مقالات رأي

الحركة الإنسية.. الدين.. الإنسان – عبد الحق لمهى

تناول الفيلسوف الشهير كانط في مقال له بعنوان ما الأنوار؟ مجموعة من الأفكار منها:” الحركة الإنسية وهي “حركة فكرية وثقافية ظهرت في عصر النهضة بإيطاليا، ومنها انتقلت إلى باقي البلدان الأوروبية، ويعتبر الهولندي “ديسيدريوس إراسموس” (1467 – 1536) أشهر من مثل هذه الحركة.

وضدا على فكر العصور الوسطى الذي كان متوجها نحو الله والدين مع تحقير الإنسان، فإن الفكر الإنسي نظر إلى هذا الأخير بإيجابية باعتباره أرقى الكائنات الحية. ولذلك تجلى جوهر هذه الحركة في جعل الإنسان محور التفكير والممارسة، واعتبار المعرفة جوهر وجوده. وهو الموضوع الذي سيتلقفه فكر التنوير، ويعمل على تطويره وبلورته في قوالب عقلية وفلسفية.” (مقتطف من محاضرات جامعية مادة الفلسفة).

نظرا لأهمية الموضوع وما يطرحه من أسئلة وإشكالات في علاقتها بالدين والإنسان على وجه الخصوص، ولأن ثمة من يحاول خلط الأوراق أحيانا عن قصد أو غير قصد، فيرمي الدين الإسلامي تحديدا بما ورد من الصفات المذكورة في المقال من” الاتجاه نحو الله وإهمال مكانة الإنسان”، يحاول هذا المقال بسط أفكار في هذا السياق تروم إبراز موقع الإنسان في منظومة دين الإسلام لبيان الفرق بين دين الإسلام وغيره من “الدين ” المشار إليه في مقالة كانط، بخصوص الإنسان في علاقته بالدين، وكيف نظر الدين على الإنسان.

تحتاج مناقشة هذه الفقرة من مقال كانط إلى إحاطة عميقة بكل السياقات التي كانت وراء وصف الدين بتلك النعوت والأوصاف الواردة في المقتطف أعلاه. لكن هذا كله لا يمنع من إبداء الرأي حول محتوى المقتطف.

من المعلوم أن موضوع الإنسان شغل مكانة هامة في منظومة دين الإسلام، ومن تلك الحجج الدالة على ذلك، ما يلي:

ـ الإنسان خليفة الله في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. فالإنسان هو النائب عن الله في الأرض، فما أعظمها، وأعظم بها من مكانة لمخلوق ينوب عن الخالق.

ـ ذكر القرآن الكريم عن الإنسان أن من طبيعة هذا الأخير الإفساد في الأرض، وحتى يقع منع الإنسان من الفساد، فقد وجهه القرآن الكريم بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ” ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: 56]، وفي توجيه القرآن للإنسان إلى خطورة الإفساد في الأرض، عناية كبيرة من هذا الدين بالإنسان.

ـ الإنسان شيخا كبيرا: لما كانت للإنسان مكانة مهمة فقد أرشد الوحي المحمدي الناس إلى وجوب الإحسان إلى هذا المخلوق الذي صار إلى الضعف بعد أن كانت به قوة، قال تعالى ﴿ ۞ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [ النساء: 36]، تحمل الآية إشارة قوية حيث جمعت بين العبادة والإحسان إلى الإنسان، فقدت جعلت الآية الصلة بالله عبادة، في نفس درجة الصلة بالإنسان إحسانا. وذلك كله يعكس مركزية الإنسان في القرآن.

ـ حماية الإنسان مما يضره ويفتك به، يعد من صميم الاهتمام بالإنسان، وفي هذا الصدد يضع الإسلام جملة من التوجيهات لهذا الإنسان، من ذلك قوله تعالى ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾[ سورة الإسراء: 33]، وقوله تعالى : ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [ سورة الإسراء: 32]، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ [1] وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 90، 91].، وغيرها من الآيات والأحاديث التي تعد حجة في هذا الباب.

ـ العقل سر التكريم ومناط التكليف: ويقصد بذلك أن الله تعالى كرم الإنسان وميزه عن غيره من المخلوقات الأخرى بالعقل، وأن التكليف في الإسلام لا يكون إلا مع وجود العقل وسلامته، لذا فلا تكليف للحيوان مثلا. ارتباطا بهذا الموضوع يؤكد الإسلام ويدعو إلى إعمال العقل من خلال الدعوة إلى التأمل والنظر في الوحي المنظور (الكون الفسيح)، قال تعالى داعيا إلى النظر والاعتبار في الكون: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [سورة الغاشية: 17]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46].

أخيرا، إن كل ما سبق عرضه من الحجج المسنودة بأدلتها الشرعية، يمكن معه الجزم بأنها دلالات معبرة عن العناية الفائقة التي يوليها الإسلام للإنسان. ويبقى السؤال هو إلى أي حد نجح الإنسان المسلم في تمثل هذه الحقائق القرآنية في واقع الحياة؟ فمتى وجد انحراف في تفكير الإنسان عن هذه الحقائق كما رسمها دين الإسلام، أمكن القول إنه فكر جامد وغير عقلاني، أو قل هو ظلامي على تعبير من قال بهذه الصفة.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى