الجمع العام الوطني الثامنالرئيسية-

الكلمة الكاملة لرئيس حركة التوحيد والإصلاح د أوس رمّال في الجلسة الافتتاحية للجمع العام الوطني الثامن

السيدات والسادة، أصحاب السّعادة والفضيلة، ضيوف الحركة الكرام من داخل المغرب وخارجه، الإخوة والأخوات أعضاء الحركة والمتعاطفين معها؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

يسعدني، في مستهلّ هذا الجمع العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح، أن أرحّب بكم جميعًا، وأن أحمد الله تعالى على ما يسّر من أسباب اجتماعنا، وما أتاح لنا من فرص لخدمة ديننا ووطننا وأمّتنا. وأخصّ بالترحيب ضيوفنا الكرام الذين شرّفونا بحضورهم، تعبيرًا عن روابط الأخوّة والتّعاون على الخير، كما أتوجّه بالشكر إلى كلّ من أسهم في الإعداد لهذا الجمع العام، وإلى سائر أعضاء الحركة الذين يواصلون البذل والعطاء وفاءً لرسالتها ومقاصدها.

ولا يفوتني -في هذا المقام- ونحن نعيش ذكرى مرور ثلاثين سنة على تأسيس حركة التّوحيد والإصلاح؛ أن أترحّم على كلّ إخواننا وأخواتنا الذين سبقونا إلى دار البقاء؛ ممّن أسهموا في تأسيس هذه الحركة وبناء صرحها وحمل رسالتها، سائلا المولى تعالى أن يتقبّل أعمالهم، ويجزيهم عنّا خير الجزاء، وأن يوفّقنا لحسن حمل وتبليغ الأمانة من بعدهم.

أيها الإخوة والأخوات،

إنّ انعقاد جمعنا العام في موعده، وفي احترامٍ لقوانين الحركة ومواثيقها؛ يجسّد رسوخ قيم الشورى والديمقراطية الداخلية والعمل المؤسّساتي. وهو محطّة لتجديد العهد مع الله تعالى، ولمحاسبة النفس، وتقويم المسار، واستحضار المقاصد الكبرى التي من أجلها اخترنا الانتظام في هذا العمل الجماعي المؤسّساتي، وبذلَ الجهودِ والطاقات في سبيل الدعوة والإصلاح.

وإنّنا لنعتزّ بما راكمته حركتنا، من إسهامات في مجالات الدعوة والتربية والتكوين والتأهيل الرسالي، وما قدّمته من مبادرات في تأطير الأطفال والشباب، والإرشاد الأسري والتأهيل للزواج، والإنتاج العلمي والثقافي والفكري، والترافع المجتمعي دفاعًا عن الهوية والقيم والثوابت الوطنية. كما نعتزّ بما حقّقته الهيئات التخصّصية والشريكة من عطاء، وبما نسجته الحركة من علاقات التعاون مع مختلف الفاعلين في القضايا الجامعة.

إلاّ أنّ هذا الرّصيد لا ينبغي أن يحجب عنّا ما عرفه عملنا من عثرات واختلالات، وما ينتظرنا من تحدّيات تفرض تجديد الوسائل، وتوسيعَ دائرة الانفتاح، واستثمارَ الطاقات الشابّة، ومواكبةَ التحوّلات الرقمية المتسارعة؛ حتى تظلّ دعوتنا رسالةً حيّة في المجتمع، وإسهاماً فعليًّا في بناء الإنسان الصالح المصلح.

في دلالات شعار الجمع العام

أيها الإخوة والأخوات،

لقد اخترنا لجمعنا العام شعارًا جامعًا ودالًّا: «بالاستقامة ينهض الوطن، وبالمقاومة تعزّ الأمّة»، تعبيرًا عن رؤيتنا للإصلاح، وعن فهمنا لمتطلّبات المرحلة وعن استعدادنا لتحمّل مسؤولياتنا تجاه وطننا وأمّتنا.

فالاستقامة، التي جعلتها حركتنا مقصدًا ناظمًا لمنظومتَيها الدعوية والتربوية؛ تتجاوز الصّلاح الفرديّ في الاعتقاد والعبادة والسلوك؛ إلى الصدق في المعاملة، والنّزاهة في المسؤولية، والأمانة في تدبير الشأن العام، والعدلِ في الحكم، والوفاءِ بالعهود، وصيانةِ المال العام وحفظِ كرامةِ الإنسان وحقوقه.

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.

وأمّا المقاومة، فنقصد بها: رفضَ الظلم والاحتلالِ والعدوان، والتمسّكَ بالحقّ، والصمودَ في وجه الإخضاعِ ومحوِ الهوية، وحمايةَ الأرض والكرامة. كما نقصد بها مقاومةَ اليأسِ والتخلّفِ والتبعيةِ والفساد، ومدافعةَ المنكرات بالحكمة والموعظةِ الحسنة والجدالِ بالتي هي أحسن.

وهناك تكامل بين الاستقامة والمقاومة؛ فالأمّة التي تنشد العزّة؛ لا بدّ أن تبني قوّتها على الاستقامة والعدل، وأن تجمع بين إصلاح الذات والثباتِ على الحقّ ومقاومةِ الظلم. ومن هنا رأينا في شعار جمعنا العامِ عنوانَ عهدٍ ومسؤولية ومشروعٍ إصلاحي متكامل.

 

أوّلًا: الوحدة الترابية وقضية الصحراء المغربية

أيها الإخوة والأخوات،

ينعقد جمعنا العام في ظلّ تطوّرات نوعية تشهدها قضية وحدتنا الترابية، وفي مقدّمة هذه التّطوّرات قرارُ مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي اعتبر مقترحَ الحكم الذاتي المغربيِ أساسًا للتفاوض من أجل التوصّل إلى حلٍّ لهذا النزاع. وهو تطوّر مهمّ جاء ثمرةَ مسارٍ طويل من تضحيات المغاربة، وجهودٍ دبلوماسية رسمية وشعبية ومدنية؛ بقيادة جلالة الملك أمير المؤمنين، حفظه الله.

وقد واكبت حركتنا هذه التطوّرات، انسجامًا مع موقفها الثابت في الدفاع عن الوحدة الترابية، من خلال مبادرات علمية وفكرية وترافعية، مؤكّدةً أنّ قضية الصحراء المغربية قضيةُ دولة وشعب، ومسؤوليةٌ وطنية مشتركة؛ تستند إلى وحدة الدين والعقيدة، وعمق الروابط التاريخية والحضارية التي تجمع أبناء الوطن الواحد.

وإنّنا، إذ نجدّد دعمنا لكلّ الجهود الرامية إلى تثبيت مغربية الصحراء، لَنؤكّد ضرورةَ مواصلةِ التعبئة الوطنية، وتقويةِ الجبهة الداخلية، وتعزيزِ التنمية والعدالة المجالية في أقاليمنا الجنوبية، وترسيخِ روابط الأخوّة والتكامل بين مختلف مكوّنات الوطن. كما نجدّد دعوتنا إلى إخواننا الصحراويين في مخيّمات تندوف وغيرها إلى العودة إلى أحضان وطنهم، والمساهمة في رأب الصدع وبناء المستقبل المشترك.

ومن المنطلق نفسِه، نرفض مخطّطات التجزئة والتقسيم في المغرب وفي سائر البلدان العربية والإسلامية، وندعو أشقّاءنا في الجزائر إلى تغليب مصالح شعوب المنطقة، وفتح آفاق الحوار والتعاون والتكامل؛ بدل استنزاف الطاقات في الصراع والتوتّر.

كما نجدّد تشبّثنا بمغربية سبتة ومليلية والجزر المحتلّة، وندعو إلى مواصلة الجهود من أجل استرجاع كامل ترابنا الوطني، بالوسائل المشروعة والحكيمة.

 

ثانيًا: فلسطين ومناهضة التطبيع وقضايا الأمّة

أيها الإخوة والأخوات،

إنّ القضية الفلسطينية تظلّ في صدارة قضايا أمّتنا، باعتبارها قضيةَ حقّ وعدل وكرامة، وقضيةَ شعب يتعرّض منذ عقود للاحتلال والتهجير والعدوان، وقد بلغت مأساته مستويات غيرَ مسبوقةٍ خلال حرب الإبادة على غزّة، وما رافقها من جرائم حربٍ وانتهاكاتِ حقوق الإنسان في مختلف أنحاء فلسطين.

وقد فضحت هذه المأساة عجزَ النظام الدولي عن وقف العدوان ومحاسبة المسؤولين عنه، كما كشفت عن صمود شعب أبيّ كريم، يقدّم من التضحيات ما يستوجب منّا جميعا الإكبارَ والوفاءَ له بالدعم والمؤازرة، لا بمجرد التعاطف والتنديد.

وإنّنا، إذ نحيّي صمود الشعب الفلسطيني الأبيّ ومقاومتَه الباسلة المشروعة، ونترحّم على شهدائه، لَنجدّد دعمنا الثابت لحقّه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلّة وعاصمتها القدس الشريف، ونطالب بوقف العدوان ورفع الحصار وإدخال المساعدات، وحماية المدنيين، ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة، وصيانة المقدّسات الإسلامية والمسيحية، وفي مقدّمتها المسجد الأقصى المبارك.

وإذ نثمّن المواقف المغربية الرسمية الداعمة لفلسطين والقدس الشريف، والجهودَ المبذولة لدعم صمود المقدسيين، ونعتزّ بالحضور الشعبي والمدني المغربي المشرّف في نصرة القضية الفلسطينية، فإنّنا نجدّد رفضنا القاطعَ لاستمرار مسلسل التطبيع بكلّ أشكاله مع الكيان الصهيوني، ونعتبر الحديث عن الارتقاء بالعلاقات معه إلى مستوى تبادل السفراء أمرًا لا يليق بمكانة المغرب التاريخية في نصرة فلسطين، ولا بموقف شعبه، ولا بحجم الجرائم التي ما فتئ يرتكبها الاحتلال.

كما نحذّر من مخاطر الاختراق الصهيوني لنسيجنا الوطني ومصالحنا الاستراتيجية وأمننا بمختلف أبعاده، ونؤكّد أنّ مقاومة هذا الاختراق واجبٌ وطني، لا يقلّ أهمية عن واجب التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وإنّنا، ونحن نعبّر عن هذه المواقف بكلّ وضوح، نحرص على أن يظلّ خطابنا مسؤولًا، بعيدًا عن المزايدات والتخوين؛ إيمانًا منّا بأنّ نصرة فلسطين والدفاع عن مصالح الوطن يقتضيان توسيع دائرة التوافق الوطني، وتعزيزَ الجبهة الداخلية، والتعاونَ مع كلّ القوى الحيّة والشريفة.

كما نحيّي كلّ المبادرات السلميةِ والمسؤولةِ المناصرة لفلسطين، وندعو إلى احترام حرية التعبير والتظاهر، ونوجّه التحية إلى أحرار العالم الذين انتصروا للحقّ والعدل ورفضوا الظلم والإبادة.

وإنّ قضية فلسطين لا تنفصل عن سائر قضايا الأمّة، وعمّا تعرفه بلدانٌ عربيةٌ وإسلاميةٌ من حروب ونزاعات وتدخّلات وانتهاكات للسيادة. وإنّنا ندعو إلى وقف هذه المآسي، وإطلاق حوارات وطنية وتوافقات تاريخية تحفظ وحدة الدول وكرامة الشعوب، وتعيد إلى أمّتنا قدرتها على التعاون والتكامل ومواجهة الأخطار المشتركة.

 

ثالثًا: الهوية والقيم وترشيد التديّن

أيها الإخوة والأخوات،

إنّ من صميم رسالة حركتنا؛ الإسهامَ في صيانة الهوية الإسلامية للمجتمع المغربي، وفي ترسيخ قيم الاستقامة والوسطية والاعتدال، وفي تجديد فهم الدين وترشيد العمل به، حتى يظلّ حاضرًا في حياة الناس، موجّهًا لسلوكهم، وباعثًا على الخير والإصلاح.

وإنّنا، إذ نقدّر جهود مختلف الفاعلين في تأطير الشأن الديني وتحصين المرجعية الدينية الوطنية، لنؤكّد الحاجة إلى تقييم موضوعي لِمدى فاعلية الوسائل المعتمدة، وفي مقدّمتها خطّة تسديد التبليغ؛ بالإنصات إلى العلماء العاملين والخطباءِ والفاعلين والاستجابة لحاجات المجتمع.

وفي هذا السياق، نجدّد دعوتنا إلى مراجعة إلزامية توحيد خطب الجمعة، وإتاحة مساحة أوسع للخطباء للتفاعل مع قضايا الناس ومستجدّات الواقع في إطار الضوابط الشرعية والعلمية، وإلى إعادة النظر في قرارات إعفاء عدد من الخطباء المجتهدين. فالتأطير الديني الرشيد يقوم على الكفاءة وحسن تنزيل الخطاب على الواقع، ولا ينبغي أن تنفصل فيه المنابر عن قضايا الوطن والأمّة، وفي مقدّمتها فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك.

ومن جهة أخرى، فإنّنا نعتزّ بما يزخر به مجتمعنا من قيم التضامن والتراحم والتكافل التي تجلّت في مواجهة الكوارث والمحن، وبما نشهده من عنايةٍ بالقرآن الكريم، ومحبّةٍ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وسنّته، وتشبّثٍ بالقيم الدينية والأسرية. غير أنّ هذا الرصيد القيمي ينبغي ألا يحجب عنّا ما يواجهه مجتمعُنا من تحدّيات متزايدة بِفعل التحوّلات الاجتماعية والثقافية والرقمية، وما يصاحبها من ضغوط تستهدف المرجعيةَ الإسلامية للأسرة والمجتمع، أو تسعى إلى تطبيع التفاهة والانحلال، وتوظيف المال العام في أنشطةٍ ومضامينَ لا تنسجم مع هوية المغاربة وقيمهم.

كما نتابع بقلق واندهاش بعض المواقف الصادرة عن مؤسّسات يُفترض فيها حمايةُ حقوق الإنسان، حين تتحوّل إلى طرف في منازعة المرجعية المجتمعية بدل الإسهام في معالجة الإشكالات الحقوقية الحقيقية.

وننبّه بوجه خاصّ إلى التحدّيات التي تواجه الأطفال والشباب في الفضاء الرقمي، وما تفرضه من مسؤوليات جديدة على الأسرة والمدرسة ومؤسّسات التربية والدعوة والإعلام. فلم يعد كافيًا أن نحذّر من المخاطر؛ بل أصبح واجبًا أن نطوّر عرضًا تربويًّا ورقميًّا جاذبًا، وأن ننتج البدائل النافعة، ونحسنَ استثمار الوسائل الحديثة في بناء الوعي وترسيخ القيم.

 

رابعًا: الأسرة بين التحوّلات القيمية والمستجدّات التشريعية

أيها الإخوة والأخوات،

إنّ الأسرة تحتلّ مكانة مركزية في مشروعنا الإصلاحي، باعتبارها مهد التربية الأولى، وفضاء المودّة والرحمة والتكافل، وحاضنةَ بناء الإنسان الصالح المصلح.

ومن هذا المنطلق، اعتمدت الحركة برنامجها الوطني: الأسرة: «مودّة ورحمة، رسالة ومسؤولية»، إيمانًا منها بأنّ حماية الأسرة وتأهيلَها لا يتحقّقان بالمقاربة القانونية وحدها، بل يحتاجان إلى سياسات تربوية واجتماعية واقتصادية وإعلامية متكاملة؛ تعالج أسباب الهشاشة والتفكّك، وتيسّر الزواج، وتدعم الاستقرار الأسري.

وفي سياق مراجعة مدوّنة الأسرة؛ نثمّن المنهجية القائمة على استحضار الثوابت المرجعية والمقاربة التشاركية، والتأطير الملكي الذي أكّد قاعدة عدم تحريم الحلال أو تحليل الحرام، وإحالةَ المقترحات ذات الصلة بالأحكام الشرعية على المجلس العلمي الأعلى.

كما نعتزّ بمواقف المجلس العلمي الأعلى في صيانة الأحكام الشرعية القطعية، وندعو إلى توضيح اجتهاداته للرأي العام، بما يعزّز الثقة والطمأنينة، وإلى مواصلة هذا الورش الوطني بما يحقّق مقاصد الشرع في العدل والرحمة، ويحفظ حقوق جميع أفراد الأسرة.

