أخبار عامةالرئيسية-فلسطينقضايا الأمة

5 سنوات من التطبيع.. ويحمان والصبار يحذران من “تفكيك الهوية” واستهداف “الأمن الثقافي” للمغاربة

أجمع المشاركون في الندوة الفكرية المخصصة لتقييم حصيلة خمس سنوات من التطبيع، التي نظمتها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين مساء أمس الخميس، على أن هذا المسار قد تجاوز الأبعاد السياسية والدبلوماسية ليدخل مرحلة “الاختراق الاستراتيجي” الذي يستهدف البنية التحتية للهوية المغربية والأمن الثقافي للمجتمع.

ويحمان: التطبيع انتقل من “الاتفاق السياسي” إلى “الاختراق الهوياتي” واستهداف المرجعية المؤسسة للمغرب

في قراءة نقدية لمرور خمس سنوات على توقيع اتفاقية التطبيع، حذر الدكتور أحمد ويحمان من تحول هذا المسار من “إجراء سياسي عابر” إلى “مشروع اختراق استراتيجي” يستهدف تفكيك البنية الهوياتية والعقائدية للمجتمع المغربي.

وجاء ذلك خلال مداخلة شاملة استعرض فيها ما وصفه بـ”مخاطر الصهينة” التي طالت مجالات السيادة والذاكرة الجماعية بعنوان “خمس سنوات على توقيع التطبيع: من الاختراق الشامل إلى الاختراق الأخطر (صهينة الهوية واستهداف العقيدة والشرعية).

واعتبر رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، أن الحصيلة الراهنة تكشف عن اختراق لم يترك قطاعا إلا ودخله بدءا من الاقتصاد والتجارة والإعلام، وصولا إلى الفضاءات الأكاديمية والبحثية والمجال الرقمي والأمني. وأكد أن الخطورة لا تكمن في حجم الاختراق المادي فحسب، بل في اختراق المعنى الذي يقتحم العقول ويعيد تشكيل الوعي الجمعي.

وانتقل ويحمان في تحليله إلى ما وصفه بـ “الاختراق الأخطر”، وهو استهداف الهوية المرجعية للمغرب، محذرا من محاولة تأسيس هوية هجينة تُقدم تحت لافتة “التعدد والتصالح”، لكنها تهدف في العمق إلى خلق “ولاءات موازية” وفك الارتباط بالامتداد العربي الإسلامي للمغرب.

وأوضح ويحمان أن الوجود التاريخي لليهود المغاربة حقيقة لا تنكر، إلا أن الخطورة تكمن في “التزوير” الذي يحول هذا الوجود إلى أداة لشرعنة المشروع الاستعماري الصهيوني. مسجلا بأسف ما اعتبره عدوانا على “منطقة المقدس” وثوابت الدولة.

واستشهد في ذلك بظهور أطروحات صادمة في الفضاء العام، منها استهداف المرجعية الدينية عبر التشكيك في ثوابت العقيدة والجرأة على مقام النبوة والقرآن الكريم، والمس بالشرعية المؤسسة بالإشارة إلى محاولات الطعن في النسب الشريف للمؤسسة الملكية والترويج لادعاءات تاريخية زائفة (مثل نبي أمازيغي مزعوم أو ملوك يهود)، معركة الأسماء والرموز منبها إلى خطورة تغيير أسماء الشوارع والفضاءات العامة لإزاحة رموز المقاومة والتحرر الوطني واستبدالها بأسماء تخدم سردية الاختراق.

وانتقد ويحمان ما وصفه بـ”الصمت المؤسسي”، مؤكدا أن الدولة في التحليل السوسيولوجي هي “حارسة الرموز” ومنتجة المعنى، وأن حياد المؤسسات في معركة الهوية يصب في مصلحة المشروع الاختراقي. كما حذر من ظهور “وكلاء وأجندات” يعملون في العلن لكسر حاجز العيب المجتمعي وإسقاط المناعة الأخلاقية للمغاربة.

واختتم أحمد ويحمان مداخلته بالتأكيد على أن التطبيع لا يطلب “المصافحة” فقط، بل يفرض “قبول الرواية الصهيونية” وإسقاط الحصانة عن الذات. ودعا إلى مواجهة هذا المسار عبر مقاومة معرفية وأكاديمية لتفكيك السرديات الزائفة ومقاومة قيمية ورمزية لحماية المرجعية الجامعة، واستعادة المناعة الأخلاقية للمجتمع كدرع واقٍ ضد التفكيك الداخلي.

الصبار: التطبيع استهداف مباشر للأمن الثقافي ومحاولة لتفكيك النسيج المجتمعي تحت غطاء “الإبراهيمية”

من جهتها، قدمت الباحثة خديجة الصبار ورقة تحليلية رصينة تناولت فيها تداعيات مسار التطبيع على “الأمن الثقافي والاجتماعي”، معتبرة أن هذا المسار لا يتوقف عند حدود الاتفاقات السياسية أو العسكرية، بل يمتد ليمس جوهر الهوية والنسيج المجتمعي في عمقه التاريخي والقيمي، مستحضرة حصيلة هذه التطبيع وخطورته التي انعكست في شتى المجالات.

وأكدت الصبر في مستهل ورقتها أن معالجة ملف التطبيع يجب أن تتجاوز المقاربات التقليدية لتركز على مستويات “غير مرئية” لكنها حاسمة، وهي المتعلقة بـالهوية والذاكرة كيف يتم استغلال التطبيع لتغيير المفاهيم الراسخة في الوجدان الشعبي، والأمن المجتمعي من خلال حماية التماسك الداخلي من الاختراق الذي يسعى لفرض واقع غريب عن التربة الثقافية للمنطقة، والمنطق الوظيفي حيث أن الكيان الصهيوني وُضع في المنطقة كـ”جسم وظيفي” يخدم المصالح الغربية في المشرق العربي، مقابل منحه أرض فلسطين في مفارقة تاريخية صارخة

واعتبرت نائب رئيس سكرتارية مجموعة العمل الوطنية فلسطين، أن التطبيع هو معركة على “المعنى” والنسيج المجتمعي. وربطت بين اللحظة الراهنة ومحطات تاريخية مفصلية، مشددة على أن الأمن الثقافي هو خط الدفاع الأخير.

ربطت الصبار في قراءتها بين اللحظة الراهنة ومحطات تاريخية مفصلية، مستحضرة عام 1490 وسقوط الأندلس، لتوضيح كيف تم الانقضاض على “القيم الأندلسية” التي رسخها الإسلام كنموذج للتعايش والتسامح بين مختلف الأجناس والطوائف. وأوضحت أن أوروبا توحدت تاريخيا في إطار “مشروع” خاص، بينما تسعى القوى الكبرى (وعلى رأسها أمريكا) لفرض سيطرة عنيفة. مستحضرة مرحلة ما بعد 11 سبتمبر شهدت صعود مصطلحات جديدة مثل “المشترك الإبراهيمي” و”مسار إبراهيم”.

وحذرت الباحثة من استغلال مفهوم “المشترك الإبراهيمي” كغطاء لتمرير أجندات سياسية تستهدف تذويب الخصوصيات الثقافية والدينية للمنطقة. واعتبرت أن هذا المسار يحاول إعادة تعريف “المقدس” و”المشترك” بطريقة تخدم التوسع الصهيوني وتمنحه “شرعية دينية وثقافية” بديلة عن الحقائق التاريخية والسياسية.

وأوضحت أن زرع الكيان الصهيوني في المنطقة جاء كخدمة للمصالح الغربية، مقابل سلب أرض فلسطين، محذرة من أن الهدف النهائي هو خلق واقع غريب عن التربة الثقافية المحلية وتفكيك قيم التعايش الأصيلة في استهداف للقيم الأسرية.

وخلصت خديجة الصبار إلى أن حماية الأمن الثقافي والاجتماعي هي خط الدفاع الأول ضد التطبيع، داعية إلى ضرورة الوعي بالخلفيات التاريخية لهذه المشاريع التي تسعى لنزع المجتمعات من جذورها القيمة وتاريخها المشترك لصالح سرديات وافدة ومصطنعة.

يذكر أن مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين نظمت مساء أمس الخميس 22 يناير 2026 بمقرها بالرباط، ندوة وطنية تحت عنوان «خمس سنوات على التطبيع: الراهن والمآلات»، شارك فيها نخبة من الأكاديميين والباحثين والفاعلين، وذلك تزامنا مع الذكرى الخامسة لإعلان التطبيع الرسمي بين المغرب وكيان الاحتلال الإسرائيلي.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى