تقييد المُباح للدكتور الحسن الموس

صدر حديثا عن مركز نماء للدراسات والبحوث في إطار سلسلة الدراسات الشرعية، كتاب "تقييد المباح"، في طبعته الأولى 1435 هـ، لصاحبه الدكتور حسن الموس، خريج دار الحديث الحسنية والباحث في الدراسات الإسلامية.

وعرض الكتاب الذي طبع بدار عالم الكتب للطباعة والنشر، بفعاليات المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء برواق مركز نماء.

وفيما يلي ملخص الكتاب الذي هو الجزء الأول من أطروحة الدكتوراه للمؤلف.

 ملخص البحث

أولا: دواعي البحث ومقاصده.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، إن الدارس لتراث علماء الفقه والأصول يجد مادة خصبة غنية مازالت بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتمحيص.وإن موضوع المباح الذي يقع ضمن الأحكام التكليفية الخمسة المعروفة، تطور بحثه خلال القرون، لكن يلاحظ أن بعض جوانبه لا تزال في حاجة ماسة وملحة إلى تبيين وتجلية لما لها من تأثير مباشر على واقع الناس. ولعل ضوابط التعامل المباح والقيود التي يمكن أن تلحقه من تلك المسائل التي تحتاج إلى مزيد من التقعيد والبحث. ويؤكد تلك الحاجة طغيان العقلية الاستهلاكية على جل أفراد الأمة؛ لدرجة أن التوسع في كثير من المباحات والكماليات صرف همّة الناس عن البناء والتنمية لقدراتهم، وأدى إلى تعطيل كثير من المصالح العامة وتضييع بعض الحقوق والواجبات.

فلئن كانت الأمة في بداية القرن الماضي بحاجة إلى من يوسع لها دائرة المباح ويزيل عنها القيود والأغلال التي لحقت بالتدين عبر القرون – وهذا ما تم بحمد الله – فإنها اليوم بحاجة لمن يردها إلى القصد والاعتدال ويحيي فيها فقه التعامل مع المباح، ومعرفة حدوده و ضوابطه، كمنع الإسراف الذي قال عنه الشاطبي:" والحاصل أن التفقه في المباح بالنسبة إلى الإسراف وعدمه والعمل على ذلك مطلوب وهو شرط من شروط تناول المباح"[1]. و لاشك أن ضوابط وقيود التصرف في المباح لا تقتصر على الإسراف فقط؛ بل تتعدّاه إلى جوانب أخرى في حياة الفرد والجماعة، حاولت هذه الأطروحة الوقوف عند بعضها.

على أن دائرة الإباحة المبينة في القرآن أو السنة،ودائرة العفو مما هو مسكوت عنه من أفعال المكلفين تغطيان مجالا واسعا في حياة المكلف، وهذا البحث محاولة في تقليب النظر حول مقصد المباح ضمن الأحكام التكليفية، وما يعتريه من أمور تجعله ينصرف عن مطلق الإباحة فيقيد بقيود قد تجعله واجبا أو حراما، مندوبا أو مكروها.وإذا كان بعض العلماء – قديما وحديثا- اعتنوا بالمباح وضوابطه فإن ذلك ظل محصورا، ولم يستوعب كل فئات المجتمع وطبقاته. فأضحت الحاجة مُلحة، أكثر مما مضى، إلى دراسات حول المباح ضمن إطار معرفي فقهي أصولي، منضبط بكليات الشريعة ومقاصدها في الخلق، يروم نشر الوعي بفقه المباح، وتجلية حدوده وضوابطه، ووضع التشريعات التي تحول دون جعله وسيلة للإضرار بالآخرين.

واجتهد بعض المعاصرين في مقاربة الموضوع من زوايا مختلفة، ولعل أقدم رسالة مُتخصّصة في الموضوع هو بحث محمد سلام مدكور "نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء". تناول فيها المؤلف مفهوم الإباحة عند الأصوليين والفقهاء مقارنة مع الدراسات القانونية، كما وقف فيها على أساليب الإباحة وتقسيماتها وتغيّر حكم المباح بسبب العوارض.وقام البشير المكي عبد اللاوي بدراسة حول دور الحاكم في تقييد المباح بعنوان: " سلطة ولي الأمر في تقييد المباح"[2]  وهي لبنة إضافية في التقعيد لنظرية تقييد المباح؛ حاول فيها المؤلف التأصيل للنظرية من خلال نصوص الكتاب والسنة وتصرفات الخلفاء الراشدين.

  ثانيا: محاور البحث ومضامينه.

أبرزت في المقدمة أهداف البحث، ومقاصده، وعرضت أهم الكتابات السابقة عليه، وكذلك منهجيته وصعوباته.

أما الباب الأول فقد خصّصته لتحديد مفهوم تقييد المباح، والتأصيل لمشروعيته من خلال الكتاب والسنة وأقوال علماء الأصول. فجاء مشتملا على فصلين اثنين.

