الجمعة, 15 شباط/فبراير 2019 12:28

البناء القيمي في السيرة النبوية

إن رصد مظاهر الحرص النبوي على إرساء منظومة القيم الإسلامية، واعتبارها اللبنة الأساس لبناء الإنسانية يحملنا على الجزم بأن شرف الانتماء لهذا الدين لا يتم إلا من خلال صون هذه القيم وحراستها. خصوصا في ظل متغيرات عالمية تدفع إلى التشكيك في جدواها و فاعليتها، وتعتبر ربانية المنبع القيمي تقييدا لحركة المسلم المعاصر وعائقا أمام الانطلاق الفكري والنهوض المجتمعي !

لقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم في بيئة تمتزج فيها بقايا قيم الملة الحنيفية الإبراهيمية من مروءة ونبل وكرم ووفاء، مع ما تولد عن الوثنية من قيم شائهة ومنحرفة كوأد البنات خشية الفقر والعار، والحمية الجاهلية التي تُسعر نار الحرب ثأرا لناقة أو بعير.

فكان نهجه صلى الله عليه وسلم في اصطفاء القيم النبيلة والسمو بها نهجا غير مسبوق وكان له عظيم الأثر في نسج الشخصية الإسلامية التي ستُرسي في أقل من قرن من الزمان دعائم حضارة لم تشهد لها البشرية مثيلا !

فما هي سمات هذا النهج النبوي. وما هي ابرز شواهده من السيرة النبوية ؟

يقول الدكتور جابر قميحة ".. ثم جاء الإسلام – خاتما للأديان- وهذه الخاتمية تقتضي أن يكون أكمل الأديان وأوفاها بحاجات الإنسانية، وأبرعها في معالجة الأدواء التي حوتها قائمة القيم الجاهلية، واختلف موقف الإسلام من هذه القيم تبعا لنوعيتها ..

فكان الموقف النبوي من القيم السائدة مبنيا على ثلاث : التحريم، والإقرار، والإعلاء مع مراعاة التدرج في إحداث النقلة الأخلاقية المطلوبة، وتمكين النفوس من التشرب المطمئن لهذه القيم في صيغتها الإسلامية الجديدة !

ومن يتصفح كتب السيرة يشعر أنه أمام رحلة مضنية في سبيل تثبيت القيم الإيجابية وتخليص النفوس من درن القيم الجاهلية المنفرة من خلال الحرص على وصل البناء القيمي بالمنبع الرباني مصداقا لقوله تعالى " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" . وبما أن المقال قد لا يتضح إلا بالمثال فسنعرض في الأسطر الآتية شواهد لهذا النهج النبوي الفريد .

لقد بُعث المصطفى صلى الله عليه وسلم في بيئة تحفل بنماذج اللامساواة  بيئة يقوم نظامها الاجتماعي على مبدأ القوة و تعتمد في موارد عيشها على التجارة و السلب و الإغارة، فكان من الطبيعي أن تنشأ طبقة العبيد والأرقاء وتُسن أعراف وتقاليد تُنزل العبد منزلة الدابة لا بل أسوأ من الدابة نفسها !

كما كان التفاخر بالأحساب والأنساب باعثا على الانحياز للظالم مادام من ذوي القربى واعتبار الذوبان في ذات القبيلة شرفا وعزا حتى وإن كان ديدنها الجور والبطش وكل القوي للضعيف، يقول أحد شعرائهم في هذا الشأن – وهو دريد بن الصمة - :

فـلما عصوني كنت منهم وقـد    أرى غوايتهم وأنني غير مهتد

وهل أنا إلا من غُزية إن غوت  غويت و إن ترشد غزية أرشد

فتوالت الآيات والأحاديث الشريفة التي تُبطل التفرقة العنصرية والمحسوبية، وتُرسي قاعدة المساواة بين الناس و تؤسس لمعيار جديد في التفاضل هو معيار التقوى، كما حرص النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف عدة على التطبيق الحازم لهذا المبدأ السامي، فقد روى الامام مسلم بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا : ومن يجتريء عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة  فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فاختطب فقال : " يا أيها الناس إنما أهلك الذي قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " (2).

وبالمقابل نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم بارك القيم النبيلة التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي قبل بعثته وأثنى عليها، ومنها الأحلاف التي كانت تعقدها القبائل العربية لنصرة المظلوم و إجارة المستجير وإغاثة الملهوف، كحلف " المطيبين " و " حلف الفضول " الذي شهده رسول الله صلى الله عليه و سلم في دار عبد الله بن جدعان، وأثنى عليه بقوله " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الاسلام لأجبت"(3) .

ذلك أن هذه الوثيقة "الجاهلية" تطرقت إلى الدفاع عن حق أساسي من الحقوق الإنسانية، وكان لها قصب السبق على "الماجنا كارتا" وإعلان المواطن الفرنسي" بمئات السنين مما يُثبت مرة أخرى أن البيئة العربية قبل الإسلام وإن لم تبلغ شأن الحضارتين الفارسية و البيزنطية إلا أنها لم تخل كذلك من شواهد النُبل الإنساني الذي ما كان على الإسلام إلا وصله بالسماء لتنهض أرقى الحضارات على أكتاف رعاة الغنم !!

وهذا ما حدث بالنسبة لقيم أخرى كان الباعث لها هو النخوة العربية و العصبية القبلية فحرص النبي صلى الله عليه وسلم على السمو بها وتنقيتها من شوائب الغريزة وعوامل الأثرة، ويظهر ذلك جليا من خلال موقف الإسلام من الشعر والقيم التي يروج لها .

فمن المعروف أن الأمة العربية أمة شاعرة، وأن الشعر ديوانها ونُسغها وخزان بطولاتها وثاراتها، ولصائن لذاكرته. أما ميلاد شاعر مفلق في القبيلة فحدث عظيم تقام له الأفراح و تسير بذكره الركبان . بيد أن المضمون الفكري والقيمي الذي يحفل به هذه الشعر كان يتقلب بين الوضاءة والوضاعة، ففيه الغزل الفاحش المتهتك، والهجاء المقذع والمديح الموغل في الكذب، كما أن فيه الغزل العفيف، والتغني بأنبل الخصال الإنسانية من حلم و كرم و فداء، وصوغ الحكم والعظات التي كان لسماعها فعل السحر في النفوس .

فلما بُعث المصطفى صلى الله عليه و سلم و طرقت آيات القرآن الكريم مسامع قريش، أذهلهم البيان القرآني فحاولوا عبثا أن يُرجعوا الأمر إلى ملكة شعرية أو خبرة بالكهانة و السحر، لكن الحق سبحانه تولى الرد على مزاعمهم تخليصا لهم من حالة الذهول والارتباك في قوله تعالى"وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر و قرآن مبين" (4).

أما السمو بالقيم الفنية وفي مقدمتها الشعر فسيبينه الرسول صلى الله عليه و سلم حين نزل قوله تعالى "و الشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * و أنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات * و ذكروا الله كثيرا * و انتصروا من بعدما ظُلموا * و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" (5) ذلك أنه لما نزلت هذه الآيات جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وهم يبكون , فتلا النبي صلى الله عليه و سلم : إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات، وقال : أنتم . وذكروا الله قليلا .قال : أنتم . وانتصروا من بعد ما ظُلموا. قال : أنتم (6).

وبذلك كشف النبي صلى الله عليه وسلم عن دلالة الاستثناء في الآيات وما يرمز إليه من دعوة للانسجام بين المضمون الشعري وتعاليم القرآن .

وحين أخذ الشعراء دورهم في المعركة بين الحق والباطل، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث شعراء الصحابة على نُصرة الدين بألسنتهم كما ينصرونه بسيوفهم، خصوصا وأن ما يذيعه شعراء المشركين من هجاء للرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه كان بمثابة حملة إعلامية مغرضة تصد القبائل العربية عن الدخول في دين الله أفواجا . ومما رُوي في هذا المنحى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت رضي الله عنه : شُن الغطاريف على بني عبد مناف فو الله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غلس الظلام، ثم إن حسانا أخرج لسانه فضرب به أرنبة أنفه  وقال : و الله يا رسول الله  إنه ليخيل إلي أني لو وضعته على حجر لفلقه، أو على شعر لحلقه فقال النبي صلى الله عليه و سلم : أيد الله حسانا في هجوه بروح القدس " (7).

هي إذن مداخل ثلاث عالج من خلالها النبي صلى الله عليه وسلم منظومة القيم السائدة : مدخل التحريم، ومدخل الإقرار، ومدخل الإعلاء والتسامي .

وتلك خطوة أولى في البناء القيمي تلاها انصهار هذه القيم في بوتقة الإيمان لتكتسب صفة الخلود والثبات.

إن المتتبع لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في إحداث النقلة المطلوبة من قيم الجاهلية إلى قيم الإسلام الحقة يُدرك سماحة الإسلام في ثنائه وإقراره للفضائل التي سادت قبل البعثة " حلف الفضول "، كما يُدرك فطرية هذه القيم وأصالتها وكفايتها للمجتمع الإسلامي أمام دعاوى العلمنة الزائفة !

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

 

-----------

الهوامش :

1 -  د.جابر قميحة . المدخل إلى القيم الإسلامية .ص30 دار الكتاب المصري ط1 1984

2 - صحيح مسلم . رقم : 1688

3 - أخرجه البخاري في الأدب المفرد (567) والبيهقي في سننه الكبرى (6/367) من حديث طلحة بن عبد الله ين عوف وهو حديث صحيح و إسناده مرسل .

4 - سورة يس .الآية 69

5 -  سورة الشعراء . الآيات 223-226 .

6 - ابن كثير.تفسير القرآن العظيم .3/354 .دار المعرفة بيروت 1982

7 - ابن عبد ربه الأندلسي. العقد الفريد .5/277 مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة ط 3 1965 1- فقابل بعضها بالرفض وقضى عليه قضاء مبرما .

الأستاذ حميد بنخيبش

عبرت مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين عن اعتزازها وفخرها بالنجاح الكبير لوقفة الدار البيضاء الشعبية احتجاجا على الجريمة التطبيعية الكبرى باستضافة الصهيوني "ماسياس" بسينما "ميكاراما، مجددة تأكيدها على أن قضية فلسطين إذا كانت تعتبر قضية وطنية لدى الشعب المغربي منذ عقود، فإن التطبيع، وبنفس القدر، يعتبر قضية خيانة وطنية عظمى موجبة للتجريم القانوني والشعبي والأخلاقي والفكري .

وعبرت المجموعة في بيان لها صدر عقب الوقفة الاحتجاجية أمس الخميس 14 فبراير 2019 أمام سينما "ميكاراما"، عن رفضها لكل محاولات تبرير الصهينة عبر تمييع موقف المغاربة من كيان الإرهاب الصهيوني من خلال رعاية واحتضان وجوه دعائية من قبيل الإرهابي "إنريكو ماسياس"، وذلك عبر مخطط منهجي لقرصنة مفهوم "المكون العبري" في الدستور وفق عدد من الخطوات والدسائس والبرامج ليصبح هذا المفهوم عبارة عن حصان طروادة يمنح الشرعية والمواطنة لقرابة مليون صهيوني من أصل مغربي كمقدمة للتطبيع الكامل مع الكيان بل وربما التحالف معه باعتبار كتلة ما يسمى "الجالية المغربية في إسرائيل"...!!

fell

وأكدت أن وقفة يوم 14 فبراير حيث مكان الجريمة التطبيعية الخيانية الكبرى وبالمكونات المدنية والحقوقية والسياسية والشبابية والجمعوية ، وبكل الأشخاص والشخصيات الإعتبارية، قد عبرت باسم الشعب المغربي عن الصرخة بوجه الدولة وكل السلطات بدون استثناء في هذا البلد محملة إياها كامل المسؤولية على هذا الإجرام التطبيعي المتزايد ضدا على الإرادة الشعبية للمغاربة، حيث دقت ناقوس الخطر الصهيوني الذي استشرى في عدد من المؤسسات العمومية ذات حساسية كبرى وعدد من المهرجانات تحت غطاءات فنية وثقافية وفي قطاع الفلاحة مع شركة نيطافيم الصهيونية العسكرية، وفي بضائع التمور والبذور، وفي الصحة وزراعة الأسنان، وفي ندوة "الهولوكوست" الأخيرة بمراكش، وغيرها في مجالات أخرى.

ودعت أبناء الشعب المغربي أن يرفعوا من مستوى اليقظة والوعي والتعبئة الميدانية ضد كل مظاهر التسلل والاختراق الصهيوني مع العمل على تشكيل وتنسيق جبهة وطنية للمقاومة المدنية ضد التطبيع والصهيونية للتصدي للعدو الصهيوني وعملائه وحماية المغرب ونسيجه الوطني وسيادته المستهدفة في قراره في الداخل والخارج.

الإصلاح

تمهيد

 يتحدث المفكر المغربي سعد الدين العثماني بصورة متقطعة عن الدولة السلامية في كتبه ومقالاته، محاولاً أن يأتي بالجديد في مراجعة للتراث الفكري الإسلامي المتعلق بقضية السياسة والحكم والأحكام السلطانية، لكنه خصَّ بذلك كتاباً متوسط الحجم تحت عنوان "الدولة الإسلامية، المفهوم و الإمكان" من منشورات دار الكلمة 2016 الطبعة الأولى..

نحن هنا نعتمد هذا الكتاب، ما نبغي إليه هو كيف يفكر سعد الدين العثماني، وأي مرحلة وصل إليها الفكر الإسلامي، وما هو المدى الذي يمكن أن يذهب إليه العقل المسلم في محاولات التجديد في هذا المجال ..

قسمنا هذه الدراسة إلى مقدمة وقسمين وخاتمة، القسم الأول عبارة عن عرض مضمون الكتاب بأمانة، مع إضافة نقطتين، وهما ( فائدة التقسيم لمفهوم الأمة بين الدينية و السياسية)، و( إزالة اللبس عن مفهوم العثماني) عند تفريقه بين - التشريعين الديني و الدنيوي - حيث تعرض لانتقاد حول هذا المِفصَل، وفي القسم الثاني سجلنا ملاحظات نقدية فيما يخصُّ الحديث عن الدولة المدنية ...

القسم الأول

(1) موقع السياسة في الإسلام

وكعادته الذي هو محور ومركز تفكيره، يتحدث العثماني وينطلق بناء على قاعدة التفريق بين الديني والدنيوي، أو العبادي التبليغي والعادي، وأن القضية الفكرية الإسلامية كلها مبنية على هذا الأساس، ويصنف ما يختص بشؤون الدولة و السياسة في الجانب الثاني، أي الدنيوي – العاديات- حسب تعبير بعض العلماء، وهي مبنية على المصالح العامة للأمة، تحقيقها في ضوء الضوابط والمبادئ الشرعية المحُحَدِدة، أي أنها من المجالات المفوَّضة إلى الاجتهاد البشري ولم تأت فيها نصوص من الوحي الإلهي تنهي كل حديث بشري عقلاني فيها .

ثم يذهب إلى أن التصرفات النبوية السياسية التي أديرت خلالها شؤون الأمة في المدينة هي تصرفات دنيوية اجتهادية، وأنه – صلى الله عليه وسلم- تعامل مع الأحداث في زمنه تعاملاً مصلحياً ( بوصفه ولياً للأمر ومسؤولا سياسيا، يتخذ القرارت بالنظر إلى المصلحة المراد تحقيقها )، ما يسميه إبن القيم الجوزية ب ( سياسة جزئية بحسب المصلحة) في ذلك الوقت والمكان و الحال ..

فالسياسة في الإسلام وفق العثماني هي :-

1 - من العاديات

2 - مفوضة للاجتهاد البشري

3 - الأصل فيها الحكم والمقاصد

4 - تصرفات الرسول – صلى الله عليه وسلم - السياسية دنيوية و اجتهادية ، ما يعني أن اجتهادات الرسول في الإدارة وتدبير الشأن العام، هي قابلة للمراجعة حسب تغير المكان والحال، والشخص ايضاً، كما كان الصحابة يراجعونه في حياته ويغيرون من اجتهاداته السياسية بعد مماته  ..

(2) الأمة الدينية والأُمة السياسية

بناء على ما سبق يميز سعد الدين العثماني، بين أمتين، الدينية و السياسية، وهي من النقاط الأساسية التي يجب على الفكر الإسلامي القول الكثير فيها من اجل تجليتها وإزالة الكثير من النقص والميلان في التنظير لها ..

الأساس الشرعي الذي يستند إليه العثماني في هذا التقسيم هو دستور المدينة، حيث قسم الرسول – صلى الله عليه وسلم – أهل المدينة إلى أمة سياسية ( مسلمين و يهود و مشركين ) تربطها بنود محددة في دستور المدينة، و ( أمة المسلمين ) برابط ديني و عقائدي، فهناك امة دينية و امم سياسية حسب تعبير المؤلف مختلفة الأعراق والأديان، أي ليس شرطا أن يتوحد المسلمون كلهم في دولة واحدة، بل الوحدة الشعورية برباط العقيدة هي الأساس، وليس شرطا أن يكون كل مواطني الدولة مسلمون ..

فائدة التقسيم التنوعي لمفهوم للأمة

هذه قضية ذات أهمية عالية فيما يتعلق بمفهوم الأمة على الصعيدين الإنساني العام والإسلامي، و تحل العديد من الإشكاليات ذات الشأن، أهمهما دار السلام و دار الحرب، و توزيع ألأراضي التي يعيش عليها المسلمون إلى دول أو كيانات سياسية متعددة، وحل إشكالية الأقليات أو الجاليات المسلمة في الدول الأخرى، وغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية، وكذلك هي مراجعة حقيقية للتراث الفكري الإسلامي، و القول بالأمة السياسية تساعد إلى حد كبير في التنظير لمفهوم المواطنة في الدول التي غالبيتها من المسلمين، بل حتى تزيل الشكوك عن التيار الإسلامي حال وصوله إلى السلطة، وكل هذا ليس غريبا في الحقيقة فهي مستوحاة من النصوص، في مقدمة هذه النصوص ( صحيفة المدينة) أو ما يسميه البعض ( دستور المدينة)، فالدولة وحكمها للجميع، كل السكان من يعيشون تحت سمائها و على أرضها، من دون النظر إلى اللون والعرق والمعتقد.

ومما يساعد هذا التقسيم التنوعي في فهمه، هو أن ألأمة الدينية عقائدية شعورية بحقوق و واجبات معينة شرعاً، الرابط روحي وليس شرطا أن يكون جغرافياً، و التوزيع الجغرافي لا يعني بالضرورة توزيعاً عقائدياً، و لا يعني تقسيماً للأمة الدينية، فالأقطار والأوطان وأسمائها كانت موجودة حتى في زمن الرسول – صلى الله عليه وسلم -، فكانت اليمن و البحرين و بلاد الكنانة والعراق، و كان حكم الأدارسة في المغرب و الأغالبة في تونس، و الفاطميين في مصر، والعباسيين في بغداد، و الدولة السلجوقية في قونية، و الدولة ألأيوبية، بجغرافيا و سلطات معروفة، و السلطة مسؤولة عن رفاهية مواطنيها مهما كانت انتماءاتهم الفكرية و الدينية..

(3) بين الشرع والقانون

يُميّز العثماني وهو العالم الأصولي والسياسي، بين القانون في العرف الحديث وبين التشريع الديني، فالتشريع الديني حق خالص لله تعالى، لا يشاركه أحد، والمشاركة فيه إما بدعة أو كفر وشرك، لكن التشريع القانوني فهو مختلف، لأنه أداة قانونية لضبط علاقات المجتمع وهو مستحدث وملزِم للجميع، لكنه اجتهادي بشري، بمعنى التفرقة بين التشريعين، وإن كانا يشاركان في التعبير عنهما، (( ويجب التمييز بين المستويين من التشريع، فهما عمليتان مختلفتان ، و قد أدى التشابه في الاسم إلى الخلط بينهما لدى الكثير من المتدينين والكتاب، وبالغ البعض فرتب على قول الفقهاء بأن ( الشارع هو الله تعلى ) في إشارة إلى التشريع الديني، ونفى حق المجتمع في تقنين حياته، وبالتالي حق الدولة في إصدار تشريعات ذات طابع دنيوي أو قواعد قانونية..)).

 كما أنه ليس من حق احد أن يفرض التشريع الديني بالقوة المادية بل هو يعتمد على القناعات و دور العلماء قي تكوين القاعدة الجماهيرية الشعبية لقبولها، أي التمييز بين السياسة ومرجعية القانون ..

إزالة اللبس عن مرام العثماني

بخصوص تقسميه التشريع إلى ديني و قانوني – معاصر-، تعرض سعد الدين العثماني إلى نقد لاذع، من بعض الكتاب، على أساس أنه ينفي بذلك أي بعد ديني أو دور للدين في التشريعات الدنيوية، لكن من يقرأ العثماني يتأكد من أول وهلة أنه لم و لن يقصد ذلك، كيف يمكن أن يذهب عالم أصولي هذا المذهب، و هو إبن حركة إسلامية تريد أن تثبت أركان الدين في المجتمع الحديث، تصلح المجتمع بإقامة الدين؟

 الذي أثار هذه الملاحظة على مرام العثماني في هذه النقطة تحديدا حسبما أرى هو قوله ( التشريع الديني الذي ينتفع به في الآخرة، ويتعلق بالعبادات، بينما التشريع بالمعنى المعاصر تشريع دنيوي في منطقة العادات)  هذا القول لوحده فيه لبس، إلا إذا كان الأستاذ المفكر يقصد أن كل تشريع لحياة الدنيا له وجه ديني فهو محسوب ضمن التشريع الديني، كالسرقة مثلاً له بعدان ديني و دنيوي، و شرب الخمر مثلاً له بعدان ديني و دنيوي، عقوبته الدنيوية تعزيرية للحاكم، لكن له عقوبة دينية، و عقوبته الدينية تستوجب العقوبة الدنيوية، الإغتصاب كمثال آخر، فهو – زنا – شرعاً و (تعديٍّ تشريعياً دينياً و قانوناً عصرياً ) تستوجب العقوبة ديناً و دنياً..

قصد العثماني في تقسيم التشريع إلى ديني ودنيوي، جاء كَرَّدٍّ على اللذين يرفضون البرلمانات الحديثة بحجة أنها تشرع من دون الله تعالى، و ليس طرد الدين من دائرة التشريع للدنيا..

(4) مفهوم الدولة الإسلامية

وهو الغاية الأساس من الكتاب، و هو ما دعانا إلى تقديم هذه القراءة لأفكاره، نظراً لأهميته و مركزيته في الفكرين الإنساني والإسلامي المعاصر..

 وتقوم الدولة في الفهم الإسلامي عنده على الأسس التالية :-

1 - دنيوية السياسة

2 - مجال للاجتهاد البشري

3 – لا يوجد شكل محدد للدولة و السلطة في الإسلام

4 - تجاوز الأشكال التاريخية

5 - تجاوز المصطلحات التراثية المعبرة

النقطتين الأوليتين جرى الحديث فيهما بإشارات واضحة، يبقى أن ممارسة السلطة السياسية في الإسلام غير منصوص في شكلها و القالب المادي الذي تأخذه، وكل ما كان موجوداً في العصور السالفة ليس إلا اجتهادات بشرية من العلماء لترتيب البيت الإداري والسياسي الإسلامي في شكل ممارسة السلطة، وليست ملزمة على الإطلاق، و ن هنا يقول بأنه لا يوجد نظام سياسي محدد الشكل في الإسلام، والتعاطي مع شكل الدولة يكون في ضوء تطور الفكر الإنساني الحديث شرط الالتزام بالمبادئ والقواعد والمقاصد العامة ( مجمل اجتهادات الفقه السياسي التقليدي – في رأينا- متجاوزة و غير مناسبة مع ذلك التطور، وفي أحايين كثيرة تؤدي في الواقع إلى عكس المراد الشرعي )، وينتهي إلى أن مصطلح الدولة الإسلامية غير ضرورية بل - دولة المسلمين -، والدولة المقبولة إسلاميا...مع تجاوز التعبيرات التقليدية التاريخية في عالم السياسة ..

(5) بين الخلافة و الدولة

إذا كانت الدولة في المنظور الإسلامي ليس لها شكل محدد، فعليه إن الخلافة ليست نظاما سياسيا ولا هيكلا للسلطة و ليست نموذجا شرعيا للحكم السياسي، بل هي منهج  بالدرجة الأولى، ( من الزهد في المال و الرئاسة وعدم تولي بالقهر، والالتزام بمبادئ العدل والإنصاف و الشورى وبتحقيق المقاصد الشرعية في المجال السياسي، وآي نظام سياسي – على اختلاف تركيبته – يقترب من المراد الشرعي بقدر تمثله لتلك المبادئ، فيمكن أن نقول  "حكم سياسي على منهج النبوة"ولا فرق لأن المهم هو المضمون و المقصد لا اللفظ)  ..والخلافة والملك والسياسة تأتي بمعانٍ مرادفة في نصوص الكتاب والسنة ..

(6) الدولة الإسلامية والدولة المدنية

سعد الدين العثماني، خريج بيت العلم، السياسي الواصل إلى قيادة الحكومة، القريب من العقل الغربي المعاصر، من الأشداء على أن الدولة في الإسلام دولة مدنية، رأي وجيه، يعتمده الاجتهاد الإسلامي المعاصر في تياره الوسطي العام، ومع وجود محاذير مستقبلية، لكن في السياق الفكري العالمي الحديث فإن العثماني والغنوشي وآخرين يؤكدون على هذا المعنى ..

 العثماني يأتي بأسس الدولة المدنية – من منظوره -، ثم يقول إنها كلها بشكل أو بآخر، موجودة في المفاهيم السياسية الفكرية الإسلامية، وهي خمسة :-

1 - تمثيلها لإرادة المجتمع

2 - دولة القانون

3 - انطلاقها من نظام مدني يقوم على أساس السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات

4 - قيامها على المواطنة

5 - الالتزام بالديمقراطية

بعد ذلك يأتي المفكر المغربي، للمقارنة و ذكر الأصول الفكرية الإسلامية، ثم يجزم بذلك، أي ( أن مفهوم الدولة في المفهوم الإسلامي لا تتنافى في شيء مع الدولة المدنية بل تؤسس لها على مختلف المستويات  ).. وكذلك يستدل العثماني ب: هل هذا الإجراء يدخل ضمن صلاحيات الحاكم الدنيوية ؟ أم له علاقة بالتشريع الديني؟

خاتمة

ما ذكرناه في الصفحات السابقة هي قراءة لفكر سعد الدين العثماني المفكر والسياسي المغربي للدولة في الإسلام، علَّقنا على بعضها وسجلنا ملاحظاتنا على بعض آخر منها، وآتينا بها مضموناً كما هي، لكن يبقى الكتاب من ثمرات عقلٍ مسلمٍ معاصر، حاول جاهدا أن لا يخرج عن الدائرة الأصولية والقواعد الضابطة في فهم النصوص وشرح الأفكار، والأستاذ العثماني رجل ساعد إلى حد ملموس في الدفع الفكري الإسلامي إلى الأمام، وتجديد مفاصل فكرية بما يتناسب مع الحياة المعاصرة، في تجديد مستمر متواصل للفكر الإسلامي ليبقى عصريا في كل وقت وحال ومكان..

-----------------------

هوامش :

1 -  ص – 9 -27

2 -  ص 51 من الكتاب

3 -  ص 34

4 -  ص 34

5 -  ص43 من الكتاب

6 -  ص 58

7 -  ص 69 من الكتاب

شيروان الشميراني

نظم الفرع المحلي للحركة بايت ملول خرجة للمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء يومه الأربعاء 13 فبراير 2019، استفاد منها عشرون إطارا من الأطر الشبابية.

تميزت الخرجة بزيارة مسجد الحسن الثاني، إضافة إلى جولة حرة بالمعرض الدولي للكتاب والوقوف على مختلف الإصدارات الجديدة.

image004

كما تمت زيارة رواق الحركة والاطلاع على مختلف الإصدارات الجديدة للفكر الحركي.

الإصلاح

في إطار الحملة الجهوية "مجالسنا التربوية و الأدوار المتجددة"، نظمت اللجنة التربوية لإقليم برشيد سطات يوم الأحد 10 فبراير بمدينة برشيد، ملتقى تربوي تكويني لفائدة المشرفين التربويين بحضور 20 مشرف و مشرفة على المجالس التربوية.

وعرف اللقاء قراءة التوجيه الجهوي للحملة، وكلمة للأخ عبد الله ناجي المسؤول التربوي لإقليم سطات برشيد حول مقاصد المجلس التربوي، كما كان للمشرفين التربويين حصة تكوينية من تأطير الأخ حسان الحميني نائب مسوؤل الاقليمي للحركة تمحورت حول الإشراف التربوي الناجح مقومات وإبداع.

ber1

وفي الأخير تفاعل الحاضرون مع الأخ الناجي في موضوع التعامل مع الدليل التربوي.

محمد الزايدي

نظم المكتب الإقليمي لحركة التوحيد والإصلاح بابن امسيك عين الشق ورشات تواصلية بثانويتين تأهيليتين بمديرية التربية الوطنية بعمالة ابن امسيك.

وتركزت محاور الورشات على نبذ العنف في المحيط المدرسي تناول فيه الموضوع ذ.الخامسي مسؤول الدعوة بالإقليم رأي الدين من خلال قصة موسى مع الذي من شيعته والذي من عدوه.

وتناول ذ.الشاهي الجانب العلمي للموضوع تحت عنوان "من أجل تواصل بدون عنف".

وقد استفاد من الورشتين حوالي 100 تلميذ وتلميذة عبروا عن استفادتهم و تفاعلها مع المؤطرين.

المهدي بريمة

أكد الخبير في شؤون مدينة القدس، الأكاديمي جمال عمرو، أن باب الرحمة أصبح في قبضة الاحتلال، ونحن في طريقنا إلى كارثة حقيقة وهي إقامة كنيس يهودي في وسط الأقصى اسمه كنيس باب الرحمة.

ونبه أن المسجد الأقصى أمام مخطط لباب مغاربة جديد؛ مشيرا أن ما يقوم به الاحتلال عند باب الرحمة المغلق، هو أشد وطأة وأكثر خطورة ودمارا على الأقصى.

وأوضح أن سلطات الاحتلال وضعت قدمها تحت الأقصى عبر الأنفاق التي حفرتها، وصعدت فوق الأقصى، وبنت تحت الأرض وفوقها نحو 190 كنيسا يهوديا أحاطت بالأقصى من كل الجوانب، واليوم يقوم الاحتلال بالبنية التحية لمشروع التلفريك التهويدي في سماء الأقصى، وهكذا أحكم الاحتلال سيطرته على قبلة المسلمين الأولى.

وأضاف أن منطقة باب الرحمة بالنسبة للمتطرفين "الإسرائيليين"، هي أفضل من ساحة البراق؛ لأنها تقع بجوار ما يطلقون عليه قدس الأقداس (مسجد قبة الصخرة)، خاصة بعد تحويل القصور الأموية التي تقع بمحاذاة الأقصى من الناحية الجنوبية، إلى مطاهر للهيكل وحدائق تلمودية.

كما نبه أن جنود الاحتلال صعدوا فوق الباب، وأقاموا مخفرا للشرطة، ولا يسمحون لأحد بالاقتراب من المكان"، محذرا من إمكانية قيام الاحتلال بدفع الحجارة التي تغلق الباب في ساعة واحدة، وعندها ستفتح البوابة على مصراعيها، وسيلج الحاخامات للقاعات الداخلية في الأقصى التي تقع في باب الرحمة.

الإصلاح

الخميس, 14 شباط/فبراير 2019 15:59

لا جديد في صفقة القرن!

لا يكاد يخلو يوم من حديث عن صفقة القرن، منذ أن ظهر اسم هذه الصفقة المضمرة للوجود أوّل مرّة، وفي الأيام الأخيرة كَثُر الحديث عن قرب إظهارها للعلن، هذا فضلا عمّا ظلّت تذكره التسريبات حول مضمون هذه الصفقة والحلول التي تتوعد بها، بيد أنّه على مستوى المضمون؛ مما تنقله التسريبات، أو ممّا هو في حكم المؤكد مما ستظهر به هذه الصفقة، لا يتناسب وحجم هذا الاهتمام بها، وكأنّها من هذه الحيثية سوف تأتي بشيء جديد لم يكن متوقعا! مع أنّ الاهتمام ينبغي صرفه للكيفية التي يُتصدّى بها لمحاولة فرضها، وللظروف المهيِّئة لفرضها، وللمسار الذي لا غاية لمآلاته سوى حقيقة هذه الصفقة أيًّا كان اسمها، وصورة تخريجها.

ولأننا الآن نتحدث بأثر رجعي عن هذا المسار، فلن نشير إلى القراءات التي رأت مآلاته سلفا منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وسنغضّ الطرف عن ذلك، وسنشير فحسب إلى عدد من الحقائق التي تأكدت بعد انطلاق المسار، وبما دلّ في كل حقيقة من تلك الحقائق، على أنّ المآل لن يكون سوى صفقة القرن هذه من حيث المضمون، ولا نقصد من حيث الإخراج واحتمالات فرضها.

وفي حين كانت قيادة منظمة التحرير، ومعها المنظومة العربية عموما، تراهن على "اليسار الإسرائيلي"، وحكومات حزب العمل، فإنّ الإجماع الإسرائيلي كان منعقدا على إبقاء السيطرة على الضفة الغربية بنحو ما، ثم بعد ذلك يحصل الاختلاف داخل هذا الإجماع حول حدود السيطرة وشكلها، بيد أنّ الحدّ الأدنى في هذه السيطرة كان يتضمن الاحتفاظ بالقدس بشطريها، وبالحدود الشرقية للضفة الغربية، وبمناطق من الضفة الغربية. ولم تكن خطة إيغال ألون العمّالي من بعد هزيمة العام 1967 إلا تصوّرا للحدّ الأدنى من الاستراتيجية الصهيونية لكيفية السيطرة على الضفّة الغربية. فإذا كان اليمين الإسرائيلي هو الأسوأ بحسب قراءات منظمة التحرير ومجمل المنظومة العربية، فليس علينا أن نتوقع إلا أن يتوسع هذا الحدّ الأدنى ليبلغ أكبر قدر ممكن من السيطرة الفيزيائية على أرض الضفة الغربية، هذا فضلا عن الهيمنة غير المباشرة.

ولم يكن الأمر ليحتاج كلّ هذا الوقت، لنقف على هذه الحقيقة، فإنّ خطّ التسوية بين الفلسطينيين، هو الذي صدرت عن ممثليه مرّات عديدة إحصاءات تفيد بالزيادة الاستيطانية في الضفّة الغربية من بعد توقيع اتفاقية أوسلو، بما في ذلك في عهود حكومات حزب العمل. ويمكن لنا أن نتساءل إذا كانت تلك الحكومات، والعمّالية منها، قد أنفقت مليارات الشواكل على التوسعات الاستيطانية لإزالتها كلّها لاحقا بمجرد أن يرغب الفلسطينيون في ذلك؟!

إنّ تلك الحكومات، بالتأكيد، ولو كانت تضمر احتمالية إزالة شيء من الوجود الاستيطاني في تسوية ما، فإنّ التوسعات المستمرّة، في أقل أهدافها، وبالإضافة لخلق أوراق القوّة والمناورة، كانت لغاية بقاء شيء من ذلك الوجود حين إزالة بعضه، وهو ما يقودنا إلى حقيقة أخرى، وهي أن الطرف الفلسطيني في مشروع التسوية قد سلّم مبكّرا ببقاء كتل استيطانية كبرى في الضفة الغربية، وأخذ يطرح حلولا جديدة من قبيل تبادل الأراضي، وهي حلول تعني بالضرورة التسليم بالاستراتيجية الاستعمارية الصهيونية، ولا معنى لذلك إلا أنّ "إسرائيل" كانت تتحكم، بإجراءاتها على الأرض، بالمسار كاملا صوب غايتها القصوى. ولم يكن بمقدور الفلسطينيين ضمن موازين القوى المختلّة، وعجز قيادة مشروع التسوية عن التراجع عنه، إلا إعادة الانطلاق الدائم من النقاط التي استمرّت "إسرائيل" بوضعها في كلّ مرحلة بحسب النتائج التي تبلغها بفرض الوقائع على الأرض.

وبالرجوع إلى مفاوضات كامب ديفد بين عرفات وباراك، وفي ظلّ حكومة عمّالية "مستعدة للحلّ"، وإدارة أمريكية أكثر عقلانية من الإدارة الحالية، فإنّ موضوع القدس عموما، ووضع المسجد الأقصى خصوصا، هو الذي فجّر تلك المفاوضات أساسا، فإذا كان ذلك صحيحا، وكانت وحدة شطري المدينة شعارا دائما مرفوعا بين كل القوى الإسرائيلية المؤثّرة بلا استثناء، فإنّه لا يمكن لنا أن نتوقع أن يكون الحال أحسن و"إسرائيل" بالكامل باتت تخضع لهيمنة يمينية مطلقة، والإدارة الأمريكية الحالية تبدو إسرائيلية أكثر من أيّ شيء آخر!

وإذا كانت صفقة القرن، بالضرورة تتضمن تصفية قضية اللاجئين، فإنّه لا يمكن لنا القول إنّ القيادة الفلسطينية لخطّ التسوية ومعها المنظومة العربية، كانت متمسكة بالعودة الكاملة المؤسسة على الحق الفلسطيني الخالص، الذي لا يسقطه شيء، ولا يخضع للمساومة، وإنّما طرحوا من عند أنفسهم ما سمّوه حلا عادلا ومتفقا عليها، كما في المبادرة العربية. وبما أنه ينبغي أن يكون متفقا عليه مع الإسرائيليين، فإنّه في جانب منه خاضع للإسرائيليين، وبما أن الإسرائيليين، بموازين القوى التي تنحاز لهم وبوقائعهم على الأرض وبخيبة العرب، هم الذين يقودون هذا المسار كلّه، فلا بدّ وأنّهم سيتحوّلون إلى المتحكم الكامل بهذه القضية كما بقية قضايا الفلسطينيين!

فما الجديد إذن في صفقة القرن من جهة المضمون؟!

لا شيء، بيد أنّ الجديد في وجود إدارة أمريكية قد بنت تحالفا شرق أوسطي يضمّ "إسرائيل" جعل من انشغالاته العمل على فرض هذه الصفقة، التي لا جديد فيها من الحيثية سابقة الذكر.

هذا يحيلنا إلى السؤال الأهم: إذا لم يعد هناك من يفكر اليوم في تحرير فلسطين، فهل هناك من يعمل على إحباط هذه الصفقة فعلا، وهي أقلّ ما يمكن أن يجمع الفلسطينيون وسعهم لأجله؟!

ساري عرابي

السيرة النبوية مليئة بنماذج مضيئة من الأسر التي أثرت تراثنا الأخلاقي، وأهدت للإنسانية جمعاء قيما نبيلة، وما أحوجنا اليوم لمعرفة هذه النماذج والوقوف على المنهج الذي عاشت عليه، والمبادئ التي تربت عليها اقتداء بها، ومن بين هذه النماذج أسرة مرضية طيبة، يحبها الله وتحبه، يحبها رسول الله وتحبه، هي أسرة أم سليم من المدينة المنورة.

فما هي العناصر البارزة المكونة لهذه الأسرة؟

وما هي المبادئ التي تأسست عليها؟

بطاقة تعريفية للعناصر البارزة في أسرة أم سليم: 

أم سليم: هي أم سليم بنت ملحان إحدى نساء الأنصار الملقبة بالرميصاء، هي من أوائل من أدرك وأقر أنه لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله، بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوفت البيعة، صحابية جليلة قد لا يعرف قدرها الكثيرون على الرغم مما في سيرتها من عبرة وقدوة.

عندما سمعت عن دين الحق قبل الهجرة أسلمت، فجاءت إلى مالك زوجها، فقالت: جئت اليوم بما تكره، فقال: لا تزالين تجيئين بما أكره من عند هذا الأعرابي، قالت أعرابيا اصطفاه الله واختاره وجعله نبيا، قال: ما الذي جئت به، قالت حرمت الخمر، قال هذا فراق بيني وبينك،[1] خرج من البيت غاضبا، بل خرج من المدينة كلها لأنها أصبحت أرض إسلام ومات بالشام، فضحت هذه المرأة المؤمنة بحياتها الزوجية، وبزوجها وأولادها من أجل دينها وثباتها على دينها، ولم تتردد أو تتراجع، وهذا أول امتحان تعرضت له هذه المرأة الصالحة، وهو امتحان عسير فليس باليسير أن تعرض الأسرة لزلزال عظيم بين عشية وضحاها.

ومن مواقفها العظيمة التي تشهد برقي إيمانها وصلاحها أنه تقدم لخطبتها بعد وفاة زوجها الأول، أبو طلحة زيد بن سهل وكان لا يزال مشركا، وعرض عليها مهرا كبيرا، فترده لأنها لا تتزوج مشركا، وعندما عاود لخطبتها، قالت: فإن تسلم، فذاك مهري، لا أسأل غيره.

وفي رواية قالت: فإني أشهدك وأشهد نبي الله صلى الله عليه وسلم أنك إن أسلمت فقد رضيت بالإسلام منك. قال: فمن لي بهذا؟ قالت: يا أنس قم فانطلق مع عمك، فقام فوضع يده على عاتقي ، فانطلقنا حتى إذا كنا قريبا من نبي الله صلى الله عليه وسلم فسمع كلامنا، فقال: هذا أبو طلحة بين عينيه عزة الإسلام، فسلم على نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام.[2] فكان هذا الصداق أعظم صداق في المدينة المنورة: الإسلام الدين العظيم.

ومن مواقفها أيضا أنها خرجت من بين الجموع الفرحة المستبشرة المستقبلة للرسول صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة، خرجت ومعها ابنها أنس رضي الله عنهما، فقالت : يا رسول الله، إنه لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار، إلا وقد أتحفتك بتحفة، وإني لا أقدر على ما أتحفك به إلا ابني هذا، فخذه فليخدمك ما بدا لك.

وفي موقف آخر، عن أنس بن مالك قال: كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم: هو أسكن مما كان، فقربت إليه العشاء فتعشى ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: أعرستم الليلة؟ قال: نعم، قال: اللهم بارك لهما، فرزقهم الله تسعة من الأولاد كلهم قرؤوا القرآن الكريم. وفي رواية لأحمد: ثم تصنعت له فأصابها، فلما فرغ قالت: ألا تعجب لجيرانك، أعيروا عارية، فطلبت منهم، فجزعوا؟ فقال: بئس ما صنعوا، فقالت: ابنك كان عارية، فقبض، فحمد واسترجع.[3]

هذه المواقف تشهد أنها امرأة لا كالنساء، وصحابية جليلة من خيرة الصحابة، بل امرأة من أهل الجنة تمشي على الأرض، فقال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى: ″رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة″[4] وفي رواية: ″دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان″[5]، ورؤى الأنبياء وحي وحق.

أبو طلحة:

هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن مالك بن النجارالأنصاري الخزرجي، المشهور بكنيته أبو طلحة، دخل الإسلام فقال عنه رسول الله ″هذا أبو طلحة بين عينيه عزة الإسلام″[6]، أحب رسول الله صلى الله عليه فكان يديم النظر إليه ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديثه، من ملامح شخصيته الشجاعة والإقدام، فكان من الشجعان والرماة المعدودين في الجاهلية والإسلام، كان أحد النقباء الإثني عشر في بيعة العقبة، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وكان من أكبر أنصار الإسلام، كما أنه كان جوادا بنفسه في ساعات البأس، كان أيضا جوادا بماله في مواقف البذل، ومن ذلك أنه كان له بستان من نخيل وأعناب لم تعرف المدينة بستانا أعظم منه شجرا ولا أطيب منه ثمرا ولا أعذب منه ماء، وبينما أبو طلحة يصلي في بستانه أثار انتباهه طائر أخضر اللون، أحمر المنقار، فأعجبه منظره، وشرد عن صلاته بسببه، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فلما فرغ من صلاته ذهب إلى رسول الله صلى عليه وسلم وشكا له نفسه التي شغلها البستان والطائر عن الصلاة، ثم قال: أشهد يا رسول الله أني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى، فضعه حيث يحب الله ورسوله. وفي الصحيحين عن أنس لما نزلت: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)[7]  قال أبو طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بخ بخ ذاك مال رابح" الحديث[8]

وكان كثير الصيام حيث عاش حياته صائما، فقد أثر عنه أنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من ثلاثين عاما صائما، لم يفطر إلا حيث يحرم الصوم.

ومن بين مواقفه أيضا: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاتتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم، قال: بطعام فقلت نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: قوموا ، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت :الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«هلم يا أم سليم ما عندك؟ فأتت بذلك الخبز، فأمر به  رسول الله ففت،  وعصرت أم سليم عكة فآدمته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة ، فأذن لهم ، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ، ثم قال: ائذن لعشرة ، فأذن لهم ، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ، ثم قال ائذن لعشرة، فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلا»[9].

وروى عن ربيبه أنس وابن عباس وأبو الحباب سعيد بن يسار وغيرهم: «عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق شعره بمنى فرق شقه الأيمن على أصحابه الشعرة والشعرتين وأعطى أبا طلحة الشق الأيسر كله»[10]

وفي وفاته قال ثابت عن أنس : مات أبو طلحة غازيا في البحر، فما وجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، ولم يتغير[11].

أنس بن مالك: هو أنس بن مالك بن النضر الخزرجي الأنصاري من بني عدي بن النجار، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يتسمى به ويفتخر بذلك، وقد ولد رضي الله عنه قبل الهجرة بعشر سنوات ، وكنيته أبو حمزة ، تربى أنس بن مالك رضي الله عنه على يد الرسول العظيم تربية خاصة ، فلما بلغ العاشرة من عمره أتت به أمه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليخدمه ويتربى على يديه، فقالت له : هذا أنس غلام يخدمك، فقبله، وعن أنس قال : «خدمت النبي صلى الله عشر سنينا فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزا قط ولا حريرا ولا شيء ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم[12]».

ومن ملامح شخصيته الكريمة كثرة علمه ودوام صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم، عندما أتت به أمه ليخدم النبي عليه الصلاة والسلام أخبرته أنه كاتب، وهذه الميزة العظيمة لم تكن متوفرة إلا في النفر القليل من أصحابه عليه الصلاة والسلام، مما يدل على فطنة أنس وذكائه منذ صغره، إذ حفظ وفقه وتعلم من الرسول الكريم حتى قيل إنه في المرتبة الثالثة بعد ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما، في كثرة الأحاديث التي رواها وحفظها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسنده ألفان ومئتان وستة وثمانون حديثا، اتفق له البخاري ومسلم على مائة وثمانين حديثا، وانفرد البخاري بثمانين حديثا ومسلم سبعين حديثا، لأنس بن مالك رضي الله عنه الأثر الكبير في غيره من الناس، ذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم يحمل الكثير من كنوز السنة النبوية العطرة، بفضل هذه الصحبة الطويلة لرسول الله، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ليحتفظ بهذا العلم لنفسه أو يكتمه عن غيره ممن لاقاهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أن بارك الله له في عمره ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فاستفادت منه أجيال التابعين، ورووا عنه وحفظوا ما رواه هو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى عنه ما يزيد على مائتين وخمسة وثمانين من الصحابة والتابعين، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يزيد على ألفين ومائتين من الأحاديث؛ مما يدل على عظيم أثره، وعلوّ همته في تبليغ العلم الذي حصّله من الرسول صلى الله عليه وسلم.

البراء بن مالك: 

هو الصحابي الجليل البراء بن مالك بن النضر الأنصاري أخو أنس بن مالك لأبيه وأمه[13]، ولد البراء بن مالك بالمدينة ومات باليمامة، ربّاه النبي صلى الله عليه وسلم على حب الشهادة وعلى اليقين بنصر الله، وأخبر النبي أنه صلى الله عليه وسلم مستجاب الدعوة، ومن أهم ملامح شخصيته الشجاعة والإقدام.

أما عن بعض مواقفه فنذكر: عن أنس قال: لقي أبي بن كعب البراء بن مالك فقال: يا أخي ما تشتهي؟ قال: سويقا وتمرا فجاء فأكل حتى شبع فذكر البراء ابن مالك ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اعلم يا براء أن المرء إذا فعل ذلك بأخيه لوجه الله لا يريد بذلك جزاء ولا شكورا بعث الله إلى منزله عشرة من الملائكة يقدسون الله ويهللونه ويكبرونه ويستغفرون له حولا، فإذا كان الحول كتب له مثل عبادة أولئك الملائكة وحق على الله أن يطعمهم من طيبات الجنة في جنة الخلد وملك لا يبيد"، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كم ضعيف مستضعف ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك"

نس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك"[14].

هذه الأسرة العظيمة الفريدة كانت تعيش على مبادئ لأجلها نالت مانالته من الفضل، ولتكون منارة للهداية فما هي هذه المبادئ؟

أولا: الإسلام

أعظم هذه المبادئ وأهمها أولوية الإسلام، فقد تأسست هذه الأسرة على أساس الإسلام ، وبنيت أعمدتها وعاشت في ظله، وهكذا يجب أن تحيا كل أسرة تنشد الرشد والنجاح، آمنت أم سليم بالله وآثرت الإسلام حين أشرقت شمسه على العالم ، وتعلمت في مدرسة النبوة كيف تعيش المرأة حياتها، تصبر ما يصيبها من حوادث الزمان، كي تنال مقعد الصابرين في الجنة، وتفوز بمنزلة المؤمنين في الآخرة، فبسبب الإسلام فارقت زوجها الأول مالك، واشترطت الإسلام لتكون زوجة لأبي طلحة، فكان الإسلام أعظم صداق ، فالأسرة بلا دين مصيبة وكارثة.

 ثانيا : العلم بالإسلام

عرفت الأسرة وعلى رأسها أم سليم بالحرص على طلب العلم فعن أنس بن مالك قال: "جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي، قال: سبحي عشرا واحمديه عشرا وكبريه عشرا ثم سليه حاجتك، يقل نعم، نعم"، ولما عرف النبي صلى الله عليه وسلم حرص هذه الأسرة على العلم والتعلم خص لها زيارات بين الحين والحين، فكان عليه الصلاة والسلام يقيل عندها مرارا ويصلي بهم في بيتها، ليتعلموا منه مباشرة، عن أنس قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا فصليت أنا ويتيم لنا خلفه وصلت أم سليم خلفنا"[15]، وقد سأل أهل المدينة ابن عباس رضي الله عنه عن امرأة طافت ثم حاضت، قال لهم: تنفر، قالوا : لا نأخذ بقولك وندع قول زيد رضي الله عنه، قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا، فقدموا المدينة فكان فيمن سألوا أم سليم، فذكرت حديث صفية[16]، فسؤال ذلك الوفد أم سليم عن هذه المسألة التي وقع فيها الخلاف بين الصحابة حين رجوعهم المدينة وفيها كثير من الصحابة، فيه دلالة على أنها كانت ممن عرفن من النساء بالعلم في المدينة.

فالركن الأساسي التي بنيت عليه هذه الأسرة الطيبة هو الإسلام وتعلمه، وحقا فالأسرة المحرومة من تفاسير القرآن، ومن قصص الأنبياء والصالحين من مجالس القرآن...هذه أسر محرومة من الخير، وهذا للأسف هو السائد اليوم داخل العديد من الأسر، فترى الشيطان وجنوده مستحوذ عليها أبعده عن السعادة والاستقرار وحلاوة الإيمان، فالإنسان إذا أراد رحمة الله والسعادة في بيته فلا بد له من إدخال التقوى والخير إلى بيته.

ثالثا: حسن الوفاء

ضربت أم سليم مثلا عاليا في الاقتداء بالصبر والتسليم والرضى بقضاء الله تعالى وحسن التبعل، ففي اليوم الذي مات ابنها فيه عاد زوجها من السفر فلم يجده، فلم تخبره بموت ابنه، وكان ردها عليه حين سألها عنه أنها قالت في ثبات وسكينة، قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح، وظن أبو طلحة أنها صادقة، قال أنس بن مالك "فبات فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر النبي بما كان منهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما"[17]، فعمت بركة هذا الموقف ذرية أبي طلحة وأم سليم ببركة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، فكان لهما تسعة أولاد كلهم قرأوا القرآن، فلْتَتَأَسَّ كل أسرة بهذه الأسرة ولتتعلم الصبر والثبات وحسن العشرة.

رابعا: الخدمة العسكرية

هذه الأسرة لم تكن أنانية، ولم تعش سوى لذاتها ومصالحها، بل هي أسرة عاشت أحوال مجتمعها الإسلامي، وتسهم بكل ما تطيق لكشف ما به من خصائص وتجاوز ما يحل به من أزمات، فكانت القمة في الكرم والجود، والقمة في الضيافة، والمثال في الاهتمام بالحالة الاجتماعية للمجتمع، فقد رأينا كيف تصدق أبو طلحة بأحب أمواله إليه"بيرحاء"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن : ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضم أو يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان ، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما، فأنزل الله : (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)"[18] "[19].

خامسا : العمل لنشر كلمة الله

كانت هذه الأسرة في طليعة العاملين لنشر دين الله تعالى ورفع كلمته، ومقاومة أعدائه الصادين عن سبيل الله، من أبي طلحة والبراء وأنس بن مالك رضي الله عنهم وحتى أم سلمة ففي غزوة أحد كانت تداوي الجرحى وتسقي العطشى، فعن أنس رضي الله عنه، قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم، وإنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما، تنقران القرب ، وقال غيره تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانها في أفواه القوم"[20].

هذه هي أسرة أم سليم التي غنمت السعادة والريادة في الدنيا، والفوز برضوان الله ورسوله، وذلك هو الفوز العظيم، فلم لا تكون النموذج للزوجة الصالحة المؤمنة، للأم الفاضلة، للزوج المتقي، للابن المطيع..؟

 

---------------

الهوامش

[1] البزار بسند رجاله ثقات

[2] البزار

[3] أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود

[4]- أخرجه البخاري ،كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي رضي الله عنه 3476

[5] أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أم سليم أم أنس بن مالك ، وبلال رضي الله عنهما 2456

[6] البزار

[7] سورة آل عمران، آية 92

[8] أخرجه البخاري ومسلم

[9] أخرجه البخاري ومسلم

[10] رواه مسلم من طريق ابن سيرين

[11] أخرجه القسوي في تاريخه، وأبو يعلى وإسناده صحيح

[12] رواه الترمذي

[13] محمد بن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الصحابة، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل ، بيروتـ الطبعة الأولى 1992م، ج1، ص 47

[14] سنن الترمذي 692/5

[15] أخرجه النسائي

[16] رواه البخاري

[17] رواه البخاري

[18] سورة الحشر، آية 9

[19] أخرجه البخاري

[20] أخرجه البخاري

فاطمة الزهرة السباعي

اعتبر الأستاذ خالد تواج أن اختيار الحركة للتربية كوظيفة أساسية يأتي على اعتبار أنها استثمار في الإنسان والعمل على تمكينه من القيم والسلوكيات التي من شأنها أن تحفزه على أن ينهض ببلده ويساهم في إصلاحها، لان إصلاح الإنسان يعني تربيته وتمكينه من مجموعة من القيم التي من خلالها يساهم بدوره في إصلاح مجتمعه.

وأضاف عضو المكتب التنفيذي خلال لقاء تواصلي برواق الحركة بالمعرض الدولي للكتاب الأربعاء 13 فبراير 2019، أن الحركة تشتغل في هذا المجال إلى جانب فاعلين آخرين في المجتمع مساهمين في التربية كالمدرسة والأسرة والمجتمع، حيث توفر محاضن تربوية ومجالس يرتادها كل من يرغب من الشباب والنساء والرجال على اختلاف مستوياتهم وأعمارهم، يجتمعون فيها ويستمعون للقران والسنة ويتلقون زادا تربويا يمكنهم من إصلاح ذواتهم.

واستعرض مسؤول قسم التربية أهم الخدمات التي تقدمها الحركة في مجال التربية، فقد اختارت الحركة أسلوبا لتعهد أعضاءها فيما يسمى بالمجالس التربوية، والتي انفتحت على مختلف شرائح المجتمع ومتاحة لكل الناس بلا أي شرط وقيد، فالمجلس عبارة عن لقاء إيماني أسبوعي فيه ما يغذي الروح ويزكي النفس من قراءة قران وسيرة وتفسير ودروس متنوعة تلبي حاجة المسلم، ثم هناك المجالس القرآنية لمن يرغب بحفظ القران وتجويده وإتقان قراءته وتدبره وهي من الخدمات الجديدة للحركة وتشهد إقبالا كبيرا سنة بعد سنة، ثم المنتديات الشهرية وهي لقاءات شهرية تقدم مادة تربوية لمن يرغب فيها يستمع لكلام يرقق القلوب ويحفزها لطاعة الله وإصلاح الذوات، بالإضافة إلى خدمات موسمية تخص الشباب كالجامعات الشتوية والصيفية والمخيمات والمعتكفات وكل ما يسعى لتحصين الشباب وتربيته وجعلهم صالحين في بلدهم مصلحين لغيرهم.

س.ز / الإصلاح