العمل النسائي لحركة التوحيد والإصلاح.. من الحضور التنظيمي إلى صناعة الأثر الحضاري – عبدالهادي باباخويا

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تطرحه من رهانات مركبة على المشاريع الإصلاحية، يفرض العمل النسائي داخل حركة التوحيد والإصلاح بالمغرب نفسه، بوصفه رافعة استراتيجية لا غنى عنها في مسار التغيير، ومجالًا خصبًا لتجديد الفاعلية وبناء الأثر الحضاري. ولم يعد هذا العمل مجرد امتداد تنظيمي أو حضور عددي، بل أضحى تعبيرًا عن وعي متقدم بضرورة الإنتقال من منطق التموقع إلى منطق التأثير، ومن التراكم الكمي إلى الإنتاج النوعي في الفعل المجتمعي.
وإذا كانت الحصيلة المتحققة إلى اليوم مدعاة تقدير واعتزاز، سواء من حيث الحضور في الفضاء العام، أو التفاعل مع قضايا الأمة، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، أو الإسهام في النقاش العمومي الوطني، فإن منطق البناء والإصلاح يقتضي الوقوف عند حدود هذه المنجزات بروح نقدية مسؤولة. ذلك أن الإعتزاز بالمكتسبات لا ينبغي أن يتحول إلى عائق يحجب رؤية مواطن القصور، كما أن النضج التنظيمي لا يكتمل إلا بمساءلة الذات وتقويم المسار، على نحو ما قرره الشيخ محمد الغزالي حين جعل “النقد الذاتي طريقًا إلى النضج”.
وانطلاقًا من هذا الوعي، يسعى هذا المقال إلى مساءلة التجربة من داخلها، بطرح جملة من الأسئلة الإشكالية المؤطرة لمسار العمل النسائي: ما العوامل التي تحد من انطلاقته بالوتيرة المنشودة..؟ وأين تتعثر مسارات التأهيل والتمكين..؟ وكيف يمكن ضمان استدامة الكفاءات داخل المشروع، والحد من ظاهرة تسربها وهروبها..؟
كما يجتهد في استشراف أفق فكري ومنهجي للإجابة عن هذه الأسئلة، ضمن مقاربة تجمع بين التأصيل والتجديد، وتزاوج بين التقييم والإستشراف، بما يسهم في بلورة نموذج نسائي رسالي متكامل، قادر على مواكبة تحولات المرحلة والإسهام الفاعل في صناعة مستقبل الحركة وأثرها الحضاري.
أولا- العمل النسائي، ركيزة في البناء الإصلاحي للحركة:
لم يكن العمل النسائي داخل الحركة الإسلامية بالمغرب يومًا عنصرًا ثانويًا، بل شكّل عبر مساره التاريخي ركيزة أساسية في المشروع الإصلاحي، ومكونًا أصيلاً في صناعة تجربته. فقد أسهمت المرأة، بوعيها وصبرها وعطائها، في ترسيخ قيم الدعوة، وتوسيع دائرة التأثير، والإنخراط الفاعل في مختلف الأوراش التربوية والدعوية والمجتمعية.
وقد تجلى هذا الحضور بوضوح في:
- دعم قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية
- التفاعل المسؤول مع قضايا الوطن، كالوحدة الوطنية ومدونة الأسرة
- الإسهام في النقاش العمومي حول قضايا الحقوق والقيم
وهو ما يؤكد أن المرأة داخل الحركة لم تكن مجرد متلقية، بل فاعلة في تشكيل الوعي المجتمعي وصناعة المواقف.
ثانيا- العمل النسائي، كآلية لمواجهة الفردانية وبناء الجماعة:
في زمن تتسارع فيه النزعات الفردانية وتسيطر على فكر الإنسان المعاصر، يصبح العمل النسائي أكثر من مجرد نشاط اجتماعي أو تنظيمي، فهو فضاء استراتيجي لإعادة بناء الوعي الجماعي، وجمع النساء حول مشروع مشترك يتجاوز الإهتمامات الذاتية الضيقة نحو همّ الأمة ومصلحة المجتمع.
ويؤكد المفكر عبدالوهاب المسيري في تحليله الحضاري: أن “الفرد في الحضارة المادية كيان مستقل، أما في الحضارة الإنسانية فهو كائن منتمٍ، لا يتحقق إلا داخل شبكة من القيم والعلاقات”.
وبناءً على هذا المنظور، يتحول العمل النسائي إلى فعل مقاومة ثقافية، يواجه التفكك الإجتماعي والفردانية المفرطة، ويعيد تأسيس مفهوم الجماعة كركيزة أساسية لكل مشروع إصلاحي ناجح ومستدام. إنه بناء للقيم المشتركة، وترسيخ للإنتماء، وإعادة تعريف للهوية الجماعية، حيث تتحول كل مشاركة نسائية إلى جسر يربط بين الذات والكل، بين الفرد والمجتمع، في إطار رسالة حضارية جامعة.
ثالثا- من التراكم إلى التحول، سؤال الفاعلية والتأثير:
على الرغم من أن العمل النسائي قد حقق مكتسبات مهمة، يبقى التحدي الأبرز اليوم هو القدرة على تحويل هذا التراكم إلى أثر ملموس وفعلي في المجتمع، كما يؤكد المفكر مالك بن نبي: “ليست المشكلة أن نملك أفكارًا، بل أن نملك القدرة على تحويلها إلى قوة اجتماعية.”
