مقدمة:

تعتبر الهجرة محطة بارزة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وقد جعلها الله تعالى معيارا للمفاضلة بين الصحابة، وأساسا للمولاة بين المؤمنين فقال: " إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } [الأنفال:72] . وأمر الهجرة شديد على النفس لما فيه من ترك الوطن والمال والمألوفات، ولذلك جاء الأمر بالنهي عن تمنّيها: روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن أعرابيّا قال : « يا رسول الله، أخبرني عن الهجرة ، قال : ويحك ، إنَّ شَأنَ الهجرة شديد ، فهل لكَ من إبل ؟ قال : نعم ، قال : فهل تؤدِّي صَدَقَتَها ؟ قال : نعم ، قال : فاعْمَل من وراءِ البحار ، فإنَّ الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئا ".

وإن الصحابة رضي الله عنهم بإيمانهم ورغبتهم فيما عند الله تعالى استجابوا لها، وهاجروا رجالا ونساء، شبابا وكهولا. وإذا كانت الهجرة قد مضيت لأصحابها فقد بقي لنا منها دروسها وعبرها المتجددة، وهو ما نحاول اليوم القيام بجانب منه اليوم، مما له علاقة بالأسرة المسلمة نظرا لكونها الركيزة الأساسية لصلاح المجتمع.

أولا : الهجرة وفتنة المال والأهل

ثانيا: الهجرة وإشراك الأهل والأبناء في عمل الخير (المرة المسلمة والسبق وقصة فاطمة البحرية

ثالثا: الهجرة والفن و استقبال الأنصار للرسول عليه السلام

أولا : الهجرة وفتنة المال والأهل

قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ. وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التغابن : 14]. جاء هذا التوجيه الإلهي في نهاية سورة التغابن، وفيه - نداء إلى المؤمنين ، يحذرهم فيه الله عز وجل من فتنة الأزواج والأولاد والأموال ، ويحضهم على مراقبته وتقواه ، ويحذرهم من البخل والشح، عندما يطلب منهم ذلك .

وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رجلا سأله عن هذه الآيات فقال : هؤلاء رجال أسلموا من مكة ، فأرادوا أن يأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى أولادهم وأزواجهم أن يتركوهم - ليهاجروا . فلما أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى بالمدينة - رأوا الناس قد تفقهوا في الدين ، فهموا أن يعاقبوهم - أي : يعاقبوا أولادهم وأزواجهم - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات . وهناك رواية أخرى ذكرها ابن عطية عن  عطاء بن أبي رباح إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي حين أراد غزواً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فاجتمع أهله وأولاده فثبطوه وتشكوا إليه فراقه ، فرق ولم يغز ، ثم إنه ندم وهم بمعاقبتهم ، فنزلت الآية بسببه محذرة من الأزواج والأولاد وفتنتهم ، ثم صرفه تعالى عن معاقبتهم بقوله : ( وإن تعفوا وتصفحوا ).

ومعنى الآية : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، إن بعض أزواجكم وأولادكم ، يعادونكم ويخالفونكم فى أمر دينكم . وفى أمور دنياكم ، ( فاحذروهم ) أي : فاحذروا أن تطيعوهم في أمر يتعارض مع تعاليم دينكم ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

وقال سيد قطب في ظلال القرآن : " إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية . ويمس وشائج متشابكة دقيقة في التركيب العاطفي وفي ملابسات الحياة سواء . فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله . كما أنهم قد يكونون دافعاً للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير ، وتضحية الكثير . كما يتعرض هو وأهله للعنت . وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده . فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال! فيكونون عدواً له ، لأنهم صدوه عن الخير ، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا . كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه ، اتقاء لما يصيبهم من جرائه ، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه ، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله . . وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات . . وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن ."

وسميت السورة بسورة التغابن: الذي يعني ما يقع لبعض التجار من الغبن والخسارة في تجارة ما. وهنا أراد الله عز وجل كما ذكر بعض المفسرين الغبن الذي لا جبران له، وهو الذي يكون يوم القيامة حين يفوز من اتبع أمر الله تعالى، واحتاط لنفسه من فتنة الأهل والأولاد، ونظر إلى غيره ممن وقعوا في فتنة الأهل والمال والأبناء فخسروا منازلهم يوم القيامة. وفي سبب نزول الآية التي وقفنا عندها إشارة إلى ما وقع لبعض الصحابة الذين ثبطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة فلم يهاجروا إلا بعد مدة ، فوجدوا غيرهم قد تفقه في الدين ، فندموا وأسفوا وهموا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم . فالأولاد والأهل قد لا يفتنونك بالمرة ولكن يمنعونك من أن تكون من أهل السبق والكمالات.  وقال ابن عطية: " أخبر تعالى أن الأموال والأولاد { فتنة } تشغل المرء عن مراشده وتحمله من الرغبة في الدنيا على ما لا يحمده في آخرته .

قال القاضي أبو محمد ابن عطية : وهذه ونحوها هي فتنة الفضلاء ، فأما فتنة الجهال والفسقة ، فمؤدية إلى كل فعل مهلك ، ... فقال عمر : ما هذا؟ فقال : أحب ولدي وأكره الموت."

ثانيا الهجرة وحب الوطن والتعلق به:

إن هجرة الأوطان استثناء وليست أصلا، فقد غُرس في كل الكائنات الحية أن تحب أوطانها وأن تتعلق بها، ولا ترغب عنها إلى سواها. وقد نقل عن الأصمعي أنه قال : " قالت الهند ثلاث خصال في ثلاث أصناف من الحيوان‏:‏ الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بعيدا، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدبا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر له نفعا"‏. ومن الناحية الشرعية فإن الحالة الوحيدة التي يؤمر فيها المسلم بهجرة وطنه الأصلي هي اضطهاده في دينه، ومنعه من ممارسة شعائره بحرية، كما وقع للصحابة في بداية الإسلام حيث قال ابن العربي عنها: " الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ; وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِهَا بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ مَفْرُوضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

  ويشهد لمشروعية التعلق بالأوطان وحبها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان محبا لوطنه وحريصا على البقاء به. فحين بدأه الوحي، وذهبت خديجة به لورقة بن نوفل قال له: ( ... هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ فَقَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) . فقوله عليه السلام: " أومخرجي هم". يدل أن الإخراج كان شاقا عليه وهو ما استنبطه بن حجر نقلا عن السهيلي حيث قال: " ويؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النفس فإنه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك فلما ذكر له الإخراج تحركت نفسه لذلك لحب الوطن وإلفه فقال " أو مخرجي هم "؟"  . وحين هم عليه السلام بالخروج من مكة للهجرة قال في وداعها: " والله انك لأحب البقاع إلى الله ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت" . وجاء في صحيح البخاري أيضا في كتاب الحج :" باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة : (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا) ... وفي رواية حميد: (حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا )".  أي حبه عليه السلام الرجوع لوطنه الثاني المدينة الذي أحبه كحبه لمكة. قال ابن حجر: " وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه!"...

ويتجلى هذا التعلق بالوطن وحبه في أفضل الخلق وأنقاهم فطرة : موسى عليه السلام  فقد قال  تعالى"  فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ".  قال بن العربي  : قال علماؤنا : لما قضى موسى الأجل طلب الرجوع إلى أهله، وحن إلى وطنه , وفي الرجوع إلى الأوطان تقتحم الأغرار، وتُركب الأخطار، وتُعلل الخواطر".

ثالثا: الهجرة وإشراك الأهل والأبناء في عمل الخير :

من الحكم الجارية على الألسن خير وسيلة للدفاع الهجوم، ونقول أن خير وسيلة للحذر من فتنة الأهل والأبناء أن تشركهم فيما أنت بصدده من الصالحات ليكونوا عونا لك على ذلك. وقد تجلى أمر التعاون العائلي على الخير في هجرة الرسول عليه السلام وصحابته الكرام. فنص الهجرة الذي روي في الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فيه الكثير من صور التعاون والمشاركة ومن ذلك:

"لَمْ أَعْقِلْ أَبوَيَّ قَطُّ إِلا وهما يدينان الدّينَ. ولم يمر علينا يوم إِلا يأتينا فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طَرَفَي النهار ، بُكْرَة وعَشِيّة. .....ثم بَدَا لأبي بكر ، فابتَنَى مسجدا بفناء داره. وكان يصلي فيه ، فَيَتَقَصَّفُ عليه نساء المشركين وأبناؤهم يُعجِبون منه. وينظرون إِليه. وكان أبو بكر رجُلا بَكّاء ، لا يملك عينيه إِذا قرأ القرآن".

قال ابن شهاب : قال عروة : قالت عائشة « فبينا نحن يوما جُلُوس في بيت أبي بكر في نَحْرِ الظَّهِيرة. قال قائل لأبي بكر : هذا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مُتَقَنِّعا ، في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر : فِدى له أبي وأُمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إِلا أَمر. قالت: فجاء رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. فاستأذَن فأذِن له. فدخل ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: أَخْرِج مَنْ عِندك. فقال أبو بكر : إنما هم أهلك - بأبي أنت يا رسول الله - قال: فإِني قد أُذِنَ لي في الخروج. قال أبو بكر : الصحابة ، بأبي أنت يا رسول الله. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- : نعم.  وفي أخرى قالت : « ...فلما دخل عليه قال لأبي بكر: أخرج مَنْ عندك. قال: إنما هما ابنتاي: عائشة وأسماء. قال: أشعَرْت أنه قد أُذِنَ لي في الخروج ؟ قال: الصحبةَ يا رسول الله ». وفي هذه الرواية وفي سرد عائشة رضي الله تعالى عنها للقصة كاملة دليل على رجاحة عقلها، وأنها كانت بالسن الذي تؤتمن ويسأل عنها ويطلب إحفاء السر عنها لو لم تكن بالدرجة من الثقة والإيمان.

وقالت عائشة في تجهير الراحلتين: فجهزناهما أَحَثَّ الجِهاز. ووضعنا لهما سُفْرَة في جِرَاب ، قَطَعَتْ أسماء بنت أبي بكر قطعة من نِطاقها ، فَرَبَطَتْ به على فَمِ الجرابِ ، فبذلك سميت ذات النطاقين.

وقالت: ومكثا في غار ثور ثلاث ليالِ ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ، وهو غلام شابّ ثَقِف لَقِن ، يَدَّلج من عندهما بسَحَر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت. فلا يسمع أمرا يُكادان به إِلا وَعَاهُ ، حتى يأتيهما بخبر ذلك ، حتى يختلط الظلام.

قالت : ويرعَى عليهما عامر بن فُهَيرة - مولى أبي بكر - مِنْحَة من غَنم ، فيُريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء. فيبيتان في رِسْل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى يَنْعِق بهما عامر بن فهيرة بِغَلَس ، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث».

وفي رواية أخرى : كان عامر بن فُهيرة غلاما لعبد الله بن الطفيل بن سَخْبرة، أخو عائشة لأمها. وكانت لأبي بكر مِنْحة ، فكان يَرُوحُ بها ويغدو عليهم ، ويصبح فيُدْلج إِليهما. ثم يَسْرَحُ. فلا يفطن له أحد من الرِّعاء ، فلما خرجا خرج معهما يُعْقبانه ، حتى قدما المدينة ، فقُتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة.

قالت: " ...قال هشام : فأخبرني أبي. قال: لما قُتل الذين ببئر معونة ، قال عامر بن الطفيل : مَنْ هذا ؟ - وأشار إِلى قتيل - فقال له عمرو بن أمية : هذا عامر بن فهيرة. فقال : لقد رأيته بَعْدَ ما قُتِلَ رُفِعَ إِلى السماء ".

رابعا معاني المحبة والايثار في قصة الهجرة: 

ويستنبط أيضا من قصة الهجرة معاني المحبة والايثار، والتضحية بالنفس فداء للدين. فهذا علي بن أبي طالب يفدي النبي عليه السلام ليلة الهجرة وينام في فراشه معرضا نفسها للقتل. روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما : قال : شرى علي نفسه و لبس ثوب النبي صلى الله عليه و سلم ثم نام مكانه و كان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ألبسه بردة و كانت قريش تريد أن تقتل النبي صلى الله عليه و سلم فجعلوا يرمون عليا و يرونه النبي صلى الله عليه و سلم و قد لبس بردة و جعل علي رضي الله عنه يتضور فإذا هو علي فقالوا : إنك للئيم إنك لتتضور و كان صاحبك لا يتضور و لقد استنكرناه منك" .

أما أبو بكر فقد فداي النبي عليه السلام بنفسه وماله وأهله. وظهرت منه قمة المحبة والايثار في طريق الهجرة. ففي صحيح البخاري عن أبي بكر رضي الله عنه قال: " فإِذا أنا براع مقبل بغنمه إِلى الصخرة ، يريد منها الذي أردنا فلقيته. فقلت: لمن أنت يا غلام ؟ فقال: لرجل من أهل المدينة. فقلت: أفي غنمك لبَن ؟ قال: نعم. ...قال: فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وكرهت أن أوقِظَهُ من نومه. فوافقته قد استيقظ،، وفي رواية : فوافقته استيقظ فصَبَبْتُ على اللبن من الماء حتى برد أسفَلُهُ. فقلت: يا رسول الله، اشربْ من هذا اللبن. قال: فشرب حتى رضيت."

خامسا الاستقبال للرسول عليه السلام والأسرة المسلمة :

 وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة. فكانوا يَغْدُون كل غَداة إِلى الْحَرَّة فينتظرونه ، حتى يردّهم حَرُّ الظَّهيرة. ...حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف. وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول.  وفي رواية البخاري عن أبي بكر للقصة : فقدمنا المدينة ليلا. فتنازعوا : أَيُّهم يُنْزَل عليه رسول الله فقال: أنزِلُ على بني النجار أخوال عبد المطلب، أُكرمهم بذلك. فَصَعِدَ الرجال ، والنساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان ، والخَدَم في الطرق ، ينادون : يا محمد يا رسول الله ، يا محمد يا رسول الله ». وفي رواية أخرى : « جاء محمد رسول الله ».

وفي فتح الباري عن ابن حجر جعل الإماء يقلن قدم رسول الله في رواية عبد الله بن رجاء فخرج الناس حين قدم المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم جاء محمد رسول الله الله أكبر جاء محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخرج الحاكم من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار.

 وأخرج أبو سعيد في شرف المصطفى ورويناه في فوائد الخلعي من طريق عبيد الله بن عائشة منقطعا لما دخل النبي صلى الله عليه و سلم المدينة جعل الولائد يقلن طلع البدر علينا من ثنية الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع ... وهو سند معضل ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك (ابن حجر). وهذه الروايات تبين المحبة للنبي عليه السلام، وحسن استقباله، وإظهار الفرح بذلك.

قصة فاطمة البحرية وزوجها جعفر:

عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أَبُو رُهْمٍ إِمَّا قَالَ بِضْعٌ وَإِمَّا قَالَ فِي ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ أَوْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ وَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا يَعْنِي لِأَهْلِ السَّفِينَةِ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَةً وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ مَنْ هَذِهِ قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ قَالَ عُمَرُ الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ قَالَتْ أَسْمَاءُ نَعَمْ قَالَ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكُمْ فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ كَلَّا وَاللَّهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ وَكُنَّا فِي دَارِ أَوْ فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ بِالْحَبَشَةِ وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَايْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْأَلُهُ وَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَمَا قُلْتِ لَهُ قَالَتْ قُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ قَالَتْ فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا مِنْ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو بُرْدَةَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي ...

د. الحسين الموس

الاجتهاد والجد والأخذ بالأسباب من أعظم ما أمر الله به في القرآن الكريم والسنة النبوية دعوة صريحة إلى التفاني في بذل الجهد والتمكن من الوسائل وحسن تسخيرها في خدمة الخير

الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة حدث زاخر بالدروس والفوائد، حدث عدل خريطة العالم يومئذ إذ انتقل المسلمون بعدها من الضعف إلى القوة، من الذلة إلى العزة، من الشتات إلى الوحدة، من الدعوة المضطهدة إلى الدولة المنظمة.

مفيد جدا أن نلخص السياق العام الذي وردت فيه الهجرة النبوية، لنفهم بشكل واضح لماذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وهي من أحب البلاد إليهم وانتقلوا إلى المدينة؟

سياق الهجرة النبوية

نبينا عليه أفضل الصلاة بعثه الله في جاهلية جهلاء، فدعا الناس إلى الله تعالى ودلهم على توحيده وعبادته، وبين لهم ما يحبه سبحانه من الأخلاق الفاضلة ونفرهم من الفواحش والرذائل. فما آمن معه في البداية إلا قليل. وما سمح له كبار القوم بتبليغ دعوته، بل حاربوه واضطهدوا أصحابه وأرهبوهم.

لكنه عليه الصلاة والسلام بأمر الله تعالى لم ييأس ولم يتوقف عن تبليغ دعوته ونصرتها، بل استمر في الأخذ بالأسباب والاجتهاد في فتح أبواب أخرى لرسالة الإسلام.... فكانت هجرته الأولى إلى الطائف، فدعاهم إلى الله أياما، وما ترك إنسانا هنالك إلا وكلمه... يطوف عليهم في منازلهم ومجامعهم، ويكلمهم فرادى وجماعات... فما آمن به أحد منهم، بل اتفقوا على الكفر به وإذايته، فأغروا به سفهاءهم وعبيدهم فطاردوه بالحجارة فأدموا جسده الشريف....

وازداد الأمر في مكة شدة وتضييقا، فقرر برلمان المشركين قتل الحبيب المصطفى بتنفيذ مجموعة من الشباب الأقوياء كل واحد من قبيلة، ليتفرق دمه بين القبائل... (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الأنفال.30 فأمر الله نبيه بالهجرة بعد أن سبقته أعداد من أصحابه إلى المدينة المنورة، وذلك ليتمكنوا من عبادة ربهم بحرية والدعوة إلى الإسلام في أمن.

فأعد النبي صلى الله عليه وسلم خطة محكمة لتنفيذ أمر الله تعالى. خطة فيها مهارة التخطيط وبراعة استثمار المعطيات المتوفرة والقدرات المتاحة...

-  فخرج هو وأبو بكر في الظهيرة ومن الباب الخلفي

-  واتجها جنوبا عكس طريق المدينة

-  ومكثا في غار ثور ثلاث ليال حتى يخف الطلب

-  وكان يتلقى التقرير اليومي عن طريق ابن أبي بكر

-  وكان الراعي يمر بطريق الغار ليعفي أثر ابن أبي بكر

-  بعد ذلك أخذا طريقا وعرا غير معروف مستعينين بخبرة مشرك أمين

ومع هذه الخطة المحكمة فقد كان المشركون قاب قوسين أو أدنى من الإمساك بهما فتدخلت عناية الله ومدده فطمس أعينهم. قال تعالى: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة40

الهجرة النبوية والتوكل على الله تعالى

سؤال كبير من المفيد جدا أن أبسطه بين أيديكم لنجعله محور موضوعنا: ألم يكن رب العزة قادرا على نصرة رسوله والمؤمنين به بكلمة واحدة؟ ألم يكن رب العزة قادرا على تدمير المشركين والخسف بأصنامهم؟ ألم يكن رب العزة قادرا على تزويد نبيه بالمال والسلاح وتحقيق الغلبة دون عنت ولا هجرة؟

كلا وألف كلا... لكن رب العزة سبحانه اقتضت حكمته أن يتحقق الخير بالمجهود البشري. أراد الله تعالى أن يعلمنا أن الحياة مؤسسة على العمل والجد والاجتهاد والجهاد والمدافعة والاحتكاك.... لم يقعد عليه الصلاة والسلام في بيته أو في متجره... ثم انتظر صاعقة تنزل أو مَلَكا يتدخل...

وهاهم المسلمون يستسلمون للكسل وللخمول والفجور وللرقص والمجون ومع هذا ينتظرون النصر والعز والرقي والتنمية...

يا مسلما بعرا إسلامه ارتبطا

هلا وفيت بما مولاك قد شرطا

تبغ الجنان بروح القاعدين فدع

عنك المعالي وابغ الخبز والأقطا

ضرورة الأخذ بالأسباب

العمل والاجتهاد والجد والأخذ بالأسباب من أعظم ما أمر الله به في القرآن الكريم والسنة النبوية دعوة صريحة إلى التفاني في بذل الجهد والتمكن من الوسائل وحسن تسخيرها في خدمة الخير.

قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) التوبة 105 ويعجبني دعاء النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام الذي يستعيذ به من معوقات الحركة وعقبات التقدم والفاعلية. ففي الصحيحين عن أنس رضي اللّه عنه قال: كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِك مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبْنِ وَالهَرَمِ وَالبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَماتِ

ولنصرة الخير والعز أمر الله تعالى عباده بإعداد كل ما بإمكانهم من قوة، تربوية وعلمية واقتصادية واجتماعية وعسكرية... فقال: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) الأنفال 60

نماذج فريدة من الأخذ بالأسباب

وقد أمعن القرآن الكريم في بيان ضرورة الأخذ بالأسباب وذلك بتقديم جملة من النماذج الحية البالغة التعبير الداعية إلى فعل الممكن إلى أقصى حد ممكن ثم لا خوف بعد ذلك، فالله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.

وما أحوجنا أيها الإخوة إلى أن نقف على بعض هذه النماذج في زمن كثر فيه الخمول وسادت فيه نفسية التراخي واليأس، وفي الوقت نفسه نجد الناس لا يحسنون سوى سب الزمن ثم الركون إلى الجمود والأحلام.

أولا: الملك الصالح المخلص

لما وجد القائد الصالح قوما ضعافا لا يملكون من أمرهم شيئا وشكوا إليه ياجوج وماجوج، ما كفاهم ذو القرنين شر أولئك الظالمين والغالب أن ذلك بإمكانه، بل طلب منهم الإسهام معه بما يطيقون، وذلك ليعلمهم القيام بالمستطاع والتزود بما هو متاح.

قال تعالى: (ثُمَّ اتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الاَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سُدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) الكهف من 92 إلى .97

فانظر كيف استعمل هؤلاء الطالبين للحماية الأجنبية مُعَلِّما إياهم الاعتماد على الذات والتحرك بدل الانتظارية والاتكالية.

ثانيا: مريم في المخاض

وقال تعالى متحدثا عن واقع مريم البتول حال وضعها لعيسى عليه السلام: (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نِسْيًا مَّنسِيًّا، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) مريم 25 .24 .23

فرغم الحالة الصعبة والضعف الشديد والألم الكبير الذي كانت عليه مريم، فقد أمرها الله تعالى بالاجتهاد في دفع الضرر عن نفسها، ووجهها إلى فعل ما بإمكانها من هزّ جذع النخلة، (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) فتنزل مدد الله وتحلت بركاته سبحانه (تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا).

وما أحسن قول الشاعر:

ألم تر أن الله أوحى لمريم

وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

ولو شاء أدنى الجذع من غير هزه

إليها ولكن كل شيء له سبب

ثالثا: موسى عليه السلام والبحر

لقد عمل موسى منذ بعثه الله تعالى على مواجهة طاغية من أخطر طغاة الأرض، واجتهد ليل نهار، بتوجيه الله تعالى، في دعوة قومه إلى الله وتحريرهم من البؤس والظلم الذي كانوا يرزحون تحته. وانتهت المواجهة بخروج موسى عليه السلام ببني إسرائيل تحريرا لهم من فرعون وجنوده... لكن هذا الأخير جن جنونه فقرر الخروج على إثرهم قصد القضاء النهائي عليهم والتخلص من موسى ودعوته وبشكل نهائي. فأصبح موسى عليه السلام ومن معه بين بحر متلاطم الأمواج أمامهم وفرعون بجنوده خلفهم فكانت المعجزة الربانية. قال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الشعراء من 61 إلى 68

فرغم كل ما بذله موسى عليه السلام فها هو ذا يؤمر في آخر لحظة وعلى عتبات المعجزة يؤمر بفعل شيء ما، حركة ما... (أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ).

عبد الرحمن البوكيلي

Tuesday, 19 September 2017 12:07

الهجرة دروس وعبر

من روعة التربية الربانية لهذه الأمة الخاتمة أن جمع لها: بسط المبادئ والتوجيهات والأحكام، وتقديم النماذج والقدوات البشرية الماثلة التي جسدت تلك المبادئ، بدءا بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم كثير وتاجهم محمد عليه الصلاة والسلام، وكذا نماذج من الصالحين: لقمان، ذو القرنين، مؤمن آل فرعون، أهل الكهف، أصحاب الأخدود وغيرهم، ثم صحابة محمد (صلى الله عليه وسلم) رضي الله عنهم وأرضاهم، كل ذلك لتجتمع للأمة القناعة العقلية والاطمئنان القلبي مع قوة الإرادة وحماسة الفعل والامتثال. وكما جمع لنا ربنا في القرآن لب وجوهر المبادئ والتوجيهات والأحكام، فقد جمع لنا في رسول الله لب الخصال وجوهر القدوة والامتثال، فكانت أقواله وأفعاله وسيرته وإقراراته منارات مضيئة وسرجا منيرة جعلت الطريقة المحمدية محجة بيضاء كلها نور وضياء لا ليل فيها ولا ظلمة ولا اعوجاج ولا حفر ولا منعرجات، ممهدة وميسرة تغني عن كل سبيل وطريق وطريقة.

وما من حدث في السيرة إلا وفيه من العبر والدروس ما يسد حاجات مختلف الأجيال ويزيد، وهذه الهجرة النبوية غنية وخصبة بما شئت من الدروس والعبر، فأرادها الله تحركا بشريا تؤتى فيه أقصى درجات الأسباب الممكنة مع قمة التوكل على الحي الذي لا يموت، وإلا كان يمكن أن تكون مثل معجزة الإسراء والمعراج، فيريح الله نبيه بالبراق في طرفة عين فإذا به عليه السلام بين أحبابه الأنصار من غير قطع للمسافات والقفار.

قمة الوفاء وحرص على أداء الأمانات لأعتى الأعداء

نبدأ بعض تلك الدروس من لحظة الإذن الإلهي لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إثر مؤامرة الذين كفروا من الملإ المكي بدار الندوة وبحضور إبليس في صورة الشيخ النجدي حيث كان القرار بالقتل الجماعي لنبي الرحمة وعزم توزيع دمه بين عشائر قريش، فجاءه الأمر الرباني بأن لا يبيت ليلته في بيته، وهي لحظة رهيبة لا يفكر فيها عادة إلا في السلامة وأسباب النجاة، وإذا بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يكلف ابن عمه علي رضي الله عنه بالمبيت في فراشه عليه الصلاة والسلام ومتدثرا بردائه في "مغامرة" لا يقدم عليها إلا المومنون المتوكلون على الله حق توكله حيث اعتبر موقف علي رضي الله عنه أول فداء من نوعه في الإسلام، ثم يكلفه النبي صلى الله عليه وسلم بأمر عجيب غريب في منطق دنيا الناس، ألا هو أداء أمانات من يخططون لقتله ومن أمعنوا في تعذيب واضطهاد أصحابه وذويه ومن منع المهاجرين من أموالهم، حيث كان له صلى الله عليه وسلم أكثر من مبرر ومسوغ ليأخذ تلك الأموال طيبة بها نفسه ولكن أبى إلا أن يعطي دروسا للأمة في الوفاء والحرص على أداء الأمانات ولو لأشد الأعداء.

دموع الفرح وشدة الحب

ومن تلك الدروس ما حكته عائشة رضي الله عنها عن والدها لما علم بنبأ الرحلة والصحبة، جاء في الحديث الصحيح عن عائِشةَ ، أنَّها قالَتْ : كان لا يُخْطِىءُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يأتِيَ أبي بكرٍ أحدَ طرفَيِ النهارِ : إما بكرَةً ، وإمَّا عشيًّا ، حتى إذا كان اليومُ الذي أذِنَ اللهُ فيه لرسولِهِ في الهجرةِ والخروجِ من مكةَ منْ بينِ ظهرَيْ قومِهِ ، أتانا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالهاجرةِ في ساعَةِ كان لا يأتِي فيها . قالتْ : فلما رآهُ أبو بكرٍ قال : ما جاءَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذِهِ الساعَةِ إلَّا لِأَمْرٍ حدث . فلما دخلَ تأخَّرَ لَهُ أبو بكْرٍ عن سريرِهِ ، فجلَسَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وليس عندَ رسولِ اللهِ أحدٌ إلَّا أنا وأختي أسماءُ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : أخرِجْ عني مَنْ عندَكَ ، قال : يا رسولَ اللهِ ، إِنَّما هما ابنتايَ . وما ذاكَ – فِداكَ أبي وأمي _ قال : إِنَّ اللهَ أذِنَ لي بالخروجِ والهجرةِ . فقال أبو بكرٍ : الصحبةُ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : الصحبَةُ . قالَتْ عائِشَةُ : فواللهِ ما شعَرْتُ قطُّ قبلَ ذلِكَ اليومِ أنَّ أحدًا يبكي من الفرحِ حتى رأيتُ أبا بكر يومئذ يبكي ! ! . ثُمَّ قال : يانبي الله إِنَّ هاتينِ الراحلتينِ كنتُ أعددتُهما لهذا ، فاستأجرا عبدَ اللهِ ابنَ أريقطٍ – وهو مشركٌ – يدلُهما على الطريقِ . ودفعا إليه راحلتَيْهما فكانتا عندَه يرعاهُما لميعادِهما .

فأبو بكر رضي الله عنه نسيج وحده في قمة حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فها هو يبكي لما بشر بأمنيته ومبتغاه في مرافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم، وهيأ الراحلتين، وأخذ جميع ماله معه ولم يترك لأهل بيته شيئا، وحشر أسرته في خدمة رسول الله: ابنه عبد الله يتنقل بين قريش نهارا والغار ليلا يزودهما بالأخبار، وعائشة على صغر سنها تساعد في تهييء الزاد وأسماء تغامر في قطع المسافات، وعبد الله بن فهيرة راعي غنم أبي بكر يمسح آثار أقدام من يساعدون في نجاح الهجرة، ويمر بالغار ليتزود المهاجران من ألبان الغنم، وأثناء سير أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم يسير خلفه تارة وأخرى أمامه خوفا عليه من طلب الأعداء، ويكسح الغار ويأخذ من ثوبه ليسد بها الثقوب والجحور حماية لرسول الله من الهوام وذوات السموم، ويغلق ثقبين متبقيين بقدميه حتى إنه لذغ وغالب دموعه حتى لا يوقظ النبي صلى الله عليه وسلم. ولئن أخفى الموت عنا شخص رسول الله فقد بقي لنا حب سنته وسيرته وآدابه وأحكامه ودعوته ومجمل دينه وكثرة الصلاة عليه، وسؤال رب العزة أن يأتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة.

الوطن غال ودين الحق أغلى

ففي الحديث الصحيح أن عبدالله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه قال: رأيتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، وَهوَ على ناقتِهِ، واقفٌ بالحَزوَرَةِ يقولُ: واللَّهِ إنَّكِ، لخيرُ أرضِ اللَّهِ، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليَّ، واللَّهِ لولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ، ما خَرجتُ" وفيه إشارة إلى أن الهجرة وخروج النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كرها لبلده ولا زهدا فيه ولا بحثا عن بديل يتنعم فيه بمناخ خير من مناخ بلده أو خضرة بعيدا عن صخور مكة الملتهبة، وإنما هو أمر التوحيد والدين والعقيدة والرسالة وهي أغلى من كل وطن حتى ولو كان موطن بيت الله الحرام إذا اختنق بعبادة الأوثان وحال أهله دون إقامة الدين الحق، فالعقيدة أغلى من التراب وما على التراب من الحجر والبشر، فما يختاره الإنسان يكون أسمى مما يعطاه من غير جهد منه ولا سعي، فلا أحد اختار وطنه ولكن كل منا يملك أن يختار دينه وعقيدته ولو بعد حين.

قمة الأخذ بالأسباب مع قمة التوكل على الله

وهذه الهجرة علمتنا درسا بليغا في أخذ الحيطة والحذر وحشر ما يمكن من الأسباب والخبرة البشرية ولو كانت من كافرين، فالناظر في خطتها وطريقها واحتياطاتها يشعر وكأنه لا مجال لإدخال أمور "الغيب والإيمان والتوكل" ونحو ذلك:"تمويه" بإنابة من ينام على الفراش وخروج إلى بيت أبي بكر في غير الوقت المعتاد وأمر بإخراج من في البيت وتوزيع للمهام فالاستخبارات لعبد الله بن أبي بكر والدليل الخريت الماهر بالطريق عبد الله بن أرقط والذي لا يزال على شركه، والتموين للراعي وأسماء مع ضمان محو آثار الطريق، والسير في الاتجاه المعاكس تماما، والتواعد على تلقي الراحلتين بعد ثلاثة أيام حيث يظن هدوء الطلب، ثم أخذ الطريق الساحلي، ومع كل هذا توكل كامل على رب الأسباب، فالنبي صلى الله عليه وسلم يطمئن عليا بأنه لن يصيبه مكروه، وينطلق عليه السلام بين السيوف المشرعة في غير عجلة من أمره بل يتوقف عليه السلام حتى يضع على رأس كل صنديد من صناديد قريش حفنة من تراب، وأبو بكر يرتجف في الغار وهو يسمع قرع نعال المشركين، ويقول لو طأطأ أحدهم رأسأه لرآهما مما يؤكد أنه لم يكن ثمة خيوط عنكبوت أو عش حمام، ونبي الله يقول في كل ثقة وطمأنينة "ما بالك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" وفي ذلك نزل قول ربنا في سورة التوبة:"إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40). 

جود أبي بكر وعفة النبي صلى الله عليه وسلم

ففي كتب السيرة: بعد هدوء الأحوال تلقى عبد الله بن أرقط النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالراحلتين فقدم أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضلهما، وقال اركب فداك أبي وأمي، فقال عليه الصلاة والسلام لا أركب بعيرا ليس لي فقال الصديق هو لك فداك أبي وأمي، فقال المصطفى عليه الصلاة والسلام "لا إلا بالثمن الذي ابتعتها به" أي اشتريتها به. فقال أبو بكر هو كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذتها به، فركبا وانطلقا، وفي صحيح البخاري"قالَ : يا رسولَ اللهِ ، إنَّ عِنْدِي ناقَتَينِ أعْدَدْتُهُمَا للخروجِ ، فَخُذْ إحدَاهُمَا ، قالَ : ( قَد أَخَذْتُهَا بالثَّمَنِ ) .فأي روعة في مثل هذه المواقف حيث يقابل البذل والجود والكرم بالعفة وعدم استغلال المواقف النبيلة والحرص على الاستقلال وعدم التواكل والتنافس في البذل أيضا، فلا غرابة أن نرى مثل هذا السلوك يسري في الصحابة الكرام مثل ما فعل عبد الرحمن بن عوف الذي قابل جود وكرم أخيه الأنصاري الذي عرض عليه اقتسام أهله وماله معه فقال له بارك الله في أهلك ومالك..دلني على السوق.

قمة الأمل ووثوق بالنصر في لحظة خوف وفرار

وفي درس آخر نترك سراقة بن مالك يحكي لنا قصته كما جاءت صحيح البخاري قال:"جاءنا رسل كفار قريش ، يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، دية كل واحد منهما ، لمن قتله أو أسره ، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس بني مدلج ، أقبل رجل منهم ، حتى قام علينا ونحن جلوس ، فقال يا سراقة : إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل ، أراها محمدا وأصحابه ، قال سراقة : فعرفت أنهم هم ، فقلت له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيت فلانا وفلانا ، انطلقوا بأعيينا ، ثم لبثت في المجلس ساعة ، ثم قمت فدخلت ، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي إلى أن يقول: فركبتها ... حتى دنوت منهم ، فعثرت بي فرسي ، فخررت عنها ... فركبت فرسي ... حتى سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات ، ساخت يدا فرسي في الأرض ، حتى بلغتا الركبتين ، فخررت عنها ، ثم زجرتها فنهضت ، فلم تكد تخرج يديها ... فناديتهم بالأمان فوقفوا ، فركبت فرسي حتى جئتهم ، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم ، أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية ، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم ، وعرضوا عليهم الزاد والمتاع ، فلم يرزآني ولم يسألاني ، إلا أن قال : ( أخف عنا ) . فسألته أن يكتب لي كتاب أمن ، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .والراجح أن ما كتب له في الرقعة هو سوار كسرى وتاجه وقد ذكر ابن عبد البر وابن حجر أنه لما أُتي عمر -رضي الله عنه- بسواري كسرى ومنطقه وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، ... وقال له: ارفع يدك، فقال: الله أكبر والحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة الأعرابي". فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفار بدينه والمطارد من قومه يكتب للرجل سوار كسرى وتاجه وعمر يوفي لسراقة بالوعد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وفتح فارس.

الهجرة سلوك متجدد ومحطة للمحاسبة والتقويم

ثم إن المومن يجعل من هذه المناسبة محطة للتفكر والنظر فيما يأتي وما يدع، ويحرص أن يكون له نصيب من أجر وثواب الهجرة، إذ لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، جهاد للنفس لتستقيم على الجادة، وجهاد للباطل ومقاومة مستمرة للفساد والاستبداد والعمل على أن يهجر الناس ما لا يرضاه لنا ربنا في التصورات والعقائد والعادات والسلوك والمعاملات والأحكام والآداب، فالهجرة المعنوية عملية مستمرة في النفس والناس والأوضاع والمؤسسات، هجرة من الشرك إلى التوحيد وهجرة من البدع إلى السنن وهجرة من المعاصي والذنوب إلى الطاعات وفعل الخيرات، وهجرة من المنكر إلى المعروف وهجرة من الظلم إلى العدل ومن الذل إلى العز ومن المهانة إلى الكرامة ومن الضعف إلى القوة ومن التفرق والتشرذم إلى الوحدة والتعاون، فالهجرة تخلية للتفرغ لعملية التحلية والبناء، وإنما كانت الهجرة الأولى لإقامة دين الله وإرساء دعائم الخير والحق، وأي هجران اليوم للكسل والخمول والباطل والفساد إلى الجد والاجتهاد ومعاني الصلاح والإصلاح هو إحياء لمعاني الهجرة في حياة المسلمين، وحلول ذكرى الهجرة في كل عام مناسبة لمحاسبة أنفسنا ومؤسساتنا وجمعياتنا وهيئاتنا على تقدمنا في هذه المعاني في النفس والمجتمع والدولة والأمة فما وجدناه من خير حمدنا الله عليه وما وجدناه من غير ذلك هرعنا إلى التوبة والتصحيح والإستقامة والإبداع في كل خير، وكل مناسبة للهجرة المحمدية وأنتم بخير وعلى خير وإلى خير.

نظمت حركة التوحيد والإصلاح منطقة سيدي سليمان محاضرة تحت عنوان " التدافع القيمي عند حركة التوحيد والإصلاح " في إطار البرنامج التكويني المنطقي أطره الأخ محمد ابراهمي عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح ومسؤول قسم الدعوة فيها.

وقد تطرق فيه إلى مركزية القيم في المشروع الرسالي للحركة، والاعتبارات التي جعلت من قضية القيم تحتل هذه المكانة المركزية لدى حركة التوحيد والإصلاح، والتي حددها في ثلاثة اعتبارات أساسية، هي: الاعتبار المرجعي، والاعتبار الإنساني، والاعتبار الإصلاحي.

كما تطرق في معرض مداخلته لسياقات التدافع في مجال القيم والمتمثلة في الاختلاف في نماذج الرؤية والتفسير لقضيا الوجود إجمالا، وتجليات ذلك وانعكاساته في المشاريع الاجتماعية، كما أشار لسبب آخر يتعلق بالسياق المحلي للتدافع المجتمعي بين الفاعلين في المجتمع حول القضايا ذات البعد القيمي، كما فصل الأخ محمد ابراهمي الحديث في مداخلته عن بعض القضايا القيمية التي انخرطت الحركة في التدافع فيها كالقضية اللغوية، وقضايا الأسرة، والقضايا المتعلقة بتحصين الشباب من الغش والمخدرات والتطرف وترشيد الاستهلاك..، وتطرق في معرض مداخلته لآليات التدافع لدى الحركة، والتي ذكر منها الفعل المدني الجمعوي والعمل البحثي والعلمي والتواصل المجتمعي والإعلامي، والفعل الاحتجاجي، والترافع القانوني.

ولم يفت الأخ الابراهيمي الإشارة لبعض التحديات التي تواجه الحركة في فعلها التدافعي والمتعلقة بمحدودية الحضور في المجالات الإعلامية والفنية... وفي الحاجة لتطوير الأدوات التواصلية والتجديد في المقولات الفكرية.

الإصلاح

الروهينغا أقلية مسلمة تعيش في ميانمار ضمن أقليات عديدة، ويبلغ عدد سكانها نحو مليون ومائة ألف نسمة، ويعيشون في ولاية راخين الساحلية الغربية، وتُحرم هذه الأقلية من الجنسية، وملكية الأراضي، والتصويت، والسفر، ويعانون العبودية على يد الجيش، وقد هرب مئات الآلاف منهم لتايلاند وبنغلاديش التي يرتبطون بها عِرقياً.

وطبقاً لتقارير الأمم المتحدة تجري الآن عملية تطهير عرقي لهؤلاء المسلمين، مما أدى إلى تهجير ما بين 300 و500 ألف شخص من أقلية الروهينعا، وذلك عقب مُضي عقود من الاضطهاد الموجه ضدهم، كان أبرز تجلياته تجريدهم من الجنسية سنة 1982.

وفي آخر فصول هذه المحرقة التي تدور رحاها تجاه مسلمي الروهينغا، أعلنت الأمم المتحدة فرار 270 ألفاً جرّاء "العنف" بإقليم أراكان غربي ميانمار في فترة وجيزة، بعد أن أطلق الجيش حملة قمعية وحشية ضدهم في ظل صمت النظام العالمي ومنظماته الذي يدّعي الدفاع عن الإنسانية!

وذريعة الجيش، وكل جيش غير وطني، ادعاء وجود هجوم شنّه مسلحون على مراكز حدودية، إلا أن بعض شهود العيان أكدوا أنه على امتداد عام كامل، نفّذ الجيش سلسلة عمليات وحشية بحق أقلية الروهينغا التي تسكن في ولاية راخين الساحلية الغربية، ومن بين ذلك تنفيذ عمليات موثقة لإبادة جماعية وحرق وتدمير قرى بأكملها، ولم يرتبط ذلك بعمليات مسلحة.

وقد وصل الأمر الآن إلى منع حكومة ميانمار محققي الأمم المتحدة والجمعيات الإغاثية التابعة لها، ووسائل الإعلام، من الوصول إلى القرى المنكوبة، فيما يتهم الجناح المدني المشارك في الحكم عمال الإغاثة بمساعدة من سمّاهم "الإرهابيين"، واتهمت الزعيمة البورمية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام "أونغ سان سو تشي" بشكل مباشر النساءَ بتلفيق قصص عن العنف الجنسي، الأمر الذي أثار استنكار حقوقيين دوليين طالبوا بسحب جائزة نوبل للسلام منها باعتبارها مشاركة فيما يحدث، رغم إنكارها المتكرر.

وحتى الآن لا يبدو أن ضغط الرأي العام العالمي قادر على إيقاف هذه الجريمة الإنسانية، ولا يبدو أن هناك ضغطاً إقليمياً حقيقياً على الجيش الميانماري وحكومته لإيقاف عمليات الإبادة الممنهجة التي تتم بحق مسلمي الروهينغا.

أقول: كل هذه الإهانات، وأعمال العنف، والتعذيب، والحرق، والإبعاد التي تقع لمسلمي الروهينغا، وما يحدث من مآسٍ في أماكن أخرى من بقاع الأرض للعرب والمسلمين، لم تكن لتحدث لولا الواقع المأساوي الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية الآن، من تشرذم، وتفرّق، واستضعاف، واستكانة للعدو، أدى للتناحر بين الدول ومعاداة بعضها لبعض، وفرض قيود وحصار على مَن يساهم، أو يساعد المسلمين المحتاجين في كل مكان، وإتاحة الفرصة كاملة للعدو الصهيوني؛ لكي يعمل عمله في المنطقة، وينهب خيراتها، ويسلب مقدراتها، بمعاونة ومؤازرة الولايات المتحدة الأميركية، وبعض الدول الغربية.

إذن الواقع أليم ومرير، ففي فلسطين أرض الرباط، يُستباح الأقصى ويُمنع المسلمون من الصلاة فيه، ولا حراك لما يُسمى بالسلطة الفلسطينية، ورئيسها الذي ما فتئ يعمل لصالح إسرائيل.

وحال العراق من سُنة وشيعة وأكراد وتركمان لا يخفى على أحد، وقد تملّكت الطائفية من الدولة ومؤسساتها، وأصبحت الأمور تدار من إيران، بعد التدخل العسكري الأميركي الذي أدى إلى تقسيم العراق.

وفي اليمن، زادت الأزمة واستفحلت بعد انقلاب الحوثيين المدعوم من إيران، ولم يحل التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية المشكلة، بل زادت المآسي والجراح، ووقع عشرات الآلاف من الضحايا، ومثلهم من المصابين، وملايين المشرّدين مع انتشار مرض الكوليرا الذي أودى بالآلاف.

وفِي سوريا، يحصد الجيش العلوي مئات الألوف من شعبها ويهجّر الملايين، ويدمِّر البنية التحية للدولة السورية، كل ذلك بمرأى ومسمع من العالم، وبدعم من روسيا وإيران، بحجة مواجهة ومحاصرة الإرهاب!

وفِي مصر؛ يقع انقلاب عسكري دموي على أول تجربة ديمقراطية تشهدها البلاد منذ عقود، ويُقتل الآلاف، ويُسجن عشرات الألوف، ويطارد الآلاف، ويُهجّر أهل سيناء لخدمة الصهاينة، ويبيع العسكر الأرض مقابل الفتات من المال، ويستنزفون خيرات الدولة المصرية ومقدراتها.

وفي ليبيا، لا يزال الانقسام سيد الموقف، وتدخّل العديد من الدول في الشأن الداخلي أدى إلى امتداد الصراع والتطاحن بين مكوناتها السياسية، وقتل الآلاف دون الوصول إلى حل ناجع للأزمة الليبية.

وجاءت أزمة الخليج لتلقي بظلالها على كل هذه الأزمات، نتيجة لتعنت بعض الدول ضد دولة قطر، وحصارها لتقليم أظافرها، بشكل غير إنساني لم يسبق له مثيل، ولتهيئة الأوضاع لما يُسمى بصفقة القرن، لخدمة الصهاينة.

هل من حلول ممكنة للواقع المرير؟

على الرغم من كل هذه المآسي والتحديات التي تقابل الأمة العربية والإسلامية، وانتشار المناطق الساخنة في ربوعها، وتأجيج الحروب الطاحنة بين أبنائها، بحجة محاربة تنظيم الدولة الذي غُرس في الدول العربية لاستنزاف أموالها، وإهلاك مقدراتها، إلا أنه يمكن إيجاد الحلول التي تقلل على الأقل من حدة المآسي والأوجاع، إن لم تُسهم في إزالتها، وتغيير الواقع إلى ما هو أفضل، من ذلك:

أولاً: على الشعوب العربية والإسلامية أن تعي دورها وتفهم مهمتها، وتسعى إلى نهضتها، برغم القيود التي تكبّلها وتحاصرها من كل جانب، فهذه سنة الله في الأرض أن يكون هناك صراع بين الحق والباطل، فلا يجب الاستسلام لما يخطط لنا.

ثانيًا: أن تعي تلك الشعوب أن الحرية لا توهب ولكنها تنتزع، فحقي في الحرية مثل حق الآخرين، ولا يجب أن أستكين لمن يسلب حريتي، فالحرية هي أثمن ما يملكه الإنسان، ومن ثمّ على كل إنسان أن يسعى لتخليص نفسه من القيود، بقدر استطاعته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

ثالثاً: على الشعوب العربية والإسلامية أن تقرر مصيرها بإرادتها، ولا تسمح لغيرها أن يخطط ويرسم لمستقبلها، أو يسعى إلى تقسيم بلدانها، وإشاعة بذور الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، فبقدر تماسك تلك الشعوب ووحدتها، بقدر مواجهتها للصعاب وتحديها للمشاكل.

رابعاً: على النخب السياسية والفكرية والثقافية والفنية أن تقوم بالدور المنوط بها في توعية الجماهير وشحذ هممهم، والسعي بكل السبل لوضع رؤى وتصورات لحل الأزمات، ونزع الخلافات، بدلاً من المهاترات وتضييع الأوقات، ومعرفة العدو من الصديق.

خامساً: العلماء والحكماء هم ملح البلد كما قال سفيان الثوري: يا معشر العلماء، يا ملح البلد، ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟! أنتم المحرك لروح الأمة النابض، فكونوا على قدر المسؤولية، وقوموا بالدور المنوط بكم، ولا تخذلوا الأمة، فعليكم السعي إلى توحيد صفوف الأمة وجمع كلمتها، والصدع بكلمة الحق، وكشف مخططات الأعداء، وتحذير الأمة من الارتماء في أحضانهم.

قد يظن البعض أن هذه أحلام وأمانٍ لم ولن تتحقق فينا مع هذا الواقع المرير الأليم، مع تغييب الشعوب وإلهائها أقول: يجب ألّا نيأس، فالأمل بعد الله في الشعوب الحية التي تعرف دورها، ولنبذل قصارى جهدنا، كلّ حسب مقدرته واستطاعته، ولنتوكل على الله، فهو حسبنا ونعم الوكيل، ولينصرن الله مَن ينصره.

ولعلّ في الغد القريب تكون هذه الأماني واقعاً نعيشه، بالسعي الحثيث والأخذ بالأسباب، ووحدة الصف وتكاتف الجهود، وشحذ الهمم. والتحرك في الاتجاه الصحيح من علامات التوفيق، والزمن جزء من العلاج، وما ذلك على الله بعزيز.

Tuesday, 19 September 2017 10:36

الهجرة النبوية الشريفة

لقد كانت الهجرة النبوية من مكة المشرفة إلى المدينة المنورة حدثا تاريخيا عظيما، ولم تكنْ كأيِّ حدث، فقد كانت فيصلاً بين مرحلتين من مراحل الدعوة الإسلامية، هما المرحلة المكية والمرحلة المدنية، وإذا كانت عظمة الأحداث تُقاس بعظمة ما جرى فيها والقائمين بها والمكان الذي وقعت فيه، فقد كان القائم بالحدث هو أشرف وأعظم الخلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولا أشرف مكانا وأعظم من مكة والمدينة، وقد غيرت الهجرة النبوية مجرى التاريخ، وحملت في طياتها معاني التضحية والصحبة، والصَّبر والنصر، والتوكل والإخاء، وجعلها الله طريقا للنصر والعزة، ورفع راية الإسلام، وتشييد دولته، قال الله تعالى: { إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }(التوبة:40).

من الدار إلى الغار :

لم تكن قريش تعلم أن الله أذن لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالهجرة إلى المدينة، وبينما هم يحيكون مؤامرتهم كان النبي - صلى الله عليه وسلم ـ قد غادر بيته في ليلة السابع والعشرين من شهر صفر السنة الرابعة عشر من النبوة وأتى إلى دار أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ في وقت الظهيرة متخفّياً على غير عادته، ليخبره بأمر الخروج والهجرة، وخشي أبو بكر أن يُحرم شرف صحبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فاستأذن في صحبته فأذن له، وكان قد جهّز راحلتين استعداداً للهجرة، واستأجر رجلاً مشركاً من بني الديل يُقال له عبد الله بن أُريقط خرّيتا( ماهرا وعارفا بالطريق)، ودفع إليه الراحلتين ليرعاهما، واتفقا على اللقاء في غار ثورٍ بعد ثلاث ليالٍ، في حين قامت عائشة وأختها أسماء ـ رضي الله عنهما ـ بتجهيز المتاع والمؤن، وشقّت أسماء نطاقها نصفين لوضع الطعام فيه، فسمّيت من يومها بذات النطاقين، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ بأن يتخلّف عن السفر ليؤدي عنه ودائع الناس وأماناتهم، وأن يلبس بردته ويبيت في فراشه تلك الليلة .

ثم غادر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ من باب خلفي، ليخرجا من مكة قبل أن يطلع الفجر. ولما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم أن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن، حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور، وقام كل من عبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة وأسماء بنت أبي بكر بدوره .

لا تحزن إن الله معنا :

انطلق المشركون في آثار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه، يرصدون الطرق، ويفتشون في جبال مكة، حتى وصلوا غار ثور، وأنصت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه إلى أقدام المشركين وكلامهم .

يقول أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : ( قلت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا في الغار : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا!، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) رواه البخاري .

ومكث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه في الغار ثلاث ليال حتى انقطع عنهم الطلب، ثم خرجا من الغار ليلة غرة ربيع الأول من السنة الرابعة عشر من النبوة، وانطلق معهما عبد الله بن أريقط (الدليل) وعامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما فكانوا ثلاثة والدليل .

وعلى الجانب الآخر لم يهدأ كفار قريش في البحث وتحفيز أهل مكّة للقبض على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه أو قتلهما، ورصدوا مكافأة لمن ينجح في ذلك مائة ناقة، وقد استطاع أحد المشركين أن يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعيد، فانطلق مسرعاً إلى سراقة بن مالك وقال له : يا سراقة، إني قد رأيت أناساً بالساحل، وإني لأظنّهم محمداً وأصحابه، فعرف سراقة أنهم هُم، فأخذ فرسه ورمحه وانطلق مسرعاً، فلما دنا منهم عثرت به فرسه حتى سقط، وعاد مرة أخرى وامتطى فرسه وانطلق فسقط مرة ثانيةً، لكن رغبته في الفوز بالجائزة أنسته مخاوفه، فحاول مرة أخرى فغاصت قدما فرسه في الأرض إلى الركبتين، فعلم أنهم محفوظون بحفظ الله، فطلب منهم الأمان وعاهدهم أن يخفي عنهم، وكتب له النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاب أمان ووعده بسواريْ كسرى، وأوفى سراقة بوعده فكان لا يلقى أحداً يبحث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أمره بالرجوع، وكتم خبرهم .

وفي طريقهم إلى المدينة نزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه بخيمة أم معبد، فسألاها إن كان عندها شيء من طعامٍ ونحوه، فاعتذرت بعدم وجود شيء سوى شاة هزيلة لا تدرّ اللبن، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم -الشاة فمسح ضرعها بيده ودعا الله أن يبارك فيها، ثم حلب في إناء وشرب منه الجميع ..

وانتهت هذه الرحلة والهجرة المباركة بما فيها من مصاعب وأحداثٍ، ليصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض المدينة المنورة

لقد كانت الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة انطلاقة لبناء دولة الإسلام, وإعزازاً لدين الله تعالى, وفاتحة خير ونصر وبركة على الإسلام والمسلمين، ولذا فإن دروس الهجرة الشريفة مستمرة لا تنتهي ولا ينقطع أثرها, وتتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، ومن هذه الدروس :

دور المرأة في الهجرة :

لمعت في سماء الهجرة أسماء كثيرة كان لها فضل كبير: منها عائشة بنت أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ ، التي حفظت لنا القصة ووعتها وبلغتها للأمة، وأختها أسماء ذات النطاقين، التي ساهمت في تموين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه في الغار بالماء والغذاء، وكيف تحملت الأذى في سبيل الله، كما روى ابن إسحاق وابن كثير في السيرة النبوية أنها قالت: " لما خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر - رضي الله عنه - أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟، قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشاً خبيثاً فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا " .

فهذا درس من أسماء ـ رضي الله عنها ـ تعلمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء، وكيف تقف صامدة أمام قوى البغي والظلم .

الصراع بين الحق والباطل :

صراع قديم وممتد، وهو سنة إلهية قال الله: { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }(الحج: 40)، ولكن هذا الصراع معلوم العاقبة كما قال تعالى: { كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }(المجادلة: 21) . ومكر وكيد أعداء الإسلام بالدعاة والدعوة إلى الله ـ في كل زمان ومكان ـ أمر مستمر ومتكرر، فعلى الداعية إلى الله أن يلجأ إلى ربه، وأن يثق به، ويتوكل عليه، ويعلم أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، كما قال ـ عز وجل ـ: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }(الأنفال: 30) .

التوكل واليقين :

إن المتأمل لحادثة الهجرة والتخطيط لها ، يدرك حسن توكل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ربه، ويقينه أن الله حافظه وناصر دينه، وهذا التوكل لا ينافي أو يتعارض مع الأخذ بالأسباب فقد شاء الله تعالى أن تكون الهجرة النبوية بأسباب عادية من التخفي والصحبة والزاد والناقة والدليل، ولكن لا يعني دقة الأخذ بالأسباب حصول النتيجة دائما، لأن هذا أمر يتعلق بأمر الله ومشيئته، ومن هنا كان التوكل واليقين والاستعانة بالله، لتقتدي به أمته في التوكل على الله ، والأخذ بالأسباب وإعداد العدة .

يقول أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : ( نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا ، فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه؟! ، فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) رواه مسلم . يقول النووي : " وفيه بيان عظيم توكل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى في هذا المقام ، وفيه فضيلة لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وهي من أجَّل مناقبه " .

معجزات على طريق الهجرة :

في هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقعت معجزات حسية، هي من أعلام نبوته، ودلائل ملموسة على فضله ومنزلته، وحفظ الله ورعايته له، ومن ذلك ما جرى له - صلى الله عليه وسلم - مع أم معبد، وما حدث مع سراقة بن مالك ووعده إياه بأن يلبس سواري كسرى، فعلى الدعاة أن لا يتنصلوا من ذكر هذه المعجزات وغيرها ما دامت ثابتة بالسنة الصحيحة ..

أم معبد :

عن قيس بن النعمان ـ رضي الله عنه ـ قال : ( لما انطلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو بكر مستخفيان ، نزلا بأبي معبد فقال : والله ما لنا شاة وإن شاءنا لحوامل، فما بقي لنا لبن، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - أحسبه -: فما تلك الشاة؟، فأتى بها، فدعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالبركة عليها ثم حلب عُسا (قدحا كبيرا) فسقاه ثم شربوا ، فقال : أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ ؟!، قال: إنهم يقولون، قال : أشهد أن ما جئت به حق، ثم قال: أتبعك ؟، قال: لا حتى تسمع أنا قد ظهرنا، فاتبعه بعد ) رواه البزار. وكانت هذه المعجزة سبباً في إسلام أم معبد هي وزوجها .

سُراقة بن مالك :

يصف أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ما حدث مع سراقة فيقول : ( فارتحلنا بعد ما مالت الشمس وأتبعنا سراقة بن مالك، فقلت : أُتينا يا رسول الله ، فقال : لا تحزن إن الله معنا ، فدعا عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فارتطمت به فرسه إلى بطنها ، فقال : إني أراكما قد دعوتما عليَّ ، فادعوَا لي ، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب ، فدعا له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنجا ، فجعل لا يلقى أحدا إلا قال : كفيتكم ما هنا ، فلا يلقى أحدا إلا رده ، قال: ووفَّى لنا ) رواه البخاري .

قال أنس : " فكان (سراقة) أول النهار جاهدا (مبالغا في البحث والأذى)على نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وكان آخرَ النهار مَسْلَحةً له (حارسا له بسلاحه) ".

ومرت الأيام وأسلم سراقة بعد فتح مكّة وحنين، وفتحت بلاد فارس وجاءت الغنائم في عهد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ، فأعطاه عمر سواري كسرى تنفيذًا لوعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال الله تعالى: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى }(النَّجم: 3، 4) .

قال الماوردي : " فمن معجزاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ : عصمتُه من أعدائه، وهم الجمُّ الغفير، والعددُ الكثير، وهم على أتم حَنَقٍ عليه، وأشدُّ طلبٍ لنفيه، وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالطٌ ومكاثر، ترمُقُه أبصارُهم شزراً، وترتد عنه أيديهم ذعراً، وقد هاجر عنه أصحابه حذراً حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليماً، لم يكْلَم في نفسٍ ولا جسد، وما كان ذاك إلا بعصمةٍ إلهيةٍ وعدَه الله تعالى بها فحققها، حيث يقول: { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }(المائدة: من الآية67) فعَصَمَه منهم "..

لقد تركت الهجرة النبوية المباركة آثارا جليلة على المسلمين، ليس فقط في عصر النبوة، ولكنها امتدت لتشمل حياة المسلمين في كل عصر ومصر، كما أن آثارها شملت الإنسانية عامةً، لأن الحضارة الإسلامية التي قامت قدمت ولا زالت تقدم للبشرية أسمى القواعد الأخلاقية والتشريعية التي تنظم حياة الفرد والأسرة والمجتمع، فسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا تُحَّد آثارها بحدود الزمان والمكان، لأنها سيرة القدوة الطيبة والأسوة الحسنة، قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }(الأحزاب:21). ..

منقول

نظمت حركة التوحيد والإصلاح منطقة سيدي سليمان محاضرة تحت عنوان " التدافع القيمي عند حركة التوحيد والإصلاح " في إطار البرنامج التكويني المنطقي أطره الأخ محمد ابراهمي عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح ومسؤول قسم الدعوة فيها.

وقد تطرق فيه إلى مركزية القيم في المشروع الرسالي للحركة، والاعتبارات التي جعلت من قضية القيم تحتل هذه المكانة المركزية لدى حركة التوحيد والإصلاح، والتي حددها في ثلاثة اعتبارات أساسية، هي: الاعتبار المرجعي، والاعتبار الإنساني، والاعتبار الإصلاحي.

كما تطرق في معرض مداخلته لسياقات التدافع في مجال القيم والمتمثلة في الاختلاف في نماذج الرؤية والتفسير لقضيا الوجود إجمالا، وتجليات ذلك وانعكاساته في المشاريع الاجتماعية، كما أشار لسبب آخر يتعلق بالسياق المحلي للتدافع المجتمعي بين الفاعلين في المجتمع حول القضايا ذات البعد القيمي، كما فصل الأخ محمد ابراهمي الحديث في مداخلته عن بعض القضايا القيمية التي انخرطت الحركة في التدافع فيها كالقضية اللغوية، وقضايا الأسرة، والقضايا المتعلقة بتحصين الشباب من الغش والمخدرات والتطرف وترشيد الاستهلاك..، وتطرق في معرض مداخلته لآليات التدافع لدى الحركة، والتي ذكر منها الفعل المدني الجمعوي والعمل البحثي والعلمي والتواصل المجتمعي والإعلامي، والفعل الاحتجاجي، والترافع القانوني.

ولم يفت الأخ الابراهيمي الإشارة لبعض التحديات التي تواجه الحركة في فعلها التدافعي والمتعلقة بمحدودية الحضور في المجالات الإعلامية والفنية... وفي الحاجة لتطوير الأدوات التواصلية والتجديد في المقولات الفكرية.

الإصلاح

في هذا الحوار، استعرض الأستاذ عبد الإله دحمان الكاتب العام للجامعة الوطنية لموظفي التعليم المشاكل التي لازلت تعاني منها الأسرة التعليمية وملفاتها التي لازالت عالقة، والتي تؤثر بشكل كبير على العملية التعليمية، كما وضح في حوار خص به  "موقع الإصلاح" الإجراءات التي اعتمدتها الوزارة في الدخول المدرسي الحالي والتي لم تتجاوز أعطاب المدرسة العمومية.

أجرى الحوار : س.ز – الإصلاح

1 - كيف ترى نقابتكم الدخول المدرسي لهذه السنة ؟ وماهي انتظاراتكم  ؟    

انطلق الموسم الحالي على وقع الاحتقان بسبب وجود مجموعة من  الملفات  العالقة حيث الحوار القطاعي لم يكن بالمردودية التي بإمكانها امتصاص غضب نساء ورجال التعليم ، وعموما  أجزم أن وزارة التربية لا زالت خارج المقاربة التشاركية في عهد حصاد بحيث ما تعيشه الساحة التعليمية من احتقان كان يمكن التغلب عليه بمزيد من الإنصات والحوار، أقصد الحوار المسؤول الذي يبحث عن الحلول وعلى التوافقات لفك الحصار عن الكثير من الفئات التي لا زالت تعاني من موقعها الوظيفي ووضعيتها المهنية والإدارية ، وما كان لهذا الدخول المدرسي أن يكون مرتبكا بالنظر إلى التباين الحاصل بين ما سطر في المذكرات وبين واقع الحال لو تمت الإجابة لمطلب تصفية جملة من القضايا والفئات المتضررة من قبيل  ملف المساعدين التقنيين والمساعدين الإداريين وضحايا النظامين والمكلفين خارج إطارهم الأصلي ومسجوني السلم التاسع وملف الترقية بالشهادة ومسلك الإدارة والإدارة التربوية وملف الدكاترة والمبرزين وغيرها من الملفات المرتبطة بحسم وضعيات نساء ورجال التعليم وتصفية المشاكل العالقة من أجل التفرغ لمباشرة الملفات الكبرى، ضبط ومنهجية الحوار القطاعي ومأسسته والتسريع بإخراج وحسم ورش النظام الأساسي للشغيلة التعليمية، لذا تقييمنا الأولي يذهب إلى أن وزارة حصاد أخطأت المدخل الحقيقي للاستقرار في المنظومة ألا وهو المصالحة مع الشغيلة التعليمية وحل مشاكلها وإنصافها، أما انتظاراتنا فهي التعجيل بتصفية مجمل قضايا نساء ورجال التعليم من أجل التفرغ لمواجهة أعطاب النظام التربوي، لأن تسوية مشاكل الشغيلة التعليمية هو المدخل الأساس لولوج مرحلة تنزيل الاصلاح. 

2 - ماهي أهم الخطوات التي تعتزم النقابة القيام بها كشريك للوزارة لتدبير دخول جيد ؟

لابد من إقرار حقيقة أن وزارة حصاد قفزت على الإشراك في مواجهة أعطاب المدرسة العمومية واتخذت قرارات انفرادية لا تلامس جوهر الإشكالات المطروحة والتي يمكن التغلب عليها بشكل جماعي على اعتبار التربيّة والتكوين شان مجتمعي ينبني على التوافق ولا يمكن لأي سلطة مهما كانت قدرتها ان تقرر فيه لوحدها، لذلك لو السلطة التربوية انفتحت على شركائها كان يمكن تجاوز الكثير من الاختلالات المسجلة مع الدخول المدرسي الحالي، ونحن كنقابات تعليمية صبرنا بِما يكفي ولا يمكن ان نستوعب في جلسات استماع مارطونية لا تفضي الى معالجة حقيقية للمشاكل التي تتخبط فيها المدرسة المغربية والأسرة التعليمية ، إذ في حالة عدم تجاوب الوزارة الوصية مع مطالبنا فسنكون مضطرين بمعيّة التنسيق النقابي إلى تغيير استراتيجية التعامل مع الوزارة الوصية ورفع سقف النضال بما يضمن الحقوق ويبقى المخرج من هذه الورطة التي عمرت في صلب العلاقة مع السلطة التربوية وعمقتها، اعتماد مقاربة للشأن التعليمي عبر إجراء  حوار قطاعي وفق الرؤية المنصوص عليها في مراسلة رئيس الحكومة أي ربط الحوار القطاعي بالحوار المركزي من أجل تجاوز العراقيل التي نواجهها مع بعض القطاعات الحكومية .

3 - كيف ترى الجامعة إجراءات وزير التعليم الجديدة؟  وهل يمكن أن تساهم في إصلاح المنظومة التربوية وبالتالي تسهم في نجاح الموسم ؟

المغرب جرب وصفات كثيرة للإصلاح وإصلاح الإصلاح هل تعتقدون وصفة حصاد قادرة على حل الأزمة، منهجيا منطق التدبير والتعامل مع الإصلاح وادارته لن يتغير وحصاد لا زال سجين مقاربة تقنوية انتقائية تعتمد على تسليط الضوء على بعض القضايا التدبيرية اليومية دون النفاذ إلى عمق وكنه المعضلات التي تعيشها المنظومة التربوية التكوينية، ثم أي إصلاح مهما تم التوافق على خططه وإطاره العام ما لم يتم إنجاز تعبئة حقيقية داخل الأسرة التعليمية وإشراكها بشكل مسؤول  في تنزيل الاصلاح وهو ما يستلزم تصفية مشاكلها باعتبارها مدخلا ورافعة للإصلاح، ثم لا بد من تنويع مداخل الاصلاح التربوي اذ الملاحظ منذ الخمسينيات إلى الآن استمرار إلارتهان الى المدخل القطاعي في مقابل مدخل الجودة أو الحكامة مثلا .

فالنظام التربوي المغربي تعتريه  مظاهر التردي وهي ليست جديدة، حيث غذا الاصلاح في حاجة إلى الإصلاح وتعددت مبادراته وتكررت ولم لم تخرجه من أزمته البنيوية  بل زادت من تفاقم وتعمق مظاهر الأزمة. كما أن هذا القطاع  كما يروج في النقاش العمومي كان ضحية منظور رسمي يهدف إلى تكريس منظور نخبوي يضرب مجانية التعليم وجودته ومحاصرة الفكر النقدي في مقابل منظور منشود مجتمعيا يحقق العدالة في ولوج التعليم وقادر على دمقرطته ومحافظ على مجانيته باعتباره خدمة عمومية ، مما سيجعل النظام التربوي في قلب معادلة الصراع العام في المجتمع، وبالتالي انقاد المدرسة في حاجة توافق مجتمعي ينهي الصراع حول المدرسة ووظائفها وعلاقتها بمجتمعها .

وهنا اسمحوا لي أن أسجل أن جملة من الإجراءات التي يتم تنزيلها بعيدة عن مقتضيات الرؤية الاستراتيجية بل هناك دينامية استباقية لفرض واقع تعليمي قد يعرقل أي تنزيل للقانون الإطار ويضرب روح الالزامية فيه خصوصا فيما يتعلق بتدريس اللغات وتضخيم حجم وامتداد اللغة الفرنسية داخل النظام التربوي والتمكين لها وجعلها لغة تدريس العلوم في قفز تام على المقتضيات الدستورية في هذا الإطار وعلى دور اللغة الأم في تثبيت أركان الهوية الوطنية والمشترك الوطني مما يهدد الأجيال المستقبلية في علاقتها بالوطن في ظل التحديات الأمنية والتحولات القيمية ومقتضيات الانتماء .

4 - هل لديكم ملاحظات حول الدخول المدرسي الحالي ؟ 

يجب عدم تضخيم حزمة التعليمات التي رافقت الدخول المدرسي ولم تستطع إضفاء التميز عليه بالمقارنة مع المواسم الفارطة، ثم لمعرفة مدى نجاعة هذه الإجراءات في تجاوز أعطاب الدخول المدرسي التي تتكرر عند بداية كل موسم دراسي فلابد من الوقوف عند ما التزمت به السلطة التربوية من التزامات في الوثائق المرجعية المنظمة للدخول المدرسي والتساؤل عن مدى احترامها وإنجازها، وهنا لابد أن ننوه بالعمل الجبار الذي قامت به الادارة التربوية التي اعتكفت طيلة العطلة الصيفية من أجل إنجاز المطلوب منها والذي لم يكن جديدا أو خارقا  بل أطر الادارة التربوية كانوا دائما في صلب إنجاح الدخول المدرسي، هذا الأخير هو ضحية للمتابعة الإعلامية المكثفة والمخدومة التي واكبته والتي لم تكن متوفرة في الماضي، وللإجابة عن مدى قدرة الإجراءات  المنصوص عليها في مقرر تنظيم الدراسة والمذكرة 60 /17 والبرنامج متعدد السنوات من تجاوز اختلالات الدخول المدرسي، فلابد من الوقوف عند المنجز منها وهنا نسجل دون تبخيس للجهد المبذول، أن هذا الدخول المدرسي تجاوز أشكالية الاكتظاظ بشكل نسبي لكن ليس بشكل ينهي الأزمة لأن ما توفر من متعاقدين (35 الف متعاقد ومتعاقدة ) لا يمكن توفره في المستقبل بالنظر إلى تطور منسوب تعميم التعلم وإحداث التعليم الأولي عدم وضوح الرؤية حول منهاج السنوات الأربع الأولى للتعليم الابتدائي ، عدم الخصاص في الأطر الإدارية حيث مؤسسات تعليمية بدون مدراء بل ومديريات إقليمية وحتى جهوية ، نقص في تعميم بعض المواد خصوصا في الإعدادي، استمرار النقص والعجز الحاصل في تجهيزات المختبرات بمؤسسات الثانوي التأهيلي، استمرار مشكل التوجيه لحد الساعة، أين تفعيل الإطار المرجعي للتعليم الأولي ؟ أين تكوين أطر التعليم الأولي وعدتهم الديداكتيكية ؟ كيف سيتم تطوير تدريس اللغة العربية بالسنة أولى ابتدائي ؟ وبأي معايير سيتم إدراج الفرنسية في السنة أولى ابتدائي ؟ وبأي منظور شفهي ؟ غياب بعض الكتب المدرسية ؟ ما العمل في طبع كميات كبيرة من كتب مدرسية تم تجاوزها بقرار فردي ؟ ما الذي تم في عملية الإعداد لمراجعة البرامج والتوجهات البيداغوجية والأطر المرجعية للامتحانات ...... هذه وغيرها من الملاحظات التي نعتبرها التزامات لم تحقق وبالتالي هو دخول عاد تحت أشعة الإعلام المحابي.

 

Garanti sans virus. www.avast.com

تميز الحفل الذي نظمت لجنة العمل الشبابي فرع زيز الزيتون لحركة التوحيد والاصلاح منطقة مكناس بعد عصر يوم الاحد 10 شتنبر 2017م بمقرها في حي الانارة مكناس بتقديم هدايا وشواهد تقديرية لمجموعة من شباب الحركة بالفرع والذين نالوا الدرجات الاولى في مستوياتهم الدراسية وكذا تكريم بعض أطر الحركة الذين كان لهم الدور الكبير في خدمة شباب الفرع.

الحفل الذي يأتي هذه السنة في نسخته الثانية عرف مجموعة من الفقرات الفنية الابداعية المميزة بعد عرض لابرز انشطة شباب الفرع ،و لاقت استحسانا كبيرا من الحضور ،والذي بلغ عدده حوالي 120 شابا وشابة من مختلف الاعمار.

و تنوعت الفقرات المقدمة والتي منها المسرح والسكيتش والإنشاد ولوحة الظل وغيرها من الأعمال الفنية الهادفة التي عبر من خلالها الشباب في الفرع عن طاقات وقدرات عالية اشاد بها الحضور.

received 1484801248252911

يذكر أن الكلمات الافتتاحية التي انطلق بها الحفل ،"حفل التفوق والابداع " كما سماه المنظمون، اشادت بعد الافتتاح بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم بمجهودات شباب الفرع والمشهود لهم برصيد كبير من التربية والأخلاق، كما دعت باقي الشباب الحاضرين لاغتنام فرصة شبابهم لترك بصمة يذكرون بها عند كبرهم واختتم النشاط بعد اربع ساعات من انطلاقه بشكر الجميع وبالدعاء.

محمد طاهيري

أعلنت عدة هيئات مغربية خروجها للاحتجاج بمجموعة من المدن، غدا الجمعة وبعد غد السبت، تنديدا بالمجازر التي ترتكبها سلطات ميانمار ضد مسلمي الروهينغا بإقليم أراكان، والتي خلفت آلاف القتلى والمشردين، حيث أعلن كل من الائتلاف المغربي للتضامن الذي يضم مجموعة من الفعاليات، والمبادرة المغربية للدعم والنصرة، والهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، تنظيم وقفات تضامنية بالرباط والدار البيضاء ومدن أخرى.

وستخرج غدا الجمعة، وقفات تضامنية مع لاجئي الروهينغا في أزيد من7 مدن، تحت شعار “جمعة الغضب”، ويتعلق الأمر بمدن تطوان، طنجة، وجدة، أكادير، تازة، بركان، إضافة إلى الرباط والدار البيضاء.

ودعا بلاغ للائتلاف المغربي للتضامن، ساكنة البيضاء إلى المشاركة القوية في الوقفة التضامنية مع المشردين والنازحين من الأطفال والنساء من مسلمي الروهينغا، وذلك يوم السبت على الساعة السابعة بساحة الأمم المتحدة، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تأتي “تضامنا مع مسلمي الروهينجا المعرضين لحرب الإبادة الجماعية على يد جيش مينامار العنصري، وأمام الصمت الدولي على جرائم الإنسانية في حق شعب مسلم أعزل”.

وفي نفس الصدد، دعت كل من الهيئة المغربية للنصرة قضايا الأمة والمبادرة المغربية للدعم والنصرة، لوقفة شعبية بالرباط ضد مجازر ميانمار ضد مسلمي الروهينغا، معلنة استنكارها “بحرب الإبادة الجماعية لمسلمي الروهينجا المرتكبة من طرف قوات جيش مينامار والتي خلفت مجازر ومذابح فظيعة وتشريد الآلاف من الأبرياء خاصة الأطفال والنساء والشيوخ، وذلك يوم الجمعة على الساعة السابعة مساء أمام البرلمان بالرباط.

وكانت هيئات إسلامية مغربية، قد دخلت على خط المجازر التي ترتكبها في حق مسلمي الروهينغا، حيث راسلت حركة التوحيد والإصلاح الأمين العام للأمم المتحدة تضمن دعوة إلى اتخاذ إجراءات ملموسة وعاجلة لوضع حدّ لهذه الانتهاكات، داعية مجلس الأمن الدولي لتشكيل لجنة تحقيق لتوثيق هذه الجرائم وتقديم الجناة أمام المحكمة الجنائية الدولية.

كم طالبت المبادرة الطلابية ضد التطبيع والعدوان من الحكومة المغربية التدخل لإدانة عمليات الإبادة الجماعية وبذل كل المساعي للتعجيل بإغاثة مسلمي الروهينغا، كما دعت جماعة العدل والإحسان، جميع دول العالم خاصة الدول الإسلامية، إلى التحرك العاجل والضغط من أجل إيقاف هذه المأساة.

ومنذ 25 غشت المنصرم، يرتكب جيش ميانمار حملة عنف غير مسبوقة ضد مسلمي الروهينغيا في أراكان.

ولا تتوفر إحصائية واضحة بشأن ضحايا تلك الإبادة، لكن المجلس الأوربي للروهينغيا أعلن، في 28 غشت الماضي، مقتل ما بين ألفين و 3 آلاف مسلم في هجمات جيش ميانمار بأراكان خلال 3 أيام فقط، بينما قالت الأمم المتحدة إن نحو 146 ألف شخص من مسلمي الروهينغيا لجأوا إلى بنغلاديش.

المصدر : العمق المغربي