الإثنين, 05 تشرين2/نوفمبر 2018 15:32

الحوار الاجتمـاعي والحاجة إلى مقاربة سياسية وتضامنية

من حق المنظمات النقابية أن تأخذ مواقف وتعبر عن رأيها تجاه العرض الحكومي المقدم في إطار جلسات الحوار الاجتماعي بينها وبين الحكومة المغربية. كما أنه من حق الحكومة المغربية، أيا كانت هذه الحكومة، أن تقترح في عرضها ما تتحمله ماليتها العمومية، ويضمن لها التوازن لسياساتها المالية والاقتصادية، ويحقق العدالة بين الفئات الشغيلة وأرباب العمل، وعلاقة  ذلك بالعرض والطلب الكلي في الاقتصاد الوطني.

والناظر إلى مختلف جولات الحوار الاجتماعي، وعلى الرغم مما عرفته هذه الجولات من مد وجزر، وحركية وسكون، وحوار وتوقف، وانسحاب واحتجاج.. سيدرك مدى تقدير مدنية  الفعل النقابي، ومركزيته في السلوك النضالي المجتمعي، فضلا عن مدى عمق فكرة  المصلحة  في  الدفاع عن الدولة ومصلحتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.  والجمع في هذه الحالات أولى من الترجيح، لأن كل طرف يدافع عن موقفه من موقعه الذي يشغله، ولا تناقض في ذلك، ولا حرج... بل هو تقدير سياسي في لحظة سياسية؛ فالنقابي اليوم سيكون غدا وزيرا، والوزير اليوم سيكون نقابيا أو معارضا غدا.

وأيا كانت نتائج الحوار الاجتماعي، فإن المستفيد سيكون هو المجتمع والدولة معا، في دورة اقتصادية واجتماعية تدور فيها مصالح المجتمع والدولة، تتشابك حينا وتتساوى حينا آخر، فكل طرف يقوي الطرف الثاني، ويتغذى منه بطريقة تبادلية دائرية.

وفي إطار الإسهام بالاقتراح في تحسين شروط الحوار، وتأهيله ليكون في مصلحة المجتمع والدولة معا، هناك مقاربتان اثنتان:

الأولى: المقاربة السياسية للحوار الاجتماعي، وترتهن إلى الجرأة في تقديم حلول  واقعية ومقبولة للمنظمات النقابية من أجل نزع فتيل الاحتقان والتوتر في المجتمع بين الشغيلة وأرباب العمل في القطاع العام أو الخاص، حتى ولو أدى ذلك إلى الإضرار بتوازن مالية الدولة في أفق أن تتحمل قوانين المالية القادمة هذا العجز. وهذا يعني أن الحكومة، بقدر ما هي مأتمنة على التوازن الميزانياتي للدولة، فهي أيضا حكومة سياسية، تواجه الضغط الاجتماعي، وتستشرف آفاقه ومآله، وتتحمل مسؤولياتها في ذلك من خلال إجراءاتها وتدخلاتها، في إطار من التكاملية بين الرؤية الاستباقية المشبعة بالتقدير السياسي لمختلف مكونات الحكومة، والأدوات التدخلية ذات الطبيعة الإجرائية والتقنية.

الثانية: المقاربة التضامنية المؤسساتية، وتقوم على أساس أن سقف الاستجابة لمطالب النقابات في هذا الحوار الاجتماعي محدد بسقف قانون مالية الدولة لسنة 2019، والمعروض حاليا على أنظار البرلمان، الذي يضم في عضويته المستشارين البرلمانيين ممثلي المنظمات النقابية.  وإذا كان الجميع؛ أغلبية ومعارضة، ونقابات يقدرون  حساسية اللحظة التي يمر منها المغرب، والإكراهات المادية التي تضيق مجالات الاقتراح والمبادرة، فإن منطق التضامن المؤسساتي يتعين استثماره في مواجهة مثل هذه الحالات، وذلك من خلال مناقشة الميزانيات الفرعية لمختلف القطاعات الوزارية؛ من حيث البحث عن توفير ما أمكن من الاعتمادات  لتحويلها إلى القطاعات الأكثر تضررا والأكثر حاجة،  وهذا يقتضي مزيدا من الشجاعة الانسانية، والحس الوطني التضامني الكبير الذي ما فتئ المسؤولون المغاربة يعبرون عنه...

وإذا كانت العادة قد جرت على أن كل قطاع يدافع عن ميزانيته بمنطق تحصين المكتسبات والمطالبة بالزيادة في الاعتمادات  كل عام؛ فالضرورة الوطنية والمصلحة العامة تقتضي من الحكومة، ومن مختلف مكوناتها السياسية، القدرة على التعامل مع سلة الاحتياجات المجتمعية جميعها بمنطق "انصر أخاك"، لترتيبها بحسب درجة أولوياتها المستعجلة والملحة والضرورية،  لضمان الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة، وعدم إيقاعهم في خانة ذوي المسغبة والمتربة... وبذلك نستطيع أن نهذب من حدة الفقر الكاشح الكاسح الجارح، وحتى لا يصير هذا الفقر كفرا بالوطن، وكفرا بأمنه واستقراره، وبقانون ماليته، ومنظماته النقابية وأحزابه وجمعياته... 

حفظ الله أمن هذا البلد من كل سوء ومكروه. 

وكل حوار اجتماعي والمواطن والنقابات والحكومة بألف خير .

صالح أبو أنس