أخبار عامةالرئيسية-

خريطة المكتبات والفضاءات الثقافية بالمغرب.. عجز دون المعايير العالمية

تعد المكتبات والفضاءات الثقافية من أهم المعالم الفكرية للحياة المعاصرة كما كانت عبر التاريخ. وتؤشر على منسوب الوعي كلما انتشرت داخل المجتمعات وحظيت بالقبول والإقبال. إذ تعد الثقافة من ضمن الركائز الأساسية التي يقوم عليها البناء الإنساني.

وفي المغرب، بدأت خريطة الشبكة الوطنية للبنيات التحتية الثقافية المغربية في التجلي بفعل التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 الذي انصبت إحدى مهمته على تقييم إنشاء وتدبير المنشآت والبنيات التحتية الثقافية خلال الفترة 2018-2024 على اعتبار أنها من الدعائم الأساسية للنهوض بالقطاع الثقافي.

وتتشكل الخريطة الثقافية الوطنية من منشآت محدثة ومسيرة من قبل مختلف الفاعلين العموميين، بما فيهم وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والجماعات الترابية، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فضلا عن عدد من الجمعيات النشيطة في المجال الثقافي والمؤسسات الخاصة.

مكتبات عمومية قليلة

ويبلغ عدد المنشآت الثقافية المستغلة، عند متم سنة 2024 ما مجموعه 1176 وحدة موزعة على مجموع التراب الوطني، وتشمل مختلف أصناف الفضاءات الثقافية من مراكز ثقافية، ومسارح، وقاعات عروض، ومعارض فنية، ومكتبات عمومية، وخزانات وسائطية، ومعاهد موسيقية، ودور شباب، وغيرها من الفضاءات الموجهة لخدمة الشأن الثقافي.

وتعتبر المكتبات على رأس الأماكن الثقافية الرئيسة، ولا يتجاوز معدل التغطية الخاص بالمكتبات العمومية على المستوى الوطني، حسب معطيات الوزارة المكلفة بالثقافة 1.01% لكل 1.000 نسمة، وهي نسبة لا تصل إلى مستوى المعايير التي حددتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

ولا تتجاوز نسبة المستفيدين من خدمات شبكة المكتبات العمومية ما يناهز 5% من مجموع السكان، وهي نسبة ضعيفة مقارنة بالمعايير الدولية التي تفوق، في بعض البلدان 25% وفقا لمعطيات (اليونسكو)، وبالتالي فمجموعة المبادرات المترابطة بالثقافة لم تنعكس بالشكل الكافي على مؤشرات الأداء العامة لشبكة المكتبات العمومية.

غياب العدالة الثقافية المجالية

ويشكل غياب العدالة الثقافية المجالية إحدى العوائق للفعل الثقافي، حيث إن عدد الجماعات التي تتوفر على منشآت ثقافية، من قبيل المراكز الثقافية، ودور الشباب، والمركبات السوسيوثقافية، والمكتبات العمومية، والخزانات الوسائطية، والمسارح، والمعاهد الموسيقية، لا يتجاوز 380 جماعة على المستوى الوطني، أي ما يعادل 25% فقط من مجموع الجماعات الترابية.

ولا تتجاوز نسبة البنيات التي تُدار من قبل جمعيات 5% من مجموع المنشآت على المستوى الوطني، أما انخراط القطاع الخاص، فيبقى شبه منعدم، في ظل غياب إطار تحفيزي وتنظيمي واضح يُشجع مساهمته في تنشيط واستغلال هذه الفضاءات ويُعزز الشراكات مع الفاعلين في مجال الترفيه والسياحة الثقافية.

وتتكرس هذه الوضعية بفعل التأخر المسجل في تفعيل ورش اللاتمركز الإداري على المستوى الوطني، حيث لم يتجاوز معدل تنفيذ خارطة الطريق الخاصة بتفعيل ميثاق اللاتمركز نسبة 36% في متم 2024 وذلك في ظل بطء إرساء التمثيليات الإدارية القطاعية أو المشتركة على المستويين الجهوي والإقليمي.

مشاريع متعثرة ومتوقفة

وتُبرز هذه النسبة المحدودة ضعف التغطية الترابية للشبكة الثقافية الوطنية، وغياب سياسة مندمجة لتحقيق عدالة مجالية في توزيع الفضاءات الثقافية، إذ لم تؤد الجهود المبذولة منذ 2018 إلى تعميم البنيات الثقافية بشكل عادل ومتوازن على مختلف الجماعات الترابية.

وتبرز إحدى المشاكل التي تعيق هذا القطاع في تعثر المشاريع المتعثرة إذ بلغت عدد المشاريع الثقافية المتوقفة خلال الفترة 2018–2024 ما مجموعه 21 مشروعا، بكلفة إجمالية تتجاوز 388 مليون درهم. وتتوزع هذه المشاريع على مختلف جهات المملكة حيث سجلت جهة فاس-مكناس نسبة 24% من إجمالي المشاريع المتعثرة.

في المقابل، يبلغ عدد البنيات التحتية الثقافية غير المستغلة على المستوى الوطني 81 منشأة، أي ما يمثل 16% من إجمالي الرصيد العقاري للفضاءات الثقافية التابعة للمديريات الجهوية للثقافة. ويؤشر هذا على ضعف مردودية جزء مهم من الاستثمار العمومي الموجه للقطاع، وكذا قصور في نجاعة حكامة تدبير واستغلال هذه البنيات.

إسهام اقتصادي ضئيل

ومن الإشكاليات المطروحة اليوم هي مساهمة القطاع الثقافي في الاقتصاد الوطني، إذ لا تتجاوز مساهمة القطاع الثقافي في الناتج الداخلي الخام نسبة 0.5% في المغرب، مقابل معدل متوسط يناهز 3.9% لدى دول كالبرازيل وإسبانيا وفرنسا.

كما لا تزال مساهمة المقاولات العاملة في الأنشطة الثقافية والإبداعية ضمن النسيج الاقتصادي الوطني محدودة، حيث لم يتجاوز عدد المقاولات النشيطة في هذا القطاع، خلال سنة 2023 ما مجموعه 2.657 مقاولة، أي ما يعادل 0.8% فقط من إجمالي المقاولات النشيطة على الصعيد الوطني.

وعلى مستوى سوق الشغل، لا تتجاوز مساهمة قطاع الفنون، والعروض، والأنشطة الترفيهية 19.061 منصب شغل، أي بنسبة 0.4% من العدد الاجمالي لمناصب الشغل المصرح بها على الصعيد الوطني، وهو ما يبرز ضعف جاذبية هذا القطاع وقدرته على خلق فرص عمل مستدامة وذات مردودية اقتصادية. 

توصيات عملية  

يوصي المجلس الأعلى للحسابات الوزارة المكلفة بالثقافة قصد الخروج من الوضعية السالفة الذكر إعداد خطة عمل استعجالية لمعالجة وضعية المشاريع الثقافية المتعثرة، وإرساء نظام معلوماتي مندمج لتتبع وقيادة مشاريع البنيات الثقافية، وتعزيز دور المصالح الالممركزة للوزارة في تخطيط وتنفيذ مشاريع البنيات الثقافية.

يطالب المجلس الوزارة بتسريع إعداد واعتماد إطار استراتيجي مندمج لتنمية القطاع الثقافي، واعتماد إطار مرجعي وطني لتخطيط وتقييم مشاريع البنيات الثقافية، ومراجعة وإصالح آليات الدعم العمومي المخصصة للأنشطة الثقافية، وتوسيع العرض الثقافي، عبر تقليص الفوارق المجالية.

ويدعو المجلس إلى وضع إطار تنظيمي شامل لحكامة المنشآت الثقافية، يكون متاحا لكافة الأطراف ذات الصلة، واعتماد إطار مرجعي داخلي لتكاليف الإنجاز، وتطوير صيغ تعاقدية نموذجية تضبط المساهمات المالية وتوزيع الأدوار بين الشركاء، مع إلزامية استباق تسوية الوضعيات العقارية قبل انطلاق الأشغال.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى