السبت, 11 آذار/مارس 2017 17:12

كلمة توجيهية لرئيس الحركة حول ترشيد الاستهلاك

ترشيد الاستهلاك

تقديم:

من الخصائص المنهجية لعمل حركة التوحيد والإصلاح في المجال الدعوي "الاهتمام بالقضايا المجتمعية"  حيث يعتبر السعي المتواصل لمزيد من الاهتمام بقضايا المجتمع والاستيعاب لحاجياته وانشغالاته مما ميز ويميز المسار الدعوي للحركة.

ويتضح ذلك بشكل جلي في الحملات الدعوية المتعددة والمتنوعة التي تم تنظيمها سواء على المستوى الوطني أو على مستوى الجهات والمناطق. ومن ذلك مثلا حملة الإحسان في العمل، وحملة مقاومة المخدرات والتحذير من عواقبها، وحملة محاربة الغش الدراسي، وحملة المسؤولية وغيرها، بالإضافة إلى حملة الأسرة التي راكمت فيها بعض جهات الحركة خبرة مقدرة وبذلت فيها جهدا نوعيا. ومما ميز عمل الحركة في تناول هذه القضايا البحث الدائم عن الشركاء في التنزيل، بحيث يكون الهدف هو نجاح الحملة وتحقيق مقاصدها وأهدافها المحددة، وأن تصل الفكرة لأكبر عدد من المستفيدين وصداها لأوسع مدى. ومن ذلك أيضا السعي إلى جعل ما يسهم في نجاح الفكرة بين أيدي الجميع دون حرص على حضور الحركة أو اسمها وشعاراتها ورموزها سواء في الوسائط أو الأعمال، ومن هاهنا يأتي، على سبيل المثال لا الحصر، نشر وتعميم دليل العمل بالمؤسسات التعليمية ودليل الدعوة في المناسبات الاجتماعية وتعميم مختلف الوسائط المعتمدة في الحملات المختلفة.

وفي هذا السياق، وباعتماد المنهج نفسه، تطلق حركة التوحيد والإصلاح اليوم ومن خلال هذه الندوة الافتتاحية حملتها الوطنية المتعلقة بترشيد الاستهلاك تحت عنوان "ترشيد الاستهلاك من ترشيد التدين"، انطلاقا من قول الله تعالى: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " سورة الفرقان الآية 67.

فالوسطية خاصية هذه الأمة، وسبب تفضيلها، وشهادتها على الناس قال الله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" البقرة 143. فالآية دالة على خيرية هذه الأمة، والثناء عليها، لاتصافها بهذه الخاصية التي تقيها التفريط والإفراط، وتجعلها متصفة بالتوازن الذي يحقق الانسجام والتكامل والتعاون والاستقرار والاستمرار.

والناظر للواقع المعاصر يجده يعج بالعديد من مظاهر البعد عن نهج الوسطية والاعتدال في الفكر والسلوك والعلاقات قد يكون لبعضها آثار على الفرد والمجتمع لعل من أبرزها: الخروج عن حد التوازن والاعتدال في الاستهلاك بمختلف أنواعه.

ترشيد الاستهلاك، لماذا ؟

يأتي اختيار قضية ترشيد الاستهلاك في سياق الإسهام في  الحد من النزعة الاستهلاكية الجامحة التي أصبحت عبئا ثقيلا باهظ التكاليف، على الأفراد والأسر والمجتمع والدولة؛ حيث تزيد الفقراءَ فقرا ورهقا، وتزيد المرضى مرضا وألما، وتزيد الأغنياء تبذيرا وسرفا. بل تمتد آثارها السلبية إلى الأخلاق الكريمة والتفكير السوي. وقد أصبحت الحملات الإشهارية المدروسة والممنهجة تؤجج نزعات الإفراط والإدمان وتدفع إلى مزيد من السعي واللهاث وراء كل مشتهى، حقيقيا كان أو وهميا مصطنعا.

ونسعى من خلال هذه الحملة إلى ما يلي:

  • الإسهام في تشخيص أسباب وعوامل تضخم ثقافة الاستهلاك، وتسليط الضوء على هذه الظاهرة التي أضحت ثقافة مجتمعية تطال جميع الفئات على اختلاف وضعياتهم الاجتماعية.
  • البحث في سبل الحد من هذه الظاهرة بالوقوف على أسبابها وعواملها، والتشجيع على ثقافة الاقتصاد والتوسط في الإنفاق الأسري والفردي والمؤسساتي.
  • الانخراط، من خلال وظائفنا الأساسية كفاعل مدني إصلاحي في المجتمع، في معالجة ظواهر اجتماعية لها أثار وانعكاسات على سلوك الإنسان التعبدي، وعلى علاقاته مع ربه ونفسه ومحيطه.
  • الإسهام في نشر ثقافة التوسط والاعتدال في الإنفاق وترشيد استهلاك الأفراد والأسر، والحد من ظاهرة التبذير والإسراف في المجتمع.
  • التعاون مع مختلف الفاعلين الدعويين والمدنيين والإعلاميين من أجل بلورة إستراتيجية لترشيد الاستهلاك، والتوسط والاعتدال في الإنفاق.

إن دورنا هو الإسهام في توعية الفرد ليرشد سلوكه وليحمي نفسه من نفسه بنفسه، ويبقى على عاتقنا، وبدرجة أساسية على مؤسسات الدولة وباقي هيئات المجتمع المدني المعنية والمتخصصة، أن تسهم في حماية المستهلك من غيره.

فما معنى الاستهلاك والترشيد؟

الاستهلاك لغة من الهلاك، أي تعريض النفس للتهلكة، وإنفاق المال ونفاده، وفي الاصطلاح: هو الاستخدام المباشر للموارد والسلع والخدمات التي تشبع رغبات الإنسان وحاجاته.

والترشيد: من الرشد وهو الاهتداء والاستقامة والصواب، قال تعالى" قَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ" غافر الآية 38. وهو الاستخدام الأمثل للموارد وللمال وسدّ الحاجات والتوازن والاعتدال في الإنفاق.

لقد وقعت معظم شعوب العالم في شِباك ثقافة الاستهلاك تحت تأثير وسائل الدّعاية والإغراء؛ وتحوَّلَ كوكب الأرض إلى سوق للسلع من جهة ومطارح للنفايات من جهة أخرى.. حتّى قال المفكر عبد الوهاب المسيري (رحمه الله): "سنحتاج إلى خمس كرات أرضية مصدرا للمواد الطبيعية، ونحتاج لاثنتين لإلقاء النفايات.. نحن مقبلون على كارثة بيئية ذات أبعاد كونية".

وقلّ في النّاس اليوم من يقدّر نعم الله تعالى عليه حقّ قدرها، فيحافظ عليها، ويتصرف فيها بعدل واقتصاد؛ في حين عمّت الغفلة والتّبذير والسعي وراء الشّهوات حتّى تحوّل النّاس إلى سجناء لإشباع رغبات أنفسهم؛ ظنّا منهم أنهم بكثرة الاستهلاك سيُحَصّلون السعادة لكنّهم لا يجدون إلا الفراغ والسراب..

ونحن في حملتنا هذه نسعى إلى الإسهام في التحسيس بأهمية ترشيد الاستهلاك وتقويم سلوك الإنسان تجاه رغباته وأهوائه، معلنين إلى جانب كل مهتم بهذه القضية أن "كفى من التبذير".

فإن الله تعالى يقول " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" الأعراف الآية 31.

ويقول عز وجل " وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً" الإسراء الآية 26/27.

إن التبذير آفة خطيرة ..  فبحسب بعض المعطيات فإن:

-         45,1  من الأسر المغربية ترمي بين 60 درهم إلى 600 درهم في الشهر من قيمة الطعام في القمامة.

-         و 42  من المواد الغذائية التي تدخل إلى بيوتنا تنتهي في النفايات.

-         وترتفع هذه النسبة في شهر رمضان لتصل إلى  84،8  .. خاصة من الخبز ومشتقاته.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». صحيح البخاري.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: (إني لأبغض أهل بيتٍ ينفقون رزق أيام في يوم واحد).

وإن كثرة الاستهلاك، دون رشد وترشيد، تؤدي إلى:

  • عدم القدرة على التحكم في الرغبات والغرق في الديون والمشاكل المادية.
  • ضعف قيم التضامن والتكافل داخل المجتمع، ونسيان حق الفقير والمسكين، والله تعالى يقول " وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً " الإسراء الآية 26..
  • تبذير المال الذي هو مال الله والإنسان مستخلف فيه، قال تعالى " وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ" النور الآية 33.
  • ضياع الأموال العامة التي تقضى بها مصالح المواطنين وتمكن مؤسسات الدولة من الاستمرار  في أدائها لوظائفها المنوطة بها لتحقيق الأمن والاستقرار.
  • تبذير وتبديد الموارد الطبيعية التي يحتاجها الناس اليوم وستحتاجها الأجيال اللاحقة، وإفساد الأرض والكون بكثرة النفايات السامة وإلحاق الضرر بالبيئة، والله تعالى يقول "وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا" الأعراف 56.

فما السبيل إلى الاعتدال والتوازن ؟

إن مفهومالاعتدالوالترشيدفيالاستهلاكمفهوممتوازن، و هواستخدامالمقدارالمناسبدونإسرافأوتقتير.

وقدبينالإمامالغزاليذلكبقوله : "والمقدارالذييكسبه ينبغيأنلايستكثرمنهولايستقل،بلالقدرالواجب،ومعياره الحاجة: والحاجةملبسومسكنومطعم."

ويمكنتحقيقذلكمنخلالاعتمادسلمللأولويات وفقالمنهجالآتي:

أولا: يبدأالإنسانبسدحاجاتنفسهأولاً،ثمأهله،ثمأقربائه، ثمالمحتاجين من حوله. قال رسولاللهصلىاللهعليهوسلم "ابدأبنفسكفتصدقعليها،فإنفضل شيءفلأهلك،فإنفضلعنأهلكشيءفلذيقرابتك،فإن فضلعنذيقرابتكشيء،فهكذاوهكذا، يقول فبينيديك، وعنيمينك،وعنشمالك." وفي هذا جواب على من يقول أنه بترشيد الاستهلاك يحصل ضرر بالدورة الاقتصادية التي من عناصرها الاستهلاك، والترشيد سيحد منه. إن دعوتنا للترشيد يرافقها دعوة للإنفاق على المحتاجين الذين لا يجدون ما يسدون به حاجاتهم وإن وجدوا مالا فحتما سيستهلكون ما يلبي ضرورياتهم.

ثانيا: يسعى الإنسانإلى تحقيق ما فيه مصلحته في هذا المجال وذلك بتلبيةالضرورياتأولاً،ثم الحاجيات،ثم التحسينيات،وهذهعلى العموم هيرتبالمصالحعندعلماء الأصول.

فالضروريات: هي ما لا بد منها في قيام مصالحه وبفواتها يحصل الضرر الذيلايطاقعادةكالموت والمرضالشديد، ويدخل ضمنها المآكلوالمشاربوالمساكنوالمراكب.

والحاجيات: هي مايرفعالحرجويدفعالمشقة، وأنها إذا لم تراع دخل على الإنسان من العنت ما يشوش عليه عبادته ويعكر صفو حياته، دون أن يصل ذلك إلى درجة اختلال نظام الحياة وتعطيل المنافع الحاصلة من الضروريات.

والتحسينيات:  (أو الكماليات) هيمايتجاوزالحاجياتإلىمامنشأنه رغدالعيش،دونأنيدخلفينطاقالسرفأوالترفأوالتبذير.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ : الْجَارُ الصَّالِحُ ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ).

ثالثا: يجب أن يحدد كل إنسانمستوىاستهلاكهوإنفاقهعلى نفسهوأسرته والمحتاجينمن حوله بحسب قدرتهالماليةوموارده،فلايكلفاللهنفسًاإلا وسعها، وليتجنب الخضوع لضغط وتأثير أقوال الناس وتقاليد المجتمع غير السليمة في هذا المجال .

رابعا: تمثل قيم ديننا الذي يدعونا إلى التوسط والعدل في كل شيء، ويدعو في هذا المجال إلىالحدالأمثلفيالاستهلاك،فيمنعكلاً منالتقتير،وأيضا يمنع الإسرافوالتبذير.

قالصلىاللهعليهوسلم : "كلواواشربواوالبسواوتصدقوافيغيرإسراف ولامَخِيلة".

فالإسراف: هوالإنفاقفيحرامولوقل،أوالإنفاقفيمباح،إذازاد علىالحد .

والتبذير: أشدمنالإسراف،فهوالمغالاةفيتجاوزالحد،والتوسعفي الإنفاقعلىالمحرماتوالمعاصي.

قالابنعباسرضياللهعنهما : " كلماشئت،واشربما شئت،ماأخطأتكاثنتانسَرَفومَخِيلة".

فكفى من التبذير، ولنتحلى بالتوازن والاعتدال في الاستهلاك:

  • باستحضار النية الحسنة في الاستهلاك، وتقدير نعم الله علينا وشكره بحسن التصرف فيها.
  • وتصحيح نظرتنا للمال، فالمال مال الله ونحن مستخلفون فيه، قال تعالى "وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهالحديد الآية 7.
  • والرضا بما قسم الله، وتجنب الرياء والتباهي والتكبر على الخلق في الاستهلاك، وكبح شهوة النفس في اتباع هواها ورغباتها.
  • وإخضاع ميزانية الأسر لحسن التدبير والتخطيط وتجنب الفوضى في الإنفاق.
  • واعتماد مبادئ حسن التدبير للموارد الطبيعية التي هي ملك للجميع واتخاذ الوسائل الكفيلة بترشيد الإنفاق في مختلف المؤسسات التي تعتمد في تسييرها ومشاريعها على الأموال العامة.

وفي الأخير ، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباد الرحمان الراشدين المسهمين في ترشيد الاستهلاك على مستوى أنفسهم وغيرهم، والمتمثلين لقوله سبحانه وتعالى: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ".

عبد الرحيم شيخي.

Media