انطلاق الدخول المدرسي بالمغرب لـ 8 ملايين تلميذ وسط اختلالات بنيوية وإكراهات نقابية

انطلق الموسم الدراسي الجديد 2026-2027 وسط حركية استثنائية وجدل مجتمعي ونقابي واسع رافق التحاق أزيد من 8 ملايين و300 ألف تلميذ وتلميذة بمقاعد الدراسة مع بداية شهر شتنبر.
ورغم الرهانات الكبيرة لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على تنزيل التدابير الإصلاحية المنبثقة عن خارطة الطريق وتعميم نموذج “مدارس الريادة”، يواجه هذا الدخول إكراهات بنيوية واجتماعية حقيقية تتأرجح بين التراجع الحاد للقدرة الشرائية للأسر جراء غلاء المستلزمات، وبين غليان نقابي وتجاري يعم قطاعات واسعة من الشغيلة التعليمية والكتبيين.
ووفقا للجدولة الرسمية التي سطرتها الوزارة لضمان انطلاقة فعلية موحدة تحمي الزمن المدرسي وتؤمن زمن التعلم، فقد انطلقت عملية التحاق الأطر الإدارية والتربوية بمقرات عملها لتوقيع محاضر الدخول يومي 1 و2 شتنبر الجاري، تلاها استقبال التلاميذ بشكل تدريجي على ثلاث دفعات بين 3 و5 شتنبر لتفادي ارتباك الدخول الموحد على أن تبدأ الدراسة الفعلية والإلزامية لجميع الأسلاك والمستويات يوم الاثنين 7 شتنبر 2026.
وشددت الوزارة في مذكرات توجيهية صارمة على ضرورة الشروع الفوري في تقديم الأنشطة الصفية تزامنا مع تفعيل آليات يومية دقيقة لضبط حضور وغياب المتعلمين، مؤكدة في الوقت ذاته على منع ربط التحاق التلاميذ بأداء واجبات التسجيل لضمان عدم حرمان أي طفل من حقه في التمدرس مع بداية الموسم.
وفي مقابل هذه الترتيبات التنظيمية، تشتكي الأسر المغربية من استنزاف جيوبها بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الكتب والمقررات ولوازم الدراسة، لاسيما المطبوعات المستوردة المعتمدة في التعليم الخصوصي التي شهدت زيادات واضحة، علاوة على إقدام ناشري كتب “مدارس الريادة” على رفع الأسعار بنحو 5 دراهم للكتاب باللغة الفرنسية و9 دراهم للكتاب باللغة العربية.
وزاد من حدة هذه الأزمة المادية إلغاء المبادرة الوطنية “مليون محفظة” واستبدالها بدعم مالي مباشر تصفه نقابات تعليمية بالهزيل واليتيم الذي لا يغطي سوى جزء بسيط من الفاتورة الإجمالية، مما ترك الأسر عرضة لمضاربات الموزعين تحت أنظار الوزارة الوصية.
ويتزامن ذلك مع غليان مهني غير مسبوق أعلنت فيه رابطة الكتبيين بالمغرب مقاطعة كتب ومقررات “مدارس الريادة” احتجاجا على تقليص هوامش ربحهم بشكل حاد من 30 في المائة إلى 10 في المائة فقط، وسط اتهامات لبعض الموزعين باحتكار الكتب وتخزينها لخلق خصاص وهمي في الأسواق.
وعلى المستوى المهني والنقابي، يخيم الاحتقان على أوساط الشغيلة التعليمية التي تطالب بحسم ملفات فئوية عالقة، وفي مقدمتها تقليص ساعات العمل الأسبوعية وجعل يوم السبت عطلة دراسية رسمية أسوة بباقي القطاعات العمومية، وهو المطلب الذي تتهم فيه النقابات وزارة التربية بالمماطلة والتأجيل المستمر منذ احتجاجات سنة 2023.
وتتكامل مظاهر التوتر مع إعلان “أطر التوجيه والتخطيط التربوي” خوض خطوات احتجاجية تصاعدية تشمل الامتناع عن توقيع محاضر الدخول العادية ومقاطعة اجتماعات توزيع القطاعات المدرسية، تعبيرا عن تذمرهم من تأخر صرف التعويضات واقتطاع مستحقات حراسة البكالوريا وتأخر تسوية وضعية المفتشين المدمجين.
كما ينضاف إلى ذلك تعثر الدخول التكويني لطلبة سلك الإدارة التربوية والأساتذة المتدربين جراء تأخر تعييناتهم بمؤسسات التدريب وتأخر فتح مباريات سلك الأساتذة لأشهر طويلة.
وفي الشق الميداني، رصدت تقارير نقابية وحقوقية اختلالات تدبيرية جمة، من بينها البطء في معالجة الفائض والخصاص في الموارد البشرية، وتعثر عمليات تأهيل المؤسسات التعليمية، واستمرار معضلة الاكتظاظ التي تفوق الطاقة الاستيعابية لبعض الفصول وتضطر معها الإدارات إلى حلول ترقيعية غير مجدية.
وتواجه المنظومة التعليمية تحديات متداخلة وفجوة عميقة بين لغة “الثورة التربوية” التي تسوق لها الوزارة وبين الواقع الميداني وجودة التعلمات الأساسية للمتعلمين المغاربة، والتي ما فتئت التصنيفات الدولية كبرنامج “PISA” تفضح تراجعها الحاد والمستمر في مجالات القراءة والعلوم والرياضيات مقارنة بالمتوسط الدولي.




