الوثيقة العدلية: نافذة على التاريخ والهوية المغربية – يوسف الحزيمري

ليست الوثيقة العدلية ورقة جامدة بلا روح، تنتهي مهمتها بمجرد أداء الغرض منها في حينه؛ بل هي مستمرة في الوجود والوظيفة، ونابضة بالحياة والقدرة على التجسير العلمي التاريخي والهوياتي عبر الأجيال، فمن منا لا يتوفر على عقود عدلية في منزله توارثها الآباء عن الأجداد، إن لم يُستفد منها في انتقال الحقوق بأنواعها، استُفيد منها في إشباع الحنين إلى الأجداد، وتقوية الارتباط بالوطن والدين.
إن الوثيقة العدلية تعد ركيزة أساسية في الدراسات العلمية والأكاديمية، نظراً لكونها سجلاً توثيقياً يجمع بين القيمة القانونية والحمولة التاريخية والاجتماعية، فهي لم تعد مجرد أداة لإثبات الحقوق، بل أصبحت مادة دسمة للباحثين في تخصصات التاريخ، والقانون، وعلم الاجتماع، والعلوم الشرعية.
وفي هذا الصدد نحيل على أعمال العلامة “محمد داود” في رجوعه كثيرا إلى “الرسوم العدلية” (عقود زواج، وصايا، رسوم إراثة) لتحديد تواريخ دقيقة أو صلات قرابة مجهولة، في تراجم الرجال، ووقائع الأحداث، وأصول العائلات.
ولتحقق هذا المنهج ينظر: “أهمية الوثيقة في كتابة التاريخ المحلي عند محمد داود” لمحمد بكور، بمجلة أمل: التاريخ، الثقافة، المجتمع. ع. 41، 2013، ص. 201-212.
كما ننوه بأعمال الدكتور “الطيب أكزول” في التأريخ لمنطقة الشمال، وبالأخص مدينة تطوان، باعتماده على الرسوم العدلية الموجودة بحوزة عائلته، والتي أودع جزءا مهما منها بأرشيف المغرب، وجزء آخر بالخزانة الداودية بتطوان.
ومما قاله في كتابه “التنظيم القضائي والتوثيق العدلي بشمال المغرب –زمن الحماية والاستقلال- قضاة وعدول من خلال وثائق تطوانية” الصادر حديثا عن باب الحكمة بتطوان: “حظيت الوثائق والرسوم العدلية منذ القدم إلى عصرنا هذا بكثير من الاهتمام، فهي مرآة الحياة اليومية للناس في معاملاتهم المختلفة في الزمان والمكان، حيث إنها تواكب الإنسان في مختلف مراحل حياته إلى وفاته وما بعدها، فتوثق معاملاته وتصون أعراضه وممتلكاته، بل إن الوثيقة العدلية تواكب حياة الإنسان قبل ولادته، وذلك من خلال ما يوصى له من الوصايا لفائدة الموجودين منهم ومن سيقدر وجودهم.
كما أن هذه الوثائق العدلية تعتبر من أهم المستندات التاريخية، لمن يريد البحث والكتابة في التاريخ المحلي والوطني، ففيها نجد الكثير من أسماء الأشخاص، والعائلات والأماكن، ومنها نعرف الكثير من التقاليد والعوائد، وما كان بين مختلف الطبقات من الاتصال والمعاملات والعلاقات، كما نعرف منها أثمان العقارات والأشياء وقيمتها، ومختلف العملات المتداولة.
ولعل الدكتور “عبد القادر زمامة” في بحوثه الكثيرة يتبع هذا النهج في الاعتماد على الوثائق العدلية، ومثال ذلك مقال: ” وثيقة حضارية : تقرير عدلي عن مجاري مياه وادي فاس وإصلاحها كتب سنة 1299 هـ-1881 م”، نُشر في مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس (1982) في هذا البحث، اعتمد زمامة على وثيقة عدلية تقنية ترصد نظام توزيع المياه في فاس، مما عكس كيف كان التوثيق العدلي ينظم حتى أدق التفاصيل الحياتية والخدماتية للمدينة.
ويُحسب لزمامة أنه لم يتعامل مع الوثيقة العدلية كأداة قانونية فحسب، بل كـ “وثيقة حضارية” تخبرنا عن لغة العصر، واقتصاد المدينة، وتفاصيل الحياة اليومية للمغاربة.
وعن أهمية الوثيقة العدلية باعتبارها مصدرا للتأريخ وعكس الوقائع والأحداث، ومادة خام للبحث الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، يقول مدير مؤسسة أرشيف المغرب “جامع بيضا”: إن الاهتمام بالوثيقة العدلية هو اهتمام بعمق التاريخ المغربي وتكريس المكتسبات التي حققتها المملكة دفاعا عن الوحدة الترابية وإشاعة الحقيقة، مبرزا أن الوثيقة العدلية وارتباطها بمختلف القضايا الوطنية العادلة تقدم البرهان الساطع على عدالة الطرح المغربي وتسلط الضوء على حقب مفصلية من تاريخ المغرب نظرا لقيمتها الحججية ومصداقيتها، كما تبرز أهميتها في أنها تقدم معطيات في غاية الأهمية حول التقاليد والأعراف المغربية.
وقال “محمد ساسيوي”( رئيس الهيئة الوطنية لعدول المغرب سابقا): “أن الوثيقة العدلية رسخت للقيم الوطنية ووثقت لمختلف المراحل التي قطعها المغرب للدفاع المشروع عن الوحدة الترابية للمملكة، ومكنت من الوقوف على وثائق البيعة والروابط السياسية والإنسانية الصادقة التي جمعت وتجمع أبناء المغرب بملوك الدولة العلوية، مشددا على أن الوثائق القضائية على اختلاف أنواعها، تعد من أكثر مصادر المعلومات موثوقية، بما تتضمنه من أحكام قضائية ومذكرات ترافعية ومحاضر جلسات وخبرات ووثائق داعمة”.
وسلط الأستاذ “عبد العزيز الطاهري” (رئيس شعبة التاريخ بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس)، الضوء على مكانة الوثائق العدلية وأهميتها للمؤرخين في دراسة التاريخ المغربي، وخصوصا فيما يتعلق بالصحراء.
حيث قال في مجريات ندوة وطنية في موضوع “الوثيقة العدلية في تاريخ الصحراء المغربية”: “إن الوثائق العدلية تعتبر من أهم وأبرز المصادر التي يمكن للمؤرخ أن يعتمد عليها في كتابة التاريخ، ليس فقط لإثبات مغربية الصحراء، وهذا أمر مفروغ منه، بل لأنها تقدم أدلة موثوقة تدعم هذا الانتماء التاريخي.
وتابع الطاهري مبينا أن هذه الوثائق تشمل بَيعات القبائل الصحراوية لسلاطين المغرب، والتي كان يُشرف على توثيقها العدول، إضافة إلى مختلف العقود التجارية والأحوال الشخصية، مشيرا إلى أن هذه الوثائق تُستخدم في الدعاوى القانونية وتمثل حججا تاريخية قوية تدعم الموقف المغربي، وتؤكد أن منطقة الصحراء ظلت وستظل جزءا لا يتجزأ من المملكة.
وأكد الأستاذ الباحث، أن المغرب اعتمد على هذه الوثائق في دفاعه عن مغربية الصحراء أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي، والتي أصدرت حكمها الشهير يوم 16 أكتوبر 1975 بأن الصحراء مرتبطة تاريخيا بالمغرب من خلال روابط البَيعة بين سكانها وسلاطين المملكة.
وأشار إلى أن أهمية هذه الوثائق تتعدى الأبعاد السياسية لتشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الصحراوي، حيث تمثل سجلا يوثق حياة السكان ومعاملاتهم المالية والتجارية والأسرية في كل مناحي حياتهم اليومية. واختتم الطاهري بالتأكيد على أن الوثائق العدلية تعتبر مصدرا ثريا لكتابة تاريخ المغرب بجوانبه المختلفة.
وتطرق “رشيد شحمي” (أستاذ التاريخ الاجتماعي بأكاديمية مراكش آسفي للتكوين) إلى ضرورة العمل الأكاديمي والبحثي لاستخراج المعلومات التاريخية منها، وإغناء التاريخ المحلي والوطني بتفاصيل قد تعيد تركيب كتابة تاريخية رصينة للمملكة.
وأشار “مصطفى الحداد” في ندوة (الوقائع التاريخية من خلال الوثيقة العدلية) التي نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، ومؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة، بتنسيق مع وزارة العدل (الجمعة 22/01/2021) في عرضه (الوثيقة والتاريخ) إلى مجموعة من القضايا ذات الصلة بالدور المحوري الذي تلعبه الوثيقة (الرمز الدال على الواقعة كما يقول عبد الله العروي) في كتابة التاريخ عموما. حيث عرج على الوثيقة العدلية وبين أهميتها بالنظر إلى مضامينها الأسرية الخصوصية والمدنية العمومية (الاجتماعية والاقتصادية والثقافية) على وجه الخصوص، وبالنظر إلى الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها. حيث يمكنها على سبيل المثال لا الحصر أن تملأ بياضات في الكتابة التاريخية وتزود المؤرخ بمعطيات على درجة من الأهمية عالية تجعله يستغني عن الاستدلال بالسرد فيما يكتب لما تزخر به هذه الوثيقة من معلومات لا يقع الالتفات إليها فيما يجري حفظه في وثائق أخرى.
وأوصى الدكتور “أحمد الوجدي” حديثا في ندوة علمية بالخزانة الداودية بتطوان (7 أبريل 2026م): بالعناية بالأحكام القضائية وبالوثائق العدلية باعتبارها كنز من الكنوز التي تمثل التراث اللامادي للمنطقة، وأيضا تشجيع البحوث العلمية على الاعتماد عليها، من خلال دعم التعاون بين الباحثين والمؤسسات العلمية.
إن الوثيقة العدلية تكتسب أهميتها من ذاتها أولا باعتبار موضوعها، وثانيا باعتبار كونها جزءا من الأرشيف الوطني، والذي هو”من الأشياء الأساسية التي يجب على كل فرد أو مؤسسة خاصة أو عامة أو إدارة، أن تولِي له أهمية في إستراتيجيتها؛ فهو دليل استمراريتها؛ فهو شاهدٌ على جميع الأنشطة السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، الواقع المعيش؛ فهو كما قال المؤرخ جامع بيضا – مدير أرشيف المغرب – إذن ماضٍ، تاريخ، هوية، تراث، عربون الشفافية، ويساهم في التنمية الاقتصادية للبلاد؛ فهو ضمان لاستمرارية الدولة؛ فتنظيمه وفاء للماضي، وتدبير معقلن للحاضر، وتطلع للمستقبل، وقد عبر عن ذلك جاك ديريدا “ليست مسألة الأرشيف متعلقة بالماضي فحسب، إنها أيضًا مسألة المستقبل، مسألة المستقبل بالتأكيد، مسألة جواب ووعد وشعور بالمسؤولية لبناء الغد”.
ختاما، تُعد الوثيقة العدلية مصدراً غنياً للتاريخ والهوية المغربية، وتتطلب منا العمل على صيانتها وتوثيقها لضمان استمرارها كمرجع للأجيال القادمة.
لذا، نوصي بـ:
- تعزيز الاهتمام بالوثائق العدلية وحفظها في الأرشيف الوطني.
- تشجيع البحوث الأكاديمية حول الوثائق العدلية وأهميتها التاريخية.
- تنظيم ورشات وندوات لتوعية المجتمع بأهمية الوثائق العدلية.
- دعم التعاون بين الجهات المعنية لاستغلال الوثائق العدلية في كتابة التاريخ المغربي.
من خلال هذه الجهود، يمكننا الحفاظ على تراثنا وتوثيق تاريخنا بطرق علمية ومنهجية.
وصلات مساندة:
- ندوة (الوقائع التاريخية من خلال الوثيقة العدلية) التي نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، ومؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة، بتنسيق مع وزارة العدل (الجمعة 22/01/2021).
- علم الوثائق في الغرب الإسلامي وأهميته في الدراسات التاريخية، (مذكرة ماستر) إعداد الطالبات: العيدي إكرام، فرح نبيلة، فرح مختارية، جامعة ابن خلدون تيارت الجزائر، السنة الجامعية: 201-2022م.
- الوثائق العدلية وكتابة التاريخ المحلي: حالة منطقة الرحامنة بالمغرب، رشيد سلفوه (كلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس سايس)، المجلة المغاربية للدراسات التاريخية والاجتماعية – جامعة سيدي بلعباس، المجلد 15 – العدد 01 – جوان 2023م.
- ندوة وطنية بطنجة “دور الوثيقة العدلية في الكفاح الوطني وترسيخ الوحدة الترابية”، (13 يناير 2023م)
- أهمية الوثائق العدلية في تأكيد مغربية الصحراء ودورها التاريخي المتعدد، جريدة العلم الإلكترونية 08 نوفمبر2024م.
- ندوة علمية بمؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة لتقديم كتاب “التنظيم القضائي والتوثيق العدلي بشمال المغرب زمن الحماية والاستقلال” للأستاذ الدكتور الطيب أجزول، وذلك يوم الثلاثاء 7 أبريل 2026م.




