الأربعاء, 03 تشرين1/أكتوير 2018 10:24

الموس يكتب: رسائل تربوية في زمن الفتن

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد:

جعل الله تعالى الدنيا دار ابتلاء وتمحيص للخلق حيث قال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [الملك: 1، 2]. وأخبر الله تعالى أن الناس لن يتركوا على ادعائهم الإيمان دون تمحيص واختبار فقال سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } [العنكبوت: 2، 3]. وإن الفتن بالشدائد قد تكون هي الأهون والأسهل مقارنة مع الفتن التي ترتبط بالرخاء واليسر. وقد أخبر النبي عليه السلام بذلك حين قال، فيما رواه البخاري عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه  : " وَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ...."

وقد أحببت أن أسطر بعض الرسائل التربوية إزاء بعض الفتن التي تظهر بين الفينة والأخرى، وخاصة ما يتعلق بوقوع بعض الزعامات وأهل القدوة فيما يعتبر خلاف الأولى في أدنى درجاته، أو قد يصل إلى المحرمات أو الكبائر.

الرسالة الأولى: اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال

إن أول رسالة وجب التذكير بها هي أن المسلم مطالب بأن يعرف دينه، وأن يبذل ما في وسعه ليصل إلى مرحلة الاطمئنان القلبي، الذي لا يتأثر بالشبهات التي يلقيها الغير، ولا بأحوال الناس المتقلبة. لقد عرف الصحابة رضي الله عنهم الدين الحق، وحاول المشركون زعزعتهم عنه بالأذى والفتن، فلم يخلصوا إلى شيء، ثم التجأوا إلى أسلوب التشكيك القائم على إظهار الإسلام ثم النكوص والردة عنه. وقد سجل القرآن الكريم موقفهم هذا في قوله تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]. كما حاول قادة الدول المعادية للمسلمين في عهد النبي عليه السلام إيقاع بعض المؤمنين في شباكهم عن طريق الإغراء بالدنيا وما فيها من ملذات فلم يزد ذلك الصحابة إلا ثباتا واطمئنانا. ويشهد لذلك قصة  الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه الذي تخلف عن غزوة تبوك، وقاطعه المسلمون بأمر من النبي عليه السلام، فظل ثابتا محافظا على صلاته مع الجماعة، وطالت المقاطعة وطمع فيه الأعداء، فأرسل إليه ملك الروم يدعوه ليكرمه وينصفه كما في مسند أحمد: " َأَتَانِي بِصَحِيفَةٍ مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهَا أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَأَقْصَاكَ وَلَسْتَ بِدَارِ مَضْيَعَةٍ وَلَا هَوَانٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِيكَ فَقُلْتُ هَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ وَالشَّرِّ فَسَجَرْتُ لَهَا التَّنُّورَ وَأَحْرَقْتُهَا فِيهِ...".

إن سورة العنكبوت التي تضمن مطلعها أن الناس معرضون للفتن والبلاء، أكدت في خاتمتها على أن المؤمن على خلاف غيره لا يبني قناعته على خيوط العنكبوت، بل إن إيمانه راسخ لا يتزعزع ولا ينهار بسهولة حيث قال تعالى : {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]. وإن المؤمن لا يعبد الله على حرف، ولا يزعزع إيمانه تقصير الغير أو وقوعهم في المحرمات. قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الحج: 11].

 وأصل القرآن الكريم للمسؤولية والتبعة الفردية حين أمر الله تعالى نبيه بأن يعلن للناس أجمعين أنه : {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50]. وقال له أيضا: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 25، 26]. فالتبعة فردية يوم القيامة، وعلى المؤمن أن يتحمل مسؤوليته كاملة، وأن يعلم أن الخلق لن يغنوا عنه من الله شيئا.

الرسالة الثانية: رفقا بالشباب والشابات يا معشر الزعامات

مع التأكيد على ضرورة التمسك بالعروة الوثقى، وألا يربط المؤمن إيمانه بصلاح الناس أو انحرافهم، فإن مبدأ التأسي مبدأ تربوي أصيل، من خلاله تُنقل القيم والأخلاق بانسياب وسهولة إلى الغير. وقد أعطى النبي عليه السلام القدوة من نفسه في حسن الإمامة والابتعاد عن الشبهات أو ما قد يساء فهمه. روى البخاري عن علي بن الحسين - رضي الله عنهما - أنَّ صَفِيَّةَ زَوجَ النبي - صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها - قالت : كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - معتكفًا ، فأتيتُه أزُورُه لَيلاً، فحدَّثتُهُ ثم قُمْتُ لأنْقَلِبَ ، فقام معي ليقْلِبَني ، وكان مَسكنُها في دارِ أسامَةَ بن زيدٍ ، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلمَّا رأيا النبي - صلى الله عليه وسلم - أسرعا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم – "على رِسْلِكُما، إنَّها صفيةُ بنتُ حُيَيّ " فقالا : سُبْحان الله ، فقال : " إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرَى الدمِ، وإني خشيتُ أن يَقْذِفَ في قلوبكما شرًا "، إنه حين يكون الإنسان شخصية عامة، يأخذ عنه الناس الأقوال والأفعال، فإنه يجتهد في حسن الالتزام والتمسك بدينه، ولا يكفيه أن يطمئن إلى سلامة قصده وصحّة فعله، بل لابد أن يسُد ذريعة سوء الفهم عند غيره من الناس، وأن يحتاط لسوء ظن العامة به .

وسار على هذا المنهج الفاروق عمر رضي الله عنه الذي كان يتفقد أهل القدوة من وزرائه ومستشاريه ويحرص على أن يكونوا في مستوى مقامهم وإمامتهم، روى مالك أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه رَأَى عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ:« مَا هَذَا الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ يَا طَلْحَة؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا هُوَ مَدَرٌ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يَقْتَدِي بِكُمْ النَّاسُ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاهِلًا رَأَى هَذَا الثَّوْبَ لَقَالَ إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُصَبَّغَةَ فِي الْإِحْرَامِ فَلَا تَلْبَسُوا أَيُّهَا الرَّهْطُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ» . وامتثل طلحة لرأي عمر ولم يراجعه ولذلك رأى الباجي أن التصرّف العمري:" أَصْلٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ الْمُقْتَدَى بِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْ بَعْضِ الْمُبَاحِ الْمُشَابِهِ لِلْمَحْظُورِ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ" .  ولم يكتف عمر رضي الله عنه بالقول؛ بل أنه باشر منع كبار الصحابة من بعض التصرفات المباحة خشية ما يترتب عليها من مفاسد على الأمة. ومن ذلك أنه نهى الصحابة الجليل سعد بن أبي وقاص من الزواج بكتابية، خشية أن يفتن المسلمون بالكتابيات، وتضيع العفيفات من المسلمات.

وأصّل الغزالي ثم الشاطبي لهذا المبدأ حين أكدوا على ضرورة أن يتحلى أهل السبق والقدوة بالابتعاد عن الشبهات، فضلا عن المحرمات والمكروهات، ونبّهوا على خطورة أن يكون الإنسان سببا في بقاء بدعة، أو ضلال ومنكر منتشرا في الناس بسبب أنه سن سنة سيئة. ومن ثم فمن واجب من تصدر الناس وأصبح إماما فيهم سواء إمامة دينية كالخطابة والوعظ، أو إمامة سياسية وإدارية أن يتقي الله في نفسه، وأن يرتقي في سلوكه وتصرفاته ليكون قدوة وإماما في الخير لا في الشر والمعصية. وقد فرض الإسلام على المُكلف مراعاة ما ينتج عن تصرفاته المباحة من ضرر يلحق به أو بغيره، فلا ينساق مع الإباحة الجزئية، ويغفل عما يكتنفها من مضار بالآخرين. وحين تتزاحم الحقوق وتتعارض، فإنه مطالب بالموازنة بينها، وتقديم حق الجماعة على حقه الشخصي عند الاقتضاء، وصبره واحتسابه الأجر عند الله تعالى. قال ابن العربي أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية، عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبد الرحمن حيث قال: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة. وكانت له زوجة سيئة العِشْرة وكانت تقصِّر في حقوقه وتؤذيه بلسانها؛ فيقال له في أمرها ويُعدْل بالصبر عليها، فكان يقول: أنا رجل قد أكمل الله عليَّ النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بُعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبةٌ هي أشدّ منها.  فمن كان موضوعا في مقام القدوة، أو منظورا إليه كذلك من قبل الناس حمل نفسه، على ما يناسبه من الأحكام الشرعية، وإن دخلت عليه بسبب ذلك مشقة.

الرسالة الثالثة: اعدلوا هو أقرب للتقوى:

إن الله تعالى أقام السماوات والأرض على العدل: قال سبحانه: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ () أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ () وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 - 9] . وأمرنا أن نعدل بين الناس وأن نقول الحق لو على أنفسنا، وأن نعي أنهم مهما أساءوا أو أخطئوا ففيهم جوانب من الخير. روى الترمذي عن أنس بن مالك  رضي الله عنه  أن النبي عليه السلام قال:" كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ". وبالتالي فالميزان يقتضي ألا تُهدر هفوةُ من أهل الفضل والسبق حسنات كثيرة أتوا بها. وقد تضمنت السيرة النبوية موقفا لحاطب بن أبي بلتعة، وكان من السابقين إلى الإسلام، وممن شهد بدرا، وحين علم بعزم النبي عليه السلام على فتح مكة، خاف على أسرته التي لم تهاجر وضعف، فلم يكن منه إلا أن حاول أن تكون له أياد بيضاء على كفار قريش فأرسل إليهم يعلمهم بعزم النبي عليه السلام على فتح مكة. إن هذا العمل في ميزان الدول يعتبر اليوم خيانة عظمى، لكن المربي الحكيم محمد بن عبد الله علم أن الرجل ضعفت نفسه، ولكل جواد كبوة فغفر له وعفا عنه. وهكذا فالكمال لله وحده، ومن واجب المسلم ألا يكون عونا للناس على المعصية، وأن يستر أخاه مخافة أن يبتلى بما ابتلي به فيقع فيما هو شر منه.

إن دين الإسلام يعلم أهله أن يعدلوا وألا يتشفوا في الناس، وأن يسألوا الله تعالى حسن الخاتمة روى البخاري عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال:« حدَّثنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق : إن خَلْق أَحدِكم يُجْمَعُ في بطنِ أُمِّهِ أربعين يوما، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك ، ثم يكون مَضْغَة مثل ذلك ،ثم يَبّعَثُ الله إليه مَلَكا بأربع كلمات: بكَتّب رزقهِ وأجلهِ وعملهِ ، وشَقي أو سعيد ،ثم يَنّفُخُ فيه الروحَ ، فوالذي لا إله غيره ، إنَّ أحدَكم ليعمل بعمل أهل الجنة ،حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ،وإن أحدَكم لَيَعْمَل بعمل أهل النار حتى ما يكونُ بينَه وبينها إلا ذراع ، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".

الرسالة الرابعة: قل خيرا أو اصمت

تعلمنا السنة النبوية أن نكون إيجابيين، وأن ننشر الأمل والصلاح في الأمة. ومن ثم وجب على المسلم أن يمسك لسانه عن القول ما لم يترجح لديه المصلحة فيما ينطق به. روى البخاري عن أبي شريح العدوي - [ويقال له : الخزاعي والكعبي] - رضي الله عنه - قال : « سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وأبْصَرَتْ عَيْنَايَ، ووَعَاهُ قَلْبي، حين تكلَّم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقال : ...من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيَقُل خيرا أو لِيَصْمُتْ ». ويجب أيضا الحذر من الانسياق وراء التغريدات في وسائط التواصل الاجتماعي خاصة في وقت الفتن، وإن كانت له مساهمة فليسهم بكلمة طيبة لا تثبط العزام، ولا تضعف الهمم. روى مالك أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ" وهذا اللفظ يعني أن القائل تسبب في هلاكهم بما ينشره ويقوله، أما اللفظ الأخر "أهلكُهم" بالضم فهو يُفيد أنه أشدهم هلاكا لأنه لم يسع إلى الإصلاح وإلى تغيير ما رآه من منكرات.

لقد أمر القرآن الكريم المسلمين بأن يُمسكوا عن الخوض فيما لا علم لهم به فقال: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]. كما بين الحق سبحانه أن كثير من الجدل ومن التناجي بين الناس لا خير فيه ولا أجر من ورائه: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]. ولعلنا في زمان الإمساك فيه عن القول وحفظ اللسان هو السبيل إلى النجاة . فينبغي للمسلم أن يحتاط لدينه، وألا يجعل همه المجادلة بالحق وبالباطل لغيره، ومحاولة الانتصار لرأيه.

والحمد لله رب العالمين

د. الحسين الموس