السُّنني إلى فهم التكليف السُّنني لا يحمي المستضعفين من الهزيمة العملية فحسب، بل يحميهم من ثقافة الاتكال والانتظار وشعور الضحية، ويحوّل الإيمان بالسُّنن إلى طاقة عمل واستشراف سنني هائلة. وهذه الطاقة تصبح بتراكم الفعل المقاوم قوة تسخير سنني لقانون التداول: تفكك منظومات العلو والإفساد، وتجردها من وهم السيطرة المطلقة، وتؤكد أن السيادة المطلقة لله وحده، وأن النصر ليس مجرد وعد إيماني، بل نتيجة لاندراج واعٍ في شروط السنن، وركوب لموجها العالي ومخاطره، وامتثال للتكليف الذي يجعل تحقق النبوءات التاريخية قرينا بالعمل المستمر. فالسُّنن حين تدخل حيز التكليف بعد الفهم، لا تُحابِي، ولا تخذل من أخذ بأسبابها.

والله المستعان

د. الحبيب الشوباني

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى