تقرير دولي يكشف فجوة عميقة بين خطاب الإنجاز الرسمي وواقع الهشاشة الاجتماعية بالمغرب

كشف تقرير مؤشر “برتلسمان للتحول 2026” عن مفارقة حادة في الاقتصاد الوطني المغربي. وقال إن النجاحات المسجلة على مستوى “المؤشرات الماكرو-اقتصادية” والتدبير المالي، لم تنجح في النفاذ إلى المعيش اليومي للمواطنين، مما خلق فجوة عميقة بين خطاب الإنجاز الرسمي وواقع الهشاشة الاجتماعية.
وأوضحت الوثيقة الدولية الصادرة عن المؤسسة الألمانية المستقلة أن السياسات المتبعة، رغم نجاحها في ضبط العجز المالي وتحقيق استقرار نقدي بنسبة تنقيط بلغت 6.0 نقطة، أدت في المقابل إلى انكماش القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة تحت ضغط موجات التضخم المتتالية.
وشدد التقرير على أن الأداء الاقتصادي للمملكة يظل مرتهنا بقطاعات محدودة وتنافسية دوليا لا تستوعب سوى نسبة ضئيلة من اليد العاملة، مما جعل النمو المحقق “غير دامج” ويبقي الملايين خارج دائرة الاستفادة.
واعتبرت الدراسة أن وصول معدلات البطالة إلى 13% وطنيا وتجاوزها 36% في صفوف الشباب هو نتيجة حتمية لنموذج نمو يعتمد على الرأسمال أكثر من العمل، مما جعل الاقتصاد الوطني عاجزا عن خلق فرص شغل كافية لامتصاص أفواج الخريجين السنوية مع تكريس تركز مقلق للثروة في ثلاث جهات فقط وتهميش مناطق “المغرب العميق”.
وسجلت المؤسسة الدولية وجود عوائق هيكلية تكبح دينامية السوق، أبرزها اقتصاد الريع وتضارب المصالح الذي يمنح امتيازات تنافسية لبعض الفاعلين المقربين من دوائر القرار، إلى جانب معاناة المقاولات الصغيرة جدا من صعوبات الولوج للتمويل.
كما لفتت الوثيقة إلى أن القطاع غير المهيكل لا يزال الملاذ الوحيد لنسبة كبيرة من الساكنة النشيطة في غياب حوافز حقيقية للانتقال نحو القطاع الرسمي، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن ورش “الدولة الاجتماعية” وتعميم التغطية الصحية يصطدم بتحديات التمويل وضعف البنية التحتية الاستشفائية ونقص الموارد البشرية.
وخلص تقرير “برتلسمان” إلى أن رهان المغرب على الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة يضعه في موقع استراتيجي دولي يعزز سيادته الطاقية، إلا أن هذا المسار يواجه تحديات كبرى مرتبطة بأزمة الماء والجفاف الهيكلي الذي يهدد القطاع الفلاحي ويفاقم الهجرة القروية.
وأكدت الوثيقة أن استدامة النموذج المغربي مرتبطة بمدى قدرة الدولة على إجراء إصلاح ضريبي عميق وتقليص الفوارق المجتمعية، ليكون الاستقرار الاقتصادي مسنوداً بسلم اجتماعي يجعل أثر النمو ملموسا في “قفة المواطن” وليس فقط في الأرقام والجداول الإحصائية.




