أخبار الحركةأنشطة جهة الوسطالرئيسية-قضايا أسرية

منتدى “تماسك” يسلّط الضوء على القيم القرآنية انطلاقًا من أسرة النبي إبراهيم

نظّم قسم الأسرة لحركة حركة التوحيد والإصلاح بجهة الوسط مساء يوم الجمعة 20 فبراير 2026 الندوة الثالثة لمنتدى “تماسك” تحت عنوان “القيم القرآنية في بناء الأسرة الكونية: أسرة سيدنا إبراهيم نموذجًا”.

وتندرج الندوة التي أطّرتها الدكتورة صالحة المرتجي إطار الجهود الرامية إلى ترسيخ المرجعية القرآنية في بناء الأسرة المسلمة وتعزيز أدوارها الحضارية والتربوية.

واستهلت الدكتورة صالحة مداخلتها بتعريف مفهوم “القيم” وبيان مركزية الأسرة باعتبارها النواة الأولى في تشكيل الإنسان وبناء المجتمع، مؤكدة أن النموذج الإبراهيمي يمثل نموذجًا كونيًا متكاملًا تتجسد فيه القيم العقدية والمعرفية والحضارية والأخلاقية في صورة عملية حيّة ومتوازنة.

القيم العقدية: التوحيد، الهداية، التوكل

توقفت المتدخلة عند جملة من القيم العقدية التي تجلت في حياة نبي الله إبراهيم عليه السلام وفي مقدمتها قيمة التوحيد باعتبارها الأساس الذي تنبني عليه سائر القيم، حيث واجه الشرك بكل صوره، وأعلن البراءة من الأصنام، وأقام الحجة على قومه بالحكمة والبيان.

كما أبرزت قيمة الهداية بوصفها ثمرة البحث الصادق عن الحق، مشيرة إلى أن إبراهيم عليه السلام كان في مسار دائم نحو اليقين، يسعى إلى الهداية الربانية التي تملأ القلب طمأنينة ونورًا.

أما قيمة التوكل على الله، فاعتبرتها من أعظم مقامات العبودية وتحقيق الإيمان، موضحة أن التوكل هو اعتماد القلب والعقل على الله مع الأخذ بالأسباب. وقد ظهر التوكل جليًا في حياة إبراهيم عليه السلام، حين ثبت على الإيمان رغم معارضة قومه، وتجسد بأسمى صوره في امتثاله لأمر الله في رؤيا ذبح ابنه، فكان مثالًا في الثقة المطلقة بالله والطاعة الكاملة لأمره.

وأكدت أن التوكل لا يقتصر على المجال التعبدي بل يشمل مختلف شؤون الحياة، وهو ما يورث محبة الله، والثبات على الحق، والنصر، وكفاية الله لعبده المتوكل.

القيم المعرفية: العلم، التفكر، الرشد

وفي محور القيم المعرفية، تناولت الدكتورة صالحة قيمة العلم والسؤال، موضحة أن العلم ينطلق من التفكر في خلق الله والكون، وأنه الأساس في بناء شخصية الإنسان والطريق إلى التوحيد الصحيح. واستشهدت بسؤال إبراهيم عليه السلام لربه: كيف تحيي الموتى، مبينة أن السؤال لم يكن شكًا، وإنما طلبًا لطمأنينة القلب وزيادة اليقين، مما يدل على أن السؤال مفتاح العلم، وأن طلب الفهم يعمق الإيمان ويثبّته.

كما أبرزت مناظرته لقومه، وكسره للأصنام، واحتجاجه عليهم بعجزها عن النطق باعتبار ذلك تجسيدًا لدور العلم والحكمة في إظهار الحق وإبطال الباطل.

وفي السياق ذاته، تطرقت إلى قيمة التفكر في المخلوقات وكون التفكر والتأمل العقلي ينقذان الإنسان من الحيرة والضلال، ويقودانه إلى توحيد الله تعالى. وقد تجلى ذلك في تأمل إبراهيم عليه السلام في الكواكب والشمس والقمر، حيث رفض عبادة ما يأفل ويغيب لأن المعبود الحق يجب أن يكون كاملًا دائمًا لا يزول.

كما تناولت قيمة الرشد، مبينة أن الله تعالى آتى إبراهيم عليه السلام رشده منذ صغره، فكان واعيًا بحاله، مستعدًا للهداية، باحثًا عن الوجهة الصحيحة التي يطمئن إليها قلبه. وقد ارتبط هذا الرشد برسالته العمرانية والروحية، خاصة مع بناء الكعبة المشرفة، التي أصبحت مركزًا حضاريًا وروحيًا، ومهوى أفئدة الناس، ورمزًا خالدًا للتوحيد.

