الرئيسية-دروس ومواعظرمضانمقالات رأي

د مصطفى قرطاح يكتب:اسم “الذكر” – الحلقة السابعة

 سمى الله تعالى كلامه المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ذكرا، ومن أشهر الآيات على ألسنة الناس التي ورد فيها هذا الاسم قوله تعالى:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وقد جاء اللفظ هنا مُعَرَّفاً بالألف واللام للعهد، لأنه صار معروفا عندهم، وقد تقدم قبل هذه الآية قول المشركين: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾[الحجر:6].

كما ورد الاسم مُنَكَّراً في قوله عزوجل: ﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾[الأنبياء:50]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾[ طه: 99]، وعن دلالة التنكير قال الشيخ الطاهر بن عاشور: «وتنكير “ذِكْراً” للتعظيم، أي آتيناك كتابا عظيما، وقوله: “من لدنا” توكيد لمعنى “آتيناك”، وتنويه بشأن القرآن بأنه عطية كانت مخزونة عند الله فَخَصَّ بها خير عباده»[1].

والذكر: مصدر فعل ذكر، من «… ذَكَرْتُ الشيء، خلافُ نسِيتُه، ثم حمل عليه الذِّكْر باللِّسان. ويقولون: اجعلهُ منكَ على ذُكْرٍ، بضم الذال، أى لا تَنْسَه. والذّكر: العَلاء والشَّرَف. وهو قياس الأصل. ويقال رجلٌ ذَكُرٌ وذكيرٌ، أى جَيِّدُ الذِّكْرِ شَهْمٌ»[2].

  وهكذا حمل القرآن اسم الذكر لأنه صار مصدرا لإحداث الذكر لدى قرائه، إذ بتلاوته يذكر العباد العهود والمواثيق التي أخذها الله تعالى عليهم، ولا ينسوها، وقد صرح القرآن الكريم بهذا المعنى فقال عز وجل:﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [المائدة: 7].

وبتحقق هذا الذكر والأخذ بمقتضاه يَعْلُو المؤمنون ويَشْرُفُونَ، ولهذا امتن الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم وقومه فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾[الزخرف:43 ـ 44]، قال محمد بن جرير الطبري:« إن هذا القرآنَ الذي أُوحِيَ إليك يا محمدُ، الذي أمَرناك أن تستمسكَ به، لشَرَفٌ لك ولقومِك مِن قريشٍ»[3].

 وأي شرف أعظم من أن يذكرَ الله تعالى عبده، ويُكَلِّمَهُ ويُخَاطِبَهُ، ويَعِظَهُ ويُزَكِّيَهُ، فإن أقبل العبد على ربه، واستمع إلى الذكر، وأنصت إليه، وعقله، وقام به، شرف في الدنيا والآخرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين»[4]، وقال أيضا: «يقال لصاحب القرآن -: ‌اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها»[5].

      وضد الذكر النسيان، وهو يأتي بمعنيين؛ أحدهما: إغفال الشيء، والثاني: تَرْك الشيء. فالأوّل نسِيتُ الشَّيءَ: إذا لم تذكُره، نِسيانًا. والنِّسيان: عُزوب الشّيء عن النَّفْس بعد حضوره لها»[6]، «ومن الثاني: ترك الشيء للاستغناء عنه، ومنه لفظ النِّسْي، وهو ما سَقَط من منازل المرتحلين من رُذَال أمتعتهم فلم يأخذوه، وتركوه لحقارته عندهم، وعلى ذلك يفسَّر قولُه تعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]»[7]، أي لما نسوا الذكر تركهم الله تعالى لحقارتهم ومهانتهم عنده، فأضلهم وخذلهم، ومصداق ذلك قول الله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110].

     ولما ابْتُلِيَ آدمُ في الجنة بما عهد إليه الله تعالى من معاداة الشيطان؛ وعدم الاغترار بنصحه، وعدم الثقة بيمينه، نسي آدم عليه السلام العهد، وأكل من الشجرة، فأهبط إلى الأرض بعدما تاب الله عليه، وتعهد الله تعالى لبنيه أن يأتيهم منه هدى على أيدي رسله، يذكرونهم العهد الذي بينهم وبينه، فقال سبحانه: ﴿ يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [ الأعراف:35]، وهكذا أُرْسِلَ الرُّسُلَ تَتْرَى، وأنزلت الكتب ، وغدا «‌كل ‌كتابٍ أَنْزَلَه اللَّهُ إلى نبيٍّ من أنبيائِه فهو ذِكْرٌ»[8]، وكان القرآن الكريم أحدثَهَا وخَاتِمَتَهَا والمهيمن عليها.

       ومما ذَكَّرَ به القرآن الكريم بني آدم:

ـــــ  إقرارهم بربوبية الله تعالى وألوهيته ووحدانيته، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾  [الأعراف:172 ـ 173]،

ـــــ أصل الخلق وأطواره والغاية منه ومصيره،

ــــــ النعم التي أنعم بها الله عليهم، وهو كثير جدا في القرآن، ومن أشهر السور الواردة في هذا الباب سورة النحل، فقد سميت سورة النعم،

ـــــ التذكير بالحساب والجزاء والجنة والنار، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [ الزمر: 54 ـ 59].

[1] ـ  التحرير والتنوير: ج 16، ص302

 [2]ـ معجم مقاييس اللغة، ج2، ص 358.

 [3]ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 20، ص: 602.

 [4]ـ صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها و علمها

.[5] ـ رواه الترمذي في سننه، أبواب فضائل القرآن، حديث رقم 2914، وقال: حديث حسن صحيح

 .[6]ـ مقاييس اللغة، ج5، ص:422 ـ 423

 .[7]ـ مقاييس اللغة، ج5 ، ص: 422 ـ 423 ، بتصرف يسير

 .[8]ـ تفسير الطبري، ج 16، ص: 434

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى