Monday, 28 August 2017 19:43

الرمال في حوار: الإسلام لا يشق على المكلفين وهذه أبعاد الأضحى المبارك

نفى نائب رئيس حركة التوحيد والإصلاح أن يكون التشريع الإسلامي لأضحية العيد سببا في المشقة على المكلفين، مرجعا ذلك إلى بعض العادات الاجتماعية التي تخالف حكمة الإسلام من هذا التشريع.

وأكد خطيب الجمعة والدكتور المتخصص في الفقه الإسلامي في حوار مع موقع الإصلاح بمناسبة اقتراب عيد الاضحى المبارك ل1438هـ  أن التشريع الإسلامي ينحو في اتجاه التيسير والتخفيف، موضحا عددا من الحكم العقدية والتربوية التي قصدها الشرع من تشريع الأضحية.

وفي ما يلي نص الحوار:

هل فعلا تشريع أضحية العيد يشكل مشقة على أفراد المجتمع المغربي؟

في البداية دعني أتوقّف عند أمر له أهمّية بالغة؛ وهو حكم الأضحية.

الأضحية واجبة عند الحنفية. وهي سنّة مؤكّدة عند المالكية والشّافعية والحنابلة: قال البغدادي المالكي: "هي سنّة مؤكّدة يُخاطَب بها كلّ قادر عليها إلاّ الحاجّ بمنى"؛ فالأضحية مطلوبة شرعا على وجه التّأكيد بغير إلزام. يُثاب فاعلها، ويُلام تاركها إذا كان قادرا عليها. أمّا غير القادر عليها فلا شيء عليه على الإطلاق. لكنّها أصبحت من المناسبات ومن العادات الاجتماعية المحكّمة في الفقراء قبل الأغنياء. ناهيك عن أنّها أصبحت موسما من المواسم الاقتصادية والاجتماعية التي تعرف رواجا متميّزا يكاد لا يعرفه أي موسم من مواسم السّنة. ولذلك المغاربة يسمّون هذا العيد بالعيد الكبير لأنّه كبير في كلّ أبعاده. وقد يأتي بعض تفصيل هذا الكلام في أجوبة لاحقة.

وإذا اقتصرنا على البعد التّعبّدي فإنّ الأضحية من أحبّ القربات إلى الله تعالى لما ورد فيها من نصوص في السّنّة، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ؛ إِنَّهَا لَتَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا». قَالَ أَبُو عِيسَى وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قَالَ "فِي الأُضْحِيَةِ لِصَاحِبِهَا بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ".سنن التّرمذي؛ الأضاحي.

وجوابا على سؤالك: فإنّ ما يمكن أن يحصل لبعض المسلمين عامّة من المشقّة المادّية خاصّة فهو ليس بسبب التّشريع لأنّ التّشريع كما بيّنت سابقا يرفع التّكليف تماما عن المعسر. وبالنّسبة للمغاربة خاصّة فبالعكس لا تكاد تكون هناك مشقّة لأنّ هذا العيد أصبح من المناسبات التي يتجلّى فيها التّكافل الاجتماعي في أبهى حلله إذ يحرص فيها المحسنون والجمعيات على أن لا يبقى يتيم ولا أرملة ولا فقير دون خروف العيد، ولقد رأيت بأم عيني الأرملة تتوصّل بخروفين من جهتين مختلفتين ولم تفكّر في بيع أحدهما بل سارعت بدورها إلى البحث عن أرملة محتاجة وأعطتها إياه استشعارا منها بهذا التّكافل، ومثل هذه الصّور الوضّاءة للتّكافل ما أكثرها في هذه المناسبة بين المغاربة.

لماذا شرع الإسلام أضحية العيد؟ أو ما هي مقاصده من ذلك؟

السّؤال "لماذا" لا يناسب مجال التّشريع لأنّ الشارع سبحانه وتعالى منزّه في أحكامه ولا يُسأل عمّا شرعه لماذا شرعه. لكن العلماء يقفون عند بعض الحِكَم من التّشريع المستنبطة من الكتاب والسّنّة.  وفي الأضحية درس أساس في معنى "اليقين والثّبات على الإيمان وعاقبته" وهو من الدّروس التي يجدر التّذكير بها والوقوف عندها خصوصا من النّاشئة حتّى يبقى لهذه النّسيكة معنى ومغزى. فلمّا شاخ إبراهيم عليه السّلام اشتدّ شوقه إلى ولد يعينه على تكاليف النّبوة والدّعوة، حتّى أصبح دعاؤه: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ) فاستجاب الله له فقال عزّ وجلّ: (فبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ) فكان: هو إسماعيل؛ فاشتدّ حبّه له وتعلّق قلبه به. لكن سرعان ما جاء الاختبار العسير؛ قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) رأى في المنام أنّه يذبحه، والرّؤى من أساليب الوحي بالنّسبة للأنبياء. فماذا كان جواب النّبي الطّفل الصّغير ( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ) يذكّر والده بأنّها ليست مجرّد رؤيا وأنّها أمر من الله تعالى. (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). الصّافات 102. فلمّا ثبت النّبيان الشّيخ والطّفل جاءت المكافأة على قدر هذا الثّبات؛ فما أن أمضى إبراهيم المُدية التي كانت بيده ليذبح بها حتى عوضه الله تعالى ذبحا كبيرا كبشا أقرنا ذبحه مكان ولده. وقوله تعالى: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) وعد من الله تعالى لكلّ الصّابرين المحتسبين الثّابتين على اليقين في الله تعالى بأن يفرّج كربهم ويكرمهم من فضله. فكانت هذه الأضحية درسا للبشرية جمعاء في الجزاء على قدر اليقين والثّبات. وهذه واحدة من الحكم التي استنبطها العلماء من هذه الأضحية وبالتّأكيد هناك الكثير غيرها من الحكم.

هل المجتمع المغربي واعٍ بهذه الابعاد؟ وما الذي يلزم للتوعية بذلك؟

بالتّأكيد هناك نسبة من الوعي بالأبعاد التّربوية لهذه الأضحية لدى البعض من النّاس لكن الكثير أيضا تغيب عنهم هذه المعاني وهنا يتجلّى دور وسائل الإعلام عامّة والقنوات الإذاعية والتّلفزية خاصّة وكذا دور المقرّرات التّعليمية ودور الخطباء والوعّاظ وعموم المنابر التي من واجبها أن تعطي لهذا العيد ما يليق به من أهمّية حتّى تتحقّق منه الأبعاد المرجوّة وعلى رأسها البعد التّعبّدي.

حاوره أحمد الحارثي