وتضمّن الفصل الأول المعنى اللغوي والاصطلاحي لتقييد المباح، كما تمّ فيه تتبُّع التطور التاريخي لإعمال قاعدة تقييد المباح في الكتابات الأصولية، بدءا من الرسالة للشافعي، ومرورا بكتابات الجويني والغزالي والشاطبي، وانتهاء بالأصوليين المعاصرين. واتضح من خلال ذلك أن جُل الأصوليين أعملوا مبدأ تقييد المباح لكن بصيغ وأساليب مختلفة.

أما الفصل الثاني فقد  خصصته لتناول القواعد العامة المُفيدة لتقييد المباح. فدرست قواعد المآل والذرائع ، وبيّنت أن إعمالها يؤدّي إلى منع تناول المباح عندما يكون ذريعة إلى الحرام، كما أنه يُفيد الإلزام به عندما يكون ذريعة إلى تحصيل الضروريات أو الحاجيات. كما تطرّقت لقواعد الضرر ودورها في تقييد المباح، من خلال نماذج متعددة من الكتاب والسنة وبعض مدونات ونوازل الفقه المالكي.

وإذا كان تغيّر الأحكام التكليفية يقوم على مراعاة مقاصد الشرع في التشريع، فإن انتقال المباح إلى غيره من الأحكام، أو تقييده ببعض الضوابط والقيود يجب أن يستند أيضا إلى قواعد المصلحة، وهكذا قام البحث بتحديد علاقة المصالح بالحكم التكليفي عامة، وبالمباح خاصة.

 وأبرز هذا الفصل أيضا مشروعية تحكيم العرف في تقييد ما يباح من التصرفات الفردية والجماعية. فاختلاف العوائد يُؤدّي إلى تغيير الحكم الشرعي، وخروجه عن الإباحة إلى غيرها من الأحكام. وظهر من خلال ذلك حاجة المكلف إلى التبصر بعوائد وأعراف زمانه، حتى يتسنّى له الإحسان في إتيان المباح، بحيث لا يوقع نفسه في الحرج أو الخروج عن مألوف بيئته وعرف زمانه. أما قواعد الاحتياط، فقد اعتبرها بعض الأصوليين مظهرا لحفظ مصالح الأحكام من الفوات، وجعلوا قواعد المآل والذرائع فرعا عنها[3]. وظهر من خلال البحث أنها تُسعف في تقييد المباح، وثم الاستدلال على ذلك من خلال نماذج وأمثلة متعددة.

وخصص الكاتب الباب الثاني لبيان أثر تقييد المباح في حياة الأمة الاجتماعية،  وتنزيل ذلك من قبل الدولة. فثمرة هذا الباب وغايته هي تحديد الجهات التي لها صلاحية تقييد المباح، وتحديد مجالات تنزيلها وضوابطها. وقد اقتضت منهجية الكتابة تخصيص قاعدة " صلاحية ولي الأمر في تقييد المباح" ببحث مستقل، وتميزها عن بقية الأصول والقواعد المُفيدة لتقييد المباح نظرا لمركزيتها وأثرها الإلزامي. وهكذا أبرزت في هذا الباب الأسس المفيدة لمشروعية تقييد المباح من طرف الدولة، وبعض جوانبه التطبيقية، استنادا إلى القاعدة السالفة الذكر.  

 وفي الفصل الأول من هذا الباب تناول المؤلف التأصيل الشرعي لقيام الدولة بتقييد المباح على الرعية. وتمّ الاعتماد في ذلك على أمهات كتب السياسة الشرعية التي أصّلت لمشروعية قيام ولي الأمر بتقييد المباح، وكذلك على الدراسات المعاصرة حول دور الدولة في تقييد المباح.  وظهر من خلال ذلك أن قاعدة:" للإمام تقييد المباح منعا وإلزاما" من الفروع الهامة لقاعدة " تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة". وأن تنزيلها يحتاج إلى وجود مؤسسات متخصّصة تتوفر على المؤهلات اللازمة لحسن تنزيل تقييد المباح. كما تطرّق الفصل للضوابط اللازمة والتي ينبغي اعتبارها من طرف الدولة ومؤسساتها قبل تقييد المباح على الرعية.

أما الفصل الثاني فقد تتبّع القيود والضوابط المستقاة من الشريعة الإسلامية في موضوع العلاقة بين الزوجين، لأن ذلك لبنة أساسية في حفظ الأسرة، قد تُغني عند حسن الالتزام بها عن تدخل القضاء لمعالجة الشقاق أو الخلاف.

واشتملت الخاتمة على أهم نتائج البحث، والآفاق التي يستشرفها. وخلصت إلى أن إعمال القاعدة له آثار إيجابية على الفرد والمجتمع. ولذلك نعتقد أن نشر الوعي بها عند المكلفين يُسهم إلى حد بعيد في تحقيق مقاصد الشرع، واستقامة أحوال المجتمع.



[1]الموافقات، الشاطبي، المجلد الأول، ج1 ، ص 85

[2] البحث في أصله رسالة دكتوراه من المعهد العالي للإلهيات بتونس، وجدت الإشارة إليها عبر الانترنت ضمن الرسائل التي نوقشت بتونس؛ وقد طبعت أواخر سنة 2011.

[3]  نظرية الاحتياط، محمد عمر سماعي، ص 326 .