الكتاني والناجي يحذران من “استعمار مالي” و”استنزاف مائي” يهددان السيادة الوطنية

يرى كل من الخبير الاقتصادي الدكتور عمر الكتاني والباحث الأكاديمي الدكتور محمد الناجي، أن حصيلة السنوات الخمس الماضية من التطبيع لم تكن سوى “طوفان من الارتهان” طال الموارد المالية، المائية، والسيادية للمملكة، محذرين من تحول المغرب إلى “ساحة بديلة” لتأمين مصالح اللوبي الصهيوني على حساب الشعب المغربي. في مداخلة لهما في ندوة نظمتها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، مساء يوم الخميس 22 يناير 2026،
الكتاني يحذر من “استيطان مالي” بالمغرب: ثروات “اللوبي الصهيوني” تبحث عن ملاذ آمن مع ترنح الدولار
حذّر الخبير الاقتصادي الدكتور عمر الكتاني من مخاطر “الاختراق الصهيوني” للمؤسسات الجامعية والاقتصادية بالمغرب، مؤكدًا أن التغلغل الحالي يتجاوز التطبيع السياسي إلى “مخطط استيطاني” يستهدف الأراضي والثروات الوطنية، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام المالي العالمي.
واستهل الدكتور الكتاني مداخلته بسرد واقعة تعكس محاولات “الأسرلة” داخل الحرم الجامعي، مشيراً إلى محاولة فرض مواضيع بحثية في سلك الدكتوراه حول ما يسمى بـ”التضامن الاقتصادي في الأديان الثلاثة”.
وفنّد الكتاني هذه الطروحات مؤكداً عدم وجود “اقتصاد مسيحي أو يهودي” بالمفهوم المذهبي، معتبراً أن إقحام الفكر الصهيوني في البحث العلمي المغربي هو “توجيه مفروض” يهدف إلى شرعنة وجود الكيان في الوجدان المغربي بينما يُباد الشعب الفلسطيني في غزة.
وربط الكتاني بين تراجع هيمنة الدولار الأمريكي وسعي اللوبي الصهيوني لتأمين ثرواته. وأوضح أن تخلص الصين من سندات الخزينة الأمريكية يهدد قيمة الدولار، مما يدفع الأثرياء الصهاينة للبحث عن ملاذات بديلة.
وحذر الكتاني من تحويل أجزاء من هذه الثروات الضخمة لشراء الأراضي الفلاحية بالمغرب، واصفا ذلك بـ”الاستيطان المالي” الذي يستغل حاجة الفقراء وتواطؤ بعض السياسات.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن التركيز على جنوب المغرب يأتي بدعوى “الجذور الإثنية”، وهي مجرد غطاء لتأمين موطئ قدم استراتيجي للكيان الصهيوني في القارة الإفريقية، التي تمثل مستقبل الاقتصاد العالمي.
وانتقد طبيعة الشراكات القائمة، مشيرا إلى أن الكيان الصهيوني، رغم تحالفه مع أمريكا، يسعى لاستقلالية عسكرية وتكنولوجية تجعله “غير مرتهن” لأي ضغوط دولية، وهو ما يفسر اندفاعه نحو اتفاقيات عسكرية واستخباراتية مع المغرب (منذ يناير 2016). وحذر من وجود “بنود سرية” في هذه الاتفاقيات قد تفتح المجال لتملك واسع للأراضي تحت مسميات استثمارية.
واختتم الدكتور الكتاني مداخلته بدعوة عملية للمقاومة الشعبية، مقترحا “استراتيجية المقاطعة المركزة”. ودعا إلى التركيز على مادة صهيونية واحدة كل 15 يوما وإغراق منصات التواصل الاجتماعي بالمعلومات عنها.
كما طالب بجعل المقاطعة سلوكا ذهنيا يوميا يربط بين الاستهلاك الشخصي وبين التضامن مع دماء الشهداء في فلسطين، ودق ناقوس الخطر حول بيع الأراضي الفلاحية، معتبرا أن بيع الأرض هو بيع للسيادة وللبيت من الداخل.
