محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض أوجبه الله تعالى على كل مسلم ومسلمة ، فقد قال تعالى : {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ {.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين". [البخاري]

لماذا نحب النبي صلى الله عليه وسلم ؟

موافقة مراد الله تعالى في محبته

لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أحب الخلق إلى الله تعالى فقد اتخذه خليلا وأثنى عليه ما لم يثن على غيره كان لزاما على كل مسلم أن يحب ما يحب الله وذلك من تمام محبته سبحانه

مقتضى الإيمان

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينا أن من مقتضى الإيمان حب النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله وتوقيره "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين". [البخاري]

مميزات النبي صلى الله عليه وسلم

فرسول الله صلى الله عليه وسلم أ شرف الناس وأكرم الناس وأطهر الناس وأعظم الناس

شدة محبته صلى الله عليه وسلم لأمته وشفقته عليها ورحمته بها 

كما وصفه ربه { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم { ولذلك أرجأ استجابة دعوته شفاعة لأمته غدا يوم القيامة

بذل جهده صلى الله عليه وسلم الكبير في دعوة أمته:

دلائل محبته صلى الله عليه وسلم ومظاهر تعظيمه

تقديم النبي صلى الله عليه وسلم على كل أحد

قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم{

وقال سبحانه { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين{

سلوك الأدب معه صلى الله عليه وسلم

  • الثناء عليه والصلاة والسلام عليه لقوله تعالى { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما {
  • التأدب عند ذكره بأن لا يذكره مجرد الاسم بل مقرونا بالنبوة أو الرسالة كما قال تعالى } لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا {
  • الأدب في مسجده وكذا عند قبره وترك اللغط ورفع الصوت
  • توقير حديثه والتأدب عند سماعه وعند دراسته وكان مالك إذا أراد أن يجلس (أي للتحديث) توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، وتطيّب، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقّر به حديث رسول الله.

وكان سعيد بن المسيب وهو مريض يقول أقعدوني فإني أعظم أن أحدث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع

تصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به

عن عائشة - رضي الله تعالى عنها- قالت:

لما أسري بالنبي إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به، وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقالوا : هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس ؟ قال : أو قال ذلك ؟ قالوا : نعم ، قال : لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا : أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح ؟ قال : نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوه أو روحه، فلذلك سمي أبو بكر الصديق (السلسلة الصحيحة للألباني)

اتباعه صلى الله عليه وسلم وطاعته والاهتداء بهديه:

قال تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم {

والاقتداء به صلى الله عليه وسلم من أكبر العلامات على حبه:

قال تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا {

الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم

وقد سطر الصحابة أروع الأمثلة وأصدق الأعمال في الدفاع رسول الله وفدائه بالأموال والأولاد والأنفس في المنشط والمكره كما قال تعالى { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون {

والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أنواع نذكر منها :

1 - نصرة دعوته ورسالته بكل ما يملك المرء من مال ونفس ....

2 - الدفاع عن سنته صلى الله عليه وسلم :بحفظها وتنقيحها وحمايتها ورد الشبهات عنها .

3 - نشر سنته صلى الله عليه وسلم وتبليغها خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بذلك في أحاديث كثيرة كقوله" فليبلغ الشاهد الغائب " وقوله "بلغوا عني ولو آية "

نماذج من محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

علي ابن أبي طالب ونومه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم

ليلة أن أراد المشركون قتله :

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يخبر عن علي رضي الله عنه : " شرى علي نفسه ، ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم نام مكانه ، وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبسه بردة ، وكانت قريش تريد أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعلوا يرمون عليا ، ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد لبس بردة ، وجعل علي رضي الله عنه يتضور ، فإذا هو علي فقالوا : إنك للئيم إنك لتتضور ، وكان صاحبك لا يتضور ولقد استنكرناه منك " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (المستدرك على الصحيحين للحاكم)

وسئل علي بن أبي طالب كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم

فقال : كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ

صور من محبة أبي بكر.

لقد خاض الرسول صلى الله عليه وسلم في سبيل نشر الدعوة المباركة حرباً شرسة دائمة مع الكفار ، وأخذت الدعوة المحمدية تغزو معاقل الشرك وتجتث عروش المشركين ، فقابلها الكفار بمحاولة إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والتعرض له في كل مكان حتى أنه لم يسلم من إيذائهم حتى وهو قائماً يصلي في محرابه ، وكان المسلمون يدافعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينافحون عنه ، ويبذلون أنفسهم فداء له :

عن عروة بن الزبير قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم } (صحيح البخاري