وهذا يقودنا إلى سؤال محوري: كيف يمكن للعمل النسائي أن ينتقل من كونه رصيدًا تنظيميًا إلى طاقة فاعلة للتغيير المجتمعي؟
وللإجابة على هذا السؤال، هناك ثلاثة مسارات أساسية:
- بناء الكفاءة: بتطوير المهارات والخبرات لضمان جودة الأداء وعمق التأثير.
- صناعة القيادات: بتمكين النساء لتكونن قادرات على قيادة المبادرات وتحريك الفعل الإجتماعي.
- حسن استثمار الطاقات: بتوجيه القدرات والموارد بشكل استراتيجي لتحقيق الأثر الأكبر.
كما يؤكد د. أحمد الريسوني: “الإصلاح لا يقوم إلا برجال ونساء يجمعون بين الوعي والاجتهاد.”
إن التحول الحقيقي لا يتحقق بمجرد التراكم، بل بالقدرة على تحويله إلى قوة اجتماعية ملموسة، تدفع المجتمع نحو التقدم والإصلاح.
رابعا- التربية أولًا، حماية المعنى في خضم الفعل:
في خضم التوسع التنظيمي، يبرز خطر فقدان البعد التربوي، وهو ما حذر منه المرحوم د. فريد الأنصاري بقوله: “قد تتحول الدعوة إلى حركة بلا روح إذا غابت عنها التربية الإيمانية.”
ولذلك فإن العمل النسائي، ليصون رسالته ويضمن أثره الحقيقي، لا بد أن يركز على:
- ترسيخ العمق الإيماني كأساس لكل فعل وتنظيم.
- بناء المعنى قبل الإنخراط في الفعل لضمان سلامة المقصد.
- حماية المقاصد من الذوبان أو الإنحراف تحت ضغط التوسع والتشعب.
هذا التوجه يتقاطع مع تحذير عبدالوهاب المسيري، من خطورة تفريغ المفاهيم من مضامينها، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها العولمة الثقافية، حيث يصبح الثبات على الجوهر ضرورة حتمية للحفاظ على هوية العمل وفعاليته.
خامسا- بين تحديات المرحلة ورهانات القيادة النسائية:
تفرض المرحلة الراهنة تحديات معقّدة تتطلّب من كل فاعل أن يكون:
- واعياً بمتطلبات الواقع وفهم التحولات الاجتماعية والسياسية المحيطة
- متمكّنًا من أدوات التأثير وقادرًا على صنع الفرق
- حاملاً لهمّ الدعوة ومخلصًا لأهدافها ومبادئها
وفي سياق هذه التحديات، يبرز سؤال استراتيجي محوري: أي حركة نريد؟
حيث نطمح إلى حركة:
- متجددة في خطابها، تواكب التطورات ولا تتخلى عن قيمها
- راسخة في مرجعيتها، مستندة إلى مبادئ ثابتة وعميقة
- منفتحة على مجتمعها، قادرة على التواصل مع مختلف شرائحه
- قادرة على إنتاج الكفاءات وصناعة القيادات، لضمان استدامة الرسالة
وفي هذا الإطار، يتجلّى بوضوح أهمية تمكين المرأة في مواقع القيادة، إذ لم يعد مقبولًا أن يُحصر دورها في التنفيذ دون القرار والمبادرة.
وقد أكّد د. يوسف القرضاوي أن: “المرأة شقيقة الرجل في تحمل مسؤوليات الإصلاح، ولا يجوز تعطيل طاقاتها.”
كما أشار د. حسن الترابي إلى ضرورة “الإنتقال من التدين الفردي إلى التنظيم الفاعل”، الذي يكتشف الطاقات ويوجّهها نحو العمل المؤثر والبناء.
خاتمة – نحو آفاق فاعلية حضارية متجددة:
يقف العمل النسائي داخل الحركة اليوم عند مفترق مهم، حيث لم يعد مجرد حضور أو مشاركة، بل أصبح رهانًا على التأثير والقيادة وصناعة الأثر المستدام. لذلك فالمرحلة القادمة تتطلب رؤية واضحة واستراتيجيات عملية لترجمة الحضور النسائي إلى فاعلية حضارية ملموسة. وتترتب على ذلك عدة أولويات استراتيجية:
- تأهيل القيادات النسائية بما يضمن امتلاك أدوات التأثير واتخاذ القرار بوعي ومسؤولية.
- تعزيز البعد التربوي للحفاظ على الرسالة وتحميص قيم الأمة من التشويه والإنحراف
- تطوير الخطاب لمواكبة التحولات الاجتماعية والفكرية، بما يعزز قدرة المرأة على التواصل والإقناع.
- ترسيخ العمل الجماعي ومواجهة الفردانية، لضمان قوة المؤسسية ودوام الاستمرارية.
- فتح آفاق القيادة أمام الكفاءات النسائية وتمكينها لتكون محركًا للتغيير الإيجابي في المجتمع.
في النهاية، نؤكد أن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل العمل النسائي من مجرد دور إلى فاعلية حضارية حقيقية، قادرة على بناء الوعي، وصيانة القيم، والمساهمة الفاعلة في نهضة الأمة وتحقيق مستلزمات المستقبل المزدهر.