محمد الناجي: التطبيع تحول إلى “طوفان” يستنزف الموارد المائية والمالية للمغرب
من جانبه، أكد الدكتور محمد الناجي أن تطبيع المغرب مع كيان الاحتلال الإسرائيلي لم يكن “تطبيعاً عادياً” بل “طوفاناً” شمل كافة المكونات.
وحذر الناجي في عرض قدمه في ندوة نظمتها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين حول حصيلة خمس سنوات من التطبيع الاقتصادي، من أن المقايضة التي سُوقت تحت عنوان “الصحراء مقابل التطبيع” أثبتت لغة الأرقام أنها “تجارة خاسرة” اقتصادياً واستراتيجياً.
وكشف الأستاذ الجامعي عن الكلفة الباهظة للارتهان العسكري الجديد، مشيرا إلى أن المغرب وجد نفسه مجبرا على دخول سباق تسلح محموم بدلا من جني ثمار الأمان الموعودة.
وأوضح بالأرقام أن الميزانية المخصصة للتسلح قفزت إلى مستويات قياسية، حيث ينفق المغرب مبالغ ضخمة (تصل إلى مليار ونصف دولار كمتوسط سنوي في صفقات محددة) لتغطية تكاليف الأنظمة الدفاعية والبرامج الاستخباراتية.
وأكد الناجي أن هذا التوجه “يعمل على حساب قطاعات اجتماعية حيوية” كان المغاربة أولى بميزانياتها، مشددا على أن “الخسارة الاقتصادية” باتت واضحة في تراجع الاستثمار في التنمية البشرية مقابل التسلح.

وفي تحليل لشبكة التوريد، أشار الناجي إلى تحول خطير في خارطة شركاء المغرب التجاريين، حيث أصبحت كيان الاحتلال الإسرائيلي المورد الثالث للمغرب في قطاع السلع بنسبة تصل إلى 11%، بمعدل إنفاق سنوي يقارب 500 مليون دولار منذ توقيع الاتفاقية.
ولفت الأستاذ بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة إلى الخسارة الناتجة عن تعويض الغاز الذي كان يؤمن احتياجات إنتاج الكهرباء بنسبة 11%، معتبراً أن البدائل الحالية كانت مكلفة اقتصادياً ولم تخدم المصلحة الوطنية.
وتطرق الدكتور الناجي إلى ما وصفه بـ”البصمة المائية” المدمرة للاستثمارات الفلاحية الصهيونية بالمغرب، مستعرضاً مثالاً لضيعة صهيونية واحدة بمساحة معينة تستهلك سنويا نحو 127 مليون متر مكعب من المياه، وهو ما يعادل 3% من استهلاك مدينة مغربية كبرى بالكامل.
وأوضح الناجي أن هذه الشركات تستنزف الفرشة المائية لإنتاج “الأفوكادو” وتصديره للخارج، مستفيدة من الإعفاءات الجمركية والتمويلات الاستثمارية المغربية، بينما تترك للمغاربة الجفاف والفرشة المائية المنهارة.
ورفض الناجي الادعاءات حول استفادة المغرب تقنيا، مؤكداً أنه “لم يكن هناك نقل حقيقي للتكنولوجيا”، بل مجرد “اتفاقيات شراء” لأجهزة تظل مرهونة بالصيانة والتحكم الإسرائيلي. كما حذر من خطورة “التطبيع الأكاديمي والبحثي المبطن” الذي يتسلل عبر مؤسسات جامعية مرموقة (مثل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات)، معتبراً إياه اختراقاً لعقول الأجيال القادمة.
واختتم الدكتور الناجي مداخلته بوصف هذا الارتهان بـ”الخطر الوجودي” الذي ينقل صراعات بعيدة إلى قلب البيت المغربي، داعيا إلى ضرورة الوعي بأن كلفة التطبيع لم تعد سياسية فحسب، بل أصبحت تمس “القمح والماء والتعليم” في كل بيت مغربي.
يذكر أن مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين نظمت مساء يوم الخميس 22 يناير 2026 بمقرها بالرباط، ندوة وطنية تحت عنوان «خمس سنوات على التطبيع: الراهن والمآلات»، شارك فيها نخبة من الأكاديميين والباحثين والفاعلين، وذلك تزامنا مع الذكرى الخامسة لإعلان التطبيع الرسمي بين المغرب وكيان الاحتلال الإسرائيلي.