القيم الحضارية: الرسالية، العمران، الحوار، التعاون

وفي محور القيم الحضارية، توقفت المتدخلة عند قيمة الرسالية، مؤكدة أن الخطاب الدعوي ينبغي أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة. واستعرضت أسلوب إبراهيم عليه السلام في مخاطبة أبيه بعبارة “يا أبتِ”، وهو أسلوب يعكس الاحترام والرحمة رغم الاختلاف العقدي، ويؤسس لدعوة قائمة على النور والبيان، لا على الخصومة والعداوة.

كما أبرزت قيمة الحوار من خلال مناظراته مع قومه، وموقفه مع الذي حاجّه في ربه، حيث تجلت قوة الحجة ووضوح البرهان في بيان قدرة الله وعجز الظالمين عن الهداية.

أما قيمة العمران، فبيّنت دورها في بناء حياة آمنة قائمة على الخير وتحقيق مقاصد الخلافة في الأرض، من خلال استثمار الطاقات وتسخيرها لخدمة الإنسان. وأشارت إلى دعاء إبراهيم عليه السلام بأن يجعل الله البلد آمنًا، وأن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، وأن يقيم الصلاة هو وذريته، وأن يغفر الله له ولوالديه وللمؤمنين. وأكدت أن العمران لا يقتصر على البناء المادي، بل يشمل بناء الأسرة الصالحة، وتربية الإنسان المؤمن، وترسيخ الإيمان بما يحقق الأمن النفسي والمالي والاستقرار المجتمعي.

كما استحضرت مكانته القيادية، إذ جعله الله إمامًا للناس، وامتد أثره في ذريته بالدعوة إلى الحق، مع وعد إلهي بأن الظالمين لا ينالهم العهد.

وفي سياق متصل، تناولت قيمة التعاون، مستحضرة مشهد رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعد البيت، في دلالة واضحة على أن التعاون مسؤولية جماعية تشمل الأب والأم والأبناء وسائر أفراد الأسرة. وأكدت أن إشراك الأبناء في تحمل المسؤوليات يرسخ القيم التربوية الصحيحة، ويضمن استمرارية النهج القويم، وأن إقامة الكعبة المشرفة تمثل رمزًا للتوجيه الروحي والالتزام بالعبادة الصحيحة.

القيم الأخلاقية: التزكية، الشورى، الصدق، الصبر

وفي محور القيم الأخلاقية، ركزت الدكتورة صالحة على قيمة التزكية، مبينة أهميتها في تحقيق الطهارة الروحية والمجتمعية، ودورها في تطهير النفس والمال وتنمية المجتمع. وأوضحت أن الطهارة تسهم في صفاء النفس وسلامة الصدر، وتعزز روح المسؤولية والتكافل الاجتماعي، مستشهدة بأمر الله لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود.

كما أبرزت دعاء إبراهيم عليه السلام بأن يبعث الله فيهم رسولًا يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، بما يدل على أن التربية والتعليم والتزكية أسس بناء المجتمع الصالح المتوازن.

وأكدت أن التزكية تقتضي التحلي بالفضائل وترك الرذائل، ولا تتحقق إلا بجهاد النفس، وتهدف إلى ترقية النفس وارتقاء القلب عبر التأمل في الآيات الكريمة وفهم معانيها العميقة.

ومن أبرز القيم الأخلاقية المرتبطة بالتزكية: الشورى، والصدق، والصبر مع الرضا. وقد جسد إبراهيم عليه السلام هذه المنظومة المتكاملة في بناء أسرته، حيث تداخلت قيم التوحيد والتزكية والصبر والتعاون والثقة بالله في نظام واحد متكامل، يعمل فيه كل فرد بدوره ويكمل الآخر.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أن هذه المنظومة القيمية لا تنفصل عناصرها بعضها عن بعض، بل تتساند لتشكل نموذج الأسرة الكونية السليمة، كما تنبثق عنها قيم معرفية وطاقية تغذي العقل والنفس، وتبني طاقة إيجابية داخل الأسرة والمجتمع، بما يحقق رسالة الاستخلاف ويؤسس لنهضة متوازنة تجمع بين العمران المادي والسمو الروحي.

ابراهيم حليم

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى