المقابر في المغرب.. خريطة شاملة عن وضعيتها ونقائصها

تعد المقابر أماكنَ مقّدسةً لدى جميع الأديان السماوية. وتشكل في العصر الحالي مرفقا من المرافق العامة المشمولة بالتخطيط الترابي داخل الدول. وفي المغرب يفوق عدد المقابر 29 ألف مقبرة، تمتد على مساحة تقديرية إجمالية تتجاوز 22 ألف هكتار، موزعة بين المجالين الحضري والقروي.
وقد أنجزت المجالس الجهوية للحسابات مهمة رقابية حول تدبير مقابر المسلمين، همت الفترة الممتدة من 2018 إلى 2024. وتناولت المهمة تقييم مدى ممارسة الجماعات لاختصاصاتها الذاتية في هذا المجال من إحداث وتنظيم وتجهيز وصيانة المقابر وممارسة شرطة الجنائز والمقابر.
وتوصلت المهمة إلى بيانات ومعطيات تمثل اللبنة الأساسية لتشكيل فكرة شاملة عن هذه الأماكن المقدسة، المنظمة وفق مجموعة من القوانين والتشريعات على رأسها مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات والقانون بمثابة ميثاق المرافق العمومية والظهير الشريف المتعلق بمدونة الأوقاف.
اعتمدت المجالس أداة الاستبيان قصد إنجاز هذه المهمة الموضوعاتية، إذ وجهت استبيانات إلى جميع جماعات المملكة البالغ عددها 1503 جماعة، حيث بلغ معدل الإجابة عنها 94% كما تم إجراء معاينات ميدانية على مستوى عينة مكونة من 269 جماعة، منها 154 جماعة ذات طابع حضري و115 ذات طابع قروي.
واقع الحالي
تشير الإحصائيات إلى حصر ما مجموعه 29.081 مقبرة، تمتد على مساحة تقديرية إجمالية تصل إلى 22.019 هكتار وموزعة على 1.413 جماعة أجابت عن الاستبيان. وتوجد معظم المقابر بالمجال القروي، حيث يبلغ عددها 27.674 مقبرة، أي ما يناهز 95.16% من مجموع عدد المقابر، مقابل 1.407 مقبرة في المجال الحضري، أي 4.84% من إجمالي عدد المقابر.
تمثل نسبة ملء المقابر المتواجدة على المستوى الوطني إحدى المشاكل التي تواجهها الأوعية العقارية للمقابر، فقد استنفدت 919 مقبرة طاقتها الاستيعابية القصوى. كما تحولت 111 مقبرة إلى مآثر تاريخية، توجد أساسا في جهات كلميم – واد نون (46 مقبرة)، جهة الشرق (27 مقبرة) وسوس ماسة (26 مقبرة).
أما عدد المقابر النموذجية، أي التي تتوفر بها الشروط الدنيا في ما يخص جانب التجهيز والتنظيم، فيبلغ ما مجموعه 109 مقبرة، أي ما يقل عن 0.4% من مجموع المقابر الموجودة على المستوى الوطني. ويتمركز 76% منها بجهات مراكش-أسفي (46 مقبرة) وسوس-ماسة (26 مقبرة) والشرق (11 مقبرة).
وتبرز الحاجة إلى المقابر مع تزايد عدد الوفيات بشكل متسارع، فقد بلغ عدد الوفيات خلال الفترة الممتدة من 2018 إلى 2024 ما يناهز 1.229.755 شخصا، أي بمعدل سنوي بلغ 175.679 شخصا. وبالتالي، تتطلب المساحة الدنيا الواجب توفيرها سنويا لإيواء القبور حوالي 70 هكتار، دون احتساب المناطق الوقائية حول المقابر.
ويبلغ عدد المقابر المشمولة بوثائق التعمير (تصاميم التهيئة أو تصاميم النمو) ما مجموعه 2.540 مقبرة، أي ما يعادل 8.73% فقط من مجموع المقابر على الصعيد الوطني. كما تضمنت وثائق التعمير إحداث 154 مقبرة وتوسعة 115 مقبرة، أي ما مجموعه 269 مشروعا يخص المقابر، وهو عدد محدود بالمقارنة مع عدد المقابر التي استنفدت طاقتها الاستيعابية والبالغ 919 مقبرة.
نقائص متعددة
ويلاحظ أن تدبير المقابر يعرف عدة نقائص منها غياب تتبع منتظم من طرف الجماعات لوضعية استغلال المقابر الواقعة داخل نفوذها الترابي. فقد تبين أنه من بين 29.081 مقبرة محصاة، لا تتوفر الجماعات على معطيات دقيقة بخصوص معدل الاستغلال والمساحات المتبقية للدفن وعدد القبور الشاغرة على مستوى أكثر من 15.193 مقبرة (ما يفوق 52%).
في المقابل، تمثل نسبة عدد المشاريع المبرمجة أقل من 30% من عدد المقابر الممتلئة. وقد بلغت هذه النسبة أقصاها على مستوى جهة الرباط-سلا-القنيطرة (35%) تليها جهتا كلميم- واد نون (28%) وفاس-مكناس (21%)، بينما لم تتعد على مستوى سبع جهات نسبة (6%).
وبلغ عدد المشاريع المدرجة ببرامج عمل الجماعات والمتعلقة بالمقابر 327 مشروعا برسم الفترة الممتدة من 2018 إلى 2023 بمبلغ إجمالي قدره 374.37 مليون درهم، موجه أساسا إلى عمليات تروم تأهيل وصيانة المقابر مثل التسوير والتسييج والربط بشبكات الماء والإنارة والنظافة.
والملاحظ أن المقابر وخاصة تلك الموجودة بالمجال القروي لا تتوفر على مجموعة من التجهيزات (الأسوار والمرافق الصحية والإدارية). بحيث أن معدل تسييج المقابر لا يتجاوز نسبة 30% من مجموع المقابر، وأن عدد تلك التي تتوفر على مرافق صحية لا يتجاوز نسبة 2% وأقل من 1% من مجموع المقابر تتوفر على مسكن للحارس ومخزن ومكتب خاص بإدارة المقبرة.
على مستوى التسيير، فمن أصل 29.081 مقبرة تم إحصاؤها من طرف المجالس الجهوية للحسابات على الصعيد الوطني، تتولى الجماعات التدبير المباشر لما مجموعه 3.561 مقبرة (أي ما يمثل 12,25%)، بينما تدبر مقبرتان من طرف مجموعات الجماعات الترابية أو مؤسسات التعاون بين الجماعات.
في المقابل، تسير الجمعيات 501 مقبرة، من بينها 32 فقط يتم تدبيرها في إطار اتفاقيات مع الجماعات، أما باقي المقابر، التي يبلغ عددها 25.017 مقبرة (أي حوالي %86 من مجموع المقابر)، فتشرف عليها الجماعات السلالية أو ساكنة الدواوير أو “أفراد القبيلة”.
توصيات عملية
وبعد رصده لوضعية المقابر أصدر المجلس الأعلى للحسابات ضمن تقريره السنوي توصيات إلى وزارة الداخلية قد العمل على تأطير تدبير المقابر وآليات تمويل تجهيزها وصيانتها، وكذا تطوير آليات الشراكة بين الجماعات والأطراف المعنية بتنظيم هذا المجال.
كما يوصي المجلس وزارة الداخلية بحث الجماعات على ما يلي:
- الحرص على الأخذ بعين الاعتبار متطلبات وحاجيات مرفق مقابر المسلمين عند إعداد وثائق التخطيط الاستراتيجي الترابي وكذا مخططات التهيئة العمرانية؛
- اتخاذ الإجراءات الضرورية لتكوين رصيد عقاري كاف مخصص لمرفق مقابر المسلمين، مع الحرص على مسك الملفات القانونية والتقنية ذات الصلة واستكمال تسوية الوضعية العقارية للمقابر، وذلك باعتماد جدولة زمنية محددة ورصد الاعتمادات المالية اللازمة لذلك قصد تحصينها واستغلالها بشكل أنجع؛
- التسريع في استصدار القرارات التنظيمية المتعلقة بتنظيم مرفق مقابر المسلمين، مثل قرارات الإحداث والتسمية والإغلاق وكذا اعتماد نظام داخلي يؤطر تدبير واستغلال المرفق المعني؛
- توجيه جزء من نفقات الجماعات إلى إحداث وتهيئة وتجهيز مرفق مقابر المسلمين عن طريق برمجة مشاريع على مستوى برامج العمل مع تحديد مصدر تمويلها، وكذا رصد اعتمادات على مستوى الميزانيات السنوية وفق مقاربة شمولية وتشاركية مع كافة الشركاء والأطراف ذات الصلة؛
- تزويد مقابر المسلمين بالتجهيزات والمرافق الضرورية لسيرها، مع الحرص على ربطها بشبكة الكهرباء والماء وتسهيل الولوج إليها من طرف المرتفقين، وتوفير الوسائل البشرية واللوجستيكية اللازمة لتسيير المرفق وحراسته؛
- الحرص على الاستغلال الأمثل لمرفق مقابر المسلمين عن طريق إعداد التصاميم الخرائطية في تخصيص وتصنيف مختلف المساحات الموجودة بالمقابر واحترام تجانس القبور من حيث الحجم والعلو والمساحة المشغولة بالقبر وتوفير ممرات ومسالك واحترام تسلسل عملية الدفن؛
- تفعيل آليات الشراكة مع مختلف الأطراف المتدخلة في تسيير مرفق المقابر، وذلك من أجل تحديد المسؤوليات وطرق التدبير والصيانة واستخلاص الواجبات وتقنينها؛
- تعزيز نظام المراقبة الداخلية بمرفق مقابر المسلمين من خلال مسك السجلات المتعلقة بدفن واستخراج ونقل الجثث وإعداد دليل لمختلف المساطر والإجراءات المعتمدة في المرفق المعني، مع إرساء نظام للإجراءات الاستباقية للوقاية من الاعتداءات والكوارث الطبيعية؛
- اعتماد منظومة لتتبع أداء مرفق مقابر المسلمين على مستوى الجماعات، تمكن من تقييم فعالية ومردودية الخدمات المقدمة للمرتفقين وكذا مدى بلوغ الأهداف المسطرة لها من حيث الجودة والفعالية والنجاعة والاقتصاد؛
- رقمنة سجلات الوفيات في نظام موحد وذلك لضمان توثيق المعلومات، واعتماد برنامج معلوماتي يمكن الجماعة من تتبع وتسيير مرفق المقابر، من جهة، ومن تقديم خدمات عن بعد للمرتفقين من خلال اعتماد منصة معدة لهذا الغرض؛
- السهر على تنظيف مقابر المسلمين وصيانتها بصفة دورية، مع القيام بعمليات توعوية بهذا الخصوص.




