المصلحة والمفسدة في السياق المعاصر: مقاربة أصولية – عبد الحق لمهى

مقدمة
يُعَدّ علم أصول الفقه من العلوم الشرعية التي تستمدّ أصولها وقضاياها من الوحي، قرآنًا وسنّة، ويهدف إلى ضبط عملية الاستنباط وتحقيق مقاصد الشريعة في واقع الناس. ومن أبرز القضايا التي حظيت باهتمام الأصوليين قضيةُ المصلحة والمفسدة، لما لها من أثر بالغ في توجيه الأحكام الشرعية وتنزيلها على الوقائع المتجدّدة. وقد تناول هذه القضية بالتأصيل العميق الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الموافقات، حيث قرّر جملةً من القواعد التي ما تزال صالحةً لفهم كثير من إشكالات العصر.
مفهوم المصلحة والمفسدة عند الأصوليين
يرى الشاطبي أنّ المصلحة والمفسدة لا تكادان تنفكّان عن أفعال المكلّفين، وأنّه لا يوجد في الغالب فعلٌ تتحقّق فيه المصلحة المحضة أو المفسدة المحضة على الإطلاق، بل العبرة بغلبة أحد الجانبين. فإذا غلبت المصالح على الفعل اعتُبر مصلحةً، وإذا غلبت المفاسد عُدّ مفسدةً.
وقد استند في هذا التأصيل إلى نصوص شرعية، من أبرزها قوله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]،
وهو دليلٌ واضح على اجتماع المصلحة والمفسدة في الشيء الواحد، مع ترجيح الحكم بناءً على الأغلب.
تتداخل المصلحة والمفسدة في مجالات عدة من مجالات حياتنا المعاصرة، ومنها :
المصلحة والمفسدة في المجال الصحي
يُعَدّ المجال الصحي والطبي من أبرز الميادين التي تتجلّى فيها قاعدة الترجيح بين المصالح والمفاسد، إذ يقوم في أصله على حفظ النفس، وهو أحد المقاصد الكلّية للشريعة. ومع ذلك، قد تعتري هذا المجال بعضُ الممارسات السلبية أو الأخطاء المهنية.
غير أنّ وجود هذه الاختلالات لا يبرّر الحكم على العمل الطبي في مجمله بأنّه مفسدة خالصة، لأنّ المصالح المتحقّقة فيه كإنقاذ الأرواح، والوقاية من الأمراض، وتحسين جودة الحياة هي الغالبة. وعليه، يكون المطلوب شرعا هو تقويم الاختلالات وتقليل المفاسد، لا إلغاء المجال برمّته.
المصلحة والمفسدة في المجال التعليمي
ينطبق الأمر ذاته على المجال التعليمي، الذي يُعَدّ وسيلةً أساسيةً لحفظ العقل وتنميته، وهو مقصد شرعي معتبر. فقد تشهد بعض المؤسسات التعليمية سلوكاتٍ غير منضبطة، سواء من الطلبة أو من غيرهم، ممّا يؤثّر في جودة العملية التعليمية.إلا أنّ هذه المظاهر لا تقتضي الحكم على فضاءات التعليم بأنّها مفسدة خالصة، لأنّ أصلها قائم على تحقيق مصلحة عظيمة، وهي نشر العلم وبناء الإنسان. ومن ثمّ، فإنّ المنهج الأصولي يقتضي معالجة هذه الاختلالات مع الحفاظ على الأصل المصلحي للتعليم.
نحو تفعيل القاعدة في الواقع المعاصر
إنّ استحضار قاعدة غلبة المصلحة أو المفسدة يُسهم في بناء نظرة متوازنة تجاه القضايا المعاصرة، ويحول دون الوقوع في الأحكام المتسرّعة أو التعميمات غير المنضبطة. فبدل إصدار أحكام كلية بالإلغاء أو القبول المطلق، يدعو المنهج الأصولي إلى النظر في المآلات، وموازنة المصالح والمفاسد، وترجيح ما يحقّق مقاصد الشريعة.
خاتمة
يتبيّن من خلال هذه المقاربة أنّ قاعدة المصلحة والمفسدة، كما أصلها الإمام الشاطبي، تمثّل أداة منهجية فعّالة لفهم الواقع والتعامل معه. وهي تدعو إلى الاعتدال والواقعية في إصدار الأحكام، من خلال اعتبار الغالب من المصالح أو المفاسد، والسعي إلى تحقيق الخير وتقليل الشرّ بقدر الإمكان.
ومن هنا، فإنّ تفعيل هذه القاعدة في القضايا المعاصرة يظلّ ضرورةً ملحّة لضمان انسجام الاجتهاد الشرعي مع متغيّرات العصر.




