حماية الهوية الإسلامية بالمغرب: نحو تكامل مثمر بين الدولة والعلماء والمجتمع المدني والأحزاب السياسية

بعد النجاح الذي حققه الجمع العام الثامن لحركة التوحيد والإصلاح المغربية أيام 23-24-25 أكتوبر 2026، وما حمله شعار جمعها من رسائل للفاعلين المدنيين والسياسيين: “بالاستقامة ينهض الوطن وبالمقاومة تعز الأمة”، تداعت كثير من المواقع الإلكترونية إلى الكتابة في موضوع أدوار الفاعلين الإصلاحيين وجمعيات المجتمع المدني في حفظ الهوية الإسلامية المغربية، وكيف تتفاعل مع الحقل الديني الرسمي الذي يشرف عليه أمير المؤمنين. وهذه الرسالة تسعى إلى تقديم مقاربة معرفية إصلاحية للموضوع.
بداية ينبغي التأكيد على أن التاريخ الإسلامي عامة والمغربي خاصة قام على أساس مؤسسة الخلافة (في المغرب نظام إمارة المؤمنين) وما يتفرع عنها من مؤسسات موازية كمؤسسة القضاء والحسبة وغيرها.
لكن المواطن المسلم ومن مواقع متعددة ظل يقوم بأدوار هامة في حفظ الهوية، سواء من خلال الإنفاق على المدارس والمؤسسات العلمية والصحية والإشراف عليها، أو من خلال وظيفة العلماء والصلحاء في التوجيه والتربية. وقد كتب الدكتور أحمد الريسوني حفظه الله كتابه ” الأمة هي الأصل” لتأكيد هذا الملحظ، وبيان أن حفظ الأوطان وهويتها واستقلالها رهين بتكامل دور الأمة مع رعايتها ومسؤوليها.
ويؤكد دستور المغرب لسنة 2011 أن ” المغرب دولة إسلامية“، وأن ” الهوية المغربية تتميز بتبوإ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها“. كما جاء في الفصل الأول ليبين أن الأمة تستند: ” في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي“.
ولا شك أن استناد الأمة على ثابت الدين الإسلامي يفرض على كل الفاعلين الإعلاء من شأنه، وتبنّي أصوله ومقاصده والترافع على حفظ هويته، ودعم جهود الحقل الديني الرسمي لأجل حفظها وترسيخها.
ومن جهة أخرى إذا كانت كلية حفظ الدين هي الأساس ضمن الضروريات الخمس، فإن حفظها لا يتم فقط من خلال جهود الحقل الديني الرسمي والمتمثلة في تأهيل الأئمة والمرشدين والمرشدات، والعناية بالمساجد، وتطوير برامج الوعظ والإرشاد والتعليم الديني، والبرامج الإعلامية الهادفة. إن حفظ الدين يتطلب إضافة لما سبق انخراط كل المؤسسات الرسمية من تعليم وإعلام وثقافة، وكذلك بذل الجهد من طرف الجمعيات المدنية لأجل ترسيخ منظومة متكاملة لحفظ الإنسان والأسرة والعقل والمال والكرامة الإنسانية.
فالهوية الإسلامية لا تقوى بمجرد حضور الرموز والمظاهر، وإنما تقوى بقدر ما تنتج من استقامة أخلاقية، وأمانة في المعاملات، وعدالة في السياسات، وتضامن مع المحتاجين، وإتقان للعمل، واحترام لكرامة الإنسان.
ولقد انتبه المجلس العلمي الأعلى إلى أن حفظ الدين والهوية الإسلامية يحتاج إلى انفتاح على المؤسسات الرسمية والمدنية، فبادر من جهة إلى عقد لقاءات مع مؤسسات رسمية غايتها التأكيد على أن صلاح الانسان شرط في حسن سير هذه المؤسسات، ومن ثم حاجة المنتسبين إليها إلى تغذية روحية وإيمانية[1].
كما أوصى من جهة أخرى في إطار خطة تسديد التبليغ وفي إطار عمل المرشدين والمرشدين بالانفتاح على الخيرين من عمار المسجد ومن الجمعيات المدنية لأجل تنزيل بعض البرامج الاجتماعية والإسرية…
إن التحدي الأكبر لحفظ الهوية يتمثل في حماية الشباب من المغريات والفتن التي يتعرضون عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. ونرى أن الجهود التي يبذلها الفاعل الرسمي – على أهميتها وضرورتها – من مثل دروس المساجد وبعض أنشطة قناة محمد السادس الموجهة للشباب قليلة ومحدودة الأثر، وتحتاج إلى ترسيخ وتثبيت بالأعمال المصاحبة والأنشطة الميدانية التي تقوم بها بعض جمعيات الطفولة أو الجمعيات الإسلامية من مثل المجالس التربوية والدورات الإيمانية أو المخيمات الصيفية.
ويضاف لما سبق أن حفظ الهوية من التأثيرات الخارجية، ومن دعوى التطرف والغلو لا يكفي فيه الخطاب الرسمي وحده، بل يحتاج إلى تكامل مختلف الفاعلين في الحقل الديني من هيئات وجمعيات وعلماء للدفاع عن الاختيارات المغربية، وتأطير الشباب ومصاحبتهم فكريا وتربويا، وفتح فضاءات للحوار والنقاش معهم، والأخذ بأيديهم بما يسهم في تنشئتهم على قيم دينهم وهوية وطنهم وثوابته الجامعة.
إن المؤسسات الدينية الرسمية لا تنفتح على كل العلماء المتنورين، ممن لهم قدرة على التأثير في عامة الناس وفي الشباب بشكل خاص، كما أنها تظل عاجزة عن التصدي لكثير من صور الطعن في مقومات الهوية الإسلامية، من سنة نبوية، ولغة عربية، وثوابت الأسرة المغربية وقيمها الراسخة، وهوية المغاربة وعاداتهم الأصيلة..
ولا شك أن الجمعيات الإسلامية والثقافية والتربوية والاجتماعية، تمتلك قدرة المدافعة والممانعة والوصول إلى فئات متعددة قد لا تبلغها البرامج الرسمية بالقدر نفسه، كما تمتلك إمكانات للتأطير والترافع والتكوين، والتفاعل المباشر مع الشباب والأسر بما يسهم إلى جانب الفاعل الديني الرسمي في تحقيق الأمن الروحي للمغاربة وحماية ثوابتهم المحفوظة دستوريا.
وقد نوّه الدستور المغربي بأهمية المنظمات غير الحكومية والجمعيات وبدورها المتناغم مع باقي المؤسسات في حفظ مقومات الوطن، ونصّ على تيسير انخراطها في قضايا الشأن العام وتقديم العرائض والملتمسات وحفظ حقوقها كاملة. جاء في الفصل 12 منه أنه: “تُؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وتمارس أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون. لا يمكن حل هذه الجمعيات والمنظمات أو توقيفها من لدن السلطات العمومية، إلا بمقتضى مقرر قضائي”.
ويضطلع المجلس العلمي الأعلى بما خوله له الدستور والقانون من اختصاصات، ويقوم بدوره في إصدار الفتاوى التي تعم الشأن العام، أو التي يطلبها منه أمير المؤمنين[2]، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية العلماء المستقلين في البحث والاجتهاد وإبداء الرأي الذي لا يكون ملزما في قضايا الشأن العام.
ولقد علمنا تاريخنا المغربي أن بعض الاجتهادات المرجوحة في زمن معين قد تصبح راجحة اعتبار للمصالح المتجددة، ولذلك عرف القضاء المغربي أصل ما جرى به العمل، ولذلك لا يجوز التحجير على العلماء في إبداء رأيهم في القضايا والنوازل الشرعية.
ومن الأمثلة في هذا الباب أن المجلس العلمي الأعلى ظل لسنوات يؤكد التزام مذهب مالك والتقيد بالأصناف المذكورة في حديث الموطأ حول زكاة الفطر[3]، مع أن بعض أهل العلم رجحوا في ذلك الوقت مشروعية إخراج القيمة تيسيرا على المعطي وعلى الآخذ، ورأينا كيف أن المجلس العلمي الأعلى في السنوات الأخيرة رجح لديه القول بمشروعية إخراج القيمة وبدأ يرغب في ذلك. وأصبح يدعو أيضا في دروس الوعظ إلى الحج بالتمتع خلافا للمشهور في مذهب مالك من أفضلية الإفراد بالحج..
ومن جهة أخرى فإن الدستور المغربي يؤكد في ديباجته على أن المغرب يعمل على: “تعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية، وتوطيد وشائج الأخوة والتضامن مع شعوبها الشقيقة ” وهذا التأكيد في الدستور على العمق الإسلامي والعربي وعلى إعمال مبدأ التضامن والتآخي بين العرب والمسلمين يحتاج إلى تظافر جهود الفاعل الرسمي مع الفاعل المدني.
وقد وقف الناس على ضمور التضامن الرسمي مع قضية فلسطين إزاء ما يتعرض له أهلها من قتل ودمار، باستثناء ما يقوم به بيت مال القدس، ومن ثم تأتي الحاجة إلى التنويه بأدوار الفاعل المدني الذي يقوم بمبادرات إنسانية وترافعية تحقق بعض ما يرمي إليه الدستور المغربي، ويقوي موقف وطننا المغرب ومبادراته بهذا الخصوص..
خلاصة: إن حماية الهوية الإسلامية في المغرب مسؤولية مشتركة، تتكامل فيها مرجعية إمارة المؤمنين واختصاصات الدولة ومؤسساتها، مع إسهام العلماء والمجتمع المدني والجمعيات الإسلامية والأحزاب السياسية في إطار الدستور والقانون، واحترام التعددية والحقوق والحريات.
وهو ما يؤكده دستور 2011، ومن ثم فإن كل دعوة لحصر الأعمال الموجهة لحفظ الهوية في الفاعل الديني الرسمي تعني إضعاف الهوية والتفريط في مقومات أساسية يوفرها الدستور لأجل حفظها وترسيخها لدى الأجيال.
بقلم الدكتور الحسين الموس
———–
[1] شرع المجلس العلمي الأعلى منذ 2025 وفي إطار تفعيل خطة تسديد التبليغ في عقد لقاءات تواصلية مع خبراء في مجالات الأمن والاقتصاد والبيئة والقضاء وحقوق الإنسان والأسرة والصحة الجسدية والصحة النفسية وحضره خبراء في الثقافة والتنمية والتدبير والإعلام والمجتمع المدني.
[2] جاء في الفصل 41 من الدستور: ” الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية.
يرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه.
ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا، في شأن المسائل المحالة إليه، استنادا إلى مبادئ وأحكام
الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة. تحدد اختصاصات المجلس وتأليفه وكيفيات سيره بظهير. يمارس الملك الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا، بمقتضى هذا الفصل، بواسطة ظهائر.”.
[3] مالك بن أنس، الموطأ، كتاب الزكاة، باب مكيلة زكاة الفطر، وفيه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين”.