وإنّنا لنؤكّد أنّ الإصلاح المنشود ينبغي أن يستهدف تقويةَ الأسرة لا إضعافها، وصيانة تماسكها لا تعميقَ هشاشتها، وأن ينطلق من المرجعية الإسلامية والثوابت الدستورية، وفي مقدّمتها الفصل الثاني والثلاثون من الدستور، الذي يجعل الأسرةَ القائمةَ على علاقة الزواج الشرعي الخليةَ الأساسيةَ للمجتمع.

ولا يفوتنا أن ننبّه إلى ما تكشف عنه التحوّلات الديمغرافية والاجتماعية من تحدّيات متزايدة، تستدعي سياسات عمومية تجعل من دعم الأسرة وتيسير تكوينها واستقرارها أولوية وطنية حقيقية.

 

خامسًا: إصلاح التعليم

أيها الإخوة والأخوات،

إنّ التعليم يظلّ من أهمّ أوراش الإصلاح الوطني، لارتباطه ببناء الإنسان، وصيانة الهوية، وتكوين الكفاءات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعداد المغرب لمواجهة تحدّيات المستقبل. غير أنّ الاختلالات البنيويةَ التي تعاني منها المدرسة والجامعة، وما يرافقها من تعثّر في تنزيل الإصلاحات، وتفاقمٍ للهدر المدرسي، وضعفٍ في جودة التعلّمات، وتفاوتٍ بين المجالات والفئات؛ كلَّها مؤشّراتٌ تستدعي وقفةً وطنية مسؤولة.

وإنّنا نجدّد دعوتنا إلى مراجعة الاختيارات اللغوية المعتمَدة في تدريس المواد العلمية، وفي مقدّمتها: فرنسةُ التعليم؛ لِما نراه فيها من آثار سلبية على تكافؤ الفرص وجودة التعلّمات، ونؤكّد ضرورة اعتماد اللغة العربية لغةً للتدريس، وتأهيل اللغة الأمازيغية، مع الانفتاح الواسع على اللغات الأجنبية وإتقانها، باعتبارها أدوات للمعرفة والتواصل والانفتاح العلمي والحضاري.

كما ننبه إلى مخاطر اتساع الفجوة بين المؤسّسات التعليمية، وندعو إلى أن يشمل الإصلاح جميع أبناء الوطن، وأن يضمن الإنصافَ والجودةَ، ويحسّنَ أوضاع نساء ورجال التعليم، ويعزّزَ مكانة الجامعة والبحث العلمي والحريات الأكاديمية.

ونؤكّد، فوق ذلك كلّه، أنّ أزمة التعليم ليست أزمة مناهج ولغات وتجهيزات فحسب؛ بل هي أيضًا أزمة رسالة وقيم؛ فلا معنى لمدرسة تَنقل المعارفَ ولا تبني الإنسان، ولا لِإصلاحٍ تعليمي لا يجعل من التربية على الاستقامة والمسؤولية والمواطنة الصالحة؛ جزءًا أصيلًا من رسالته.

 

سادسًا: الإصلاح الاجتماعي والحقوقي وصيانة الاختيار الديمقراطي

أيها الإخوة والأخوات،

ينعقد جمعنا العام في سياق وطني تبرز فيه الحاجة إلى تجديد الثقة في المؤسّسات، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، وصيانة الاختيار الديمقراطي باعتباره ثابتًا دستوريًّا ومدخلًا أساسيًّا للإصلاح والاستقرار.

وقد حرِصت حركتنا، بمناسبة الانتخابات التشريعية لسنة 2026، على تأكيد قناعتها بالمشاركة الإيجابية والمسؤولة، والدعوةِ إلى ترشيح ذوي الاستقامة والكفاءة والنزاهة، وتقديمِ برامج واقعية تستجيب لحاجات المواطنين، وتحترم ثوابت البلاد وهويتها وقيمها.

وإنّ ما رافق هذه المحطّةَ الانتخابية من ملاحظات، وما سبقها من احتجاجات وتوتّرات اجتماعية، يستدعي قراءةً مسؤولة لاستخلاص الدروس. فالمغاربة يتطلّعون إلى تحسين الخدمات الأساسية وفرص الشغل، كما يتطلّعون إلى الكرامة والإنصاف والثقة والأمان، وإلى مؤسّسات تستجيب لتطلّعاتهم وتحترم إرادتهم.

ولا سبيل إلى ذلك دون محاربة الفساد وتضارب المصالح، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والقطع مع الممارسات التي تسيء إلى العمل السياسي، وتُعمّق العزوف، ولا سيما في صفوف الشباب.

وعلى المستوى الاجتماعي، فإنّ ما تعانيه فئات واسعة من المغاربة من غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وصعوبات الولوج إلى الشغل والخدمات الأساسية، يستوجب سياسات أكثر إنصافًا وفاعلية، تُقاس نتائجها بأثرها الحقيقي في حياة الناس، لا بمجرّد المؤشّرات والخطابات.

كما نؤكّد أنّ الاستقامة في تدبير الشأن العام لا تنفصل عن صيانة الحقوق والحريات، وندعو إلى انفراج حقوقي وسياسي حقيقي، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والمدوّنين ومناهضي التطبيع وشباب «جيل زد»، بما يعزّز الثقة والمصالحة ويقوّي الجبهة الداخلية.

إنّ الإصلاح الاجتماعي والسياسي والحقوقي؛ مساراتٌ متكاملة؛ فلا تنمية دون عدالة اجتماعية، ولا ثقة في المؤسّسات دون نزاهة ومحاسبة، ولا استقرار دون احترام الحقوق والحريات وصيانةِ الاختيار الديمقراطي.

 

خاتمة: تجديد العهد واستشراف المستقبل

أيها الإخوة والأخوات،

إنّ استحضارنا لهذه القضايا الوطنية وقضايا الأمّة ليس خروجًا عن رسالة حركتنا الدعوية والتربوية، بل هو تعبير عن فهمنا الشامل للإصلاح، الذي يربط صلاح الفرد بصلاح المجتمع، ويجعل بناء الإنسان مدخلًا للنهوض بالوطن وعزّة الأمّة.

وإنّ المرحلة المقبلة تضعنا أمام مسؤوليات متجدّدة، لا يكفي في مواجهتها الاعتزاز بما تَحقّق، مهما كانت قيمتُه؛ بل تقتضي مزيدًا من التجديد والاجتهاد والانفتاح، وتطويرِ خطابنا ووسائل عملنا، وتوسيعِ دائرة التأطير والتأثير، واستثمارِ الطاقات الشابة، وحسنِ التعامل مع التحوّلات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

ولقد آن الأوان لأن نجعل من هذا الجمع العام مناسبة لتجديد العزم على أن تظلّ حركتنا حركة دعوة وتربية وإصلاح، قريبةً من الناس، منفتحةً على المجتمع، وفيّةً لمرجعيتها، معتزّةً بوطنها، منتصرةً لقضايا أمّتها، متعاونةً مع كلّ المخلصين على خدمة الخير والعدل والكرامة.

وإنّنا لا نريد للاستقامة أن تبقى شعارًا نرفعه، بل قيمة نعيشها ونربّي عليها ونطالب بها في تدبير شؤوننا العامّة والخاصّة. ولا نريد للمقاومة أن تظلّ مجرّد موقفٍ نعلنه، بل روحًا تدفعنا إلى مقاومة الظلم والفساد واليأس والتخلّف، وإلى نصرة الحقّ، والثبات على المبادئ، وبذْل الوسع في الإصلاح.

ونسأل الله تعالى أن يجعل جمعنا العام هذا؛ محطّة مباركة لتجديد العهد، وتقويم المسار، واستنهاض الهمم، وأن يوفّقنا جميعًا لما يحبّه ويرضاه، وأن يحفظ بلدنا آمنًا مطمئنًّا، وينصرَ الشعب الفلسطيني ومقاومته، ويفرّج كُرَب أهل غزّة وسائرِ فلسطين، ويرفع الظلم عن المستضعفين، ويوحّد صفوف أمّتنا، ويصلح جميعَ أحوالنا.

وختامًا، نستحضر قول نبيّ الله شعيب عليه السلام في كتاب الله تعالى:

﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

والحمد لله ربّ العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أخبار / مقالات ذات صلة