الإيجابية في سيرة يوسف عليه السلام – عبد الحق لمهى

تتجلى الإيجابية في حياة يوسف عليه السلام في أبهى صورها، رغم ما مرّ به من محن قاسية ومتلاحقة. فقد عاش عليه السلام في مراحل من عمره عبدًا مملوكًا في قصر عزيز مصر، قال تعالى” وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا” الأية، بعد أن أُلقي في البئر من قبل إخوته، ” فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ”، ثم بيع بثمن بخس، في مشهد يجسد قمة الظلم الإنساني، ” وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ”، ومع ذلك، لم تنكسر نفسه، ولم يفقد توازنه، بل ظل ثابتًا على مبادئه، متماسكًا في أخلاقه.
ولم تقف محنه عند هذا الحد، بل تعرّض لابتلاء عظيم حين راودته امرأة العزيز عن نفسه ” وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ”، وتعرض لضغط نفسي شديد بلغ ذروته بمشاركة النسوة في محاولة إغرائه، ” قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ”، ومع ذلك، آثر العفة والطهر، وفضّل السجن على الوقوع في المعصية، فدخل السجن مظلوما بعد أن ظهرت دلائل براءته.
” ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ”. وهناك، وهو في أوج شبابه، فاقدٌ لحريته، لم يستسلم لليأس، بل استثمر محنته في الدعوة إلى الله، ونشر الخير بين من حوله،” يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)”.
ثم تأتي مرحلة أخرى من الإيجابية الفاعلة، حين واجهت مصر أزمة الجفاف. فلم يكن يوسف عليه السلام سلبيًا أو منعزلاً، رغم اختلافه العقدي مع قومه، بل بادر إلى تقديم الحلول العملية، من خلال تفسير رؤيا الملك ” قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ”. ثم الإشراف على تنفيذ خطة محكمة لإنقاذ البلاد من المجاعة. لقد جسّد بذلك نموذج المواطن الصالح الذي يسهم في خدمة مجتمعه، بغض النظر عن اختلافاته مع محيطه ” قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم”.
إن هذه الإيجابية لم تكن وليدة ظرف عابر، بل كانت نابعة من إيمان راسخ، يجمع بين التصديق القلبي، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح. فقد وحّد يوسف عليه السلام ربه، ورفض الشرك،” إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ” (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ”، وترجم إيمانه إلى سلوك عملي نافع، تمثل في خدمة الصالح العام، والإحسان إلى الناس جميعًا.
وهذا النهج هو ذاته الذي سار عليه الأنبياء والمرسلون، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قدّم نموذجًا راقيًا في التعامل مع المخالفين، خاصة يوم فتح مكة، حيث قابل الإساءة بالعفو، والعداوة بالتسامح، فكان لذلك أثر بالغ في دخول الناس في دين الله أفواجًا.
إن المسلم مدعو إلى أن يكون إيجابيًا في مجتمعه، داعيًا إلى الله بسلوكه قبل قوله، مقتديًا بالأنبياء في أخلاقهم وأفعالهم، سائلين الله تعالى أن يوفقنا للاهتداء بهديهم، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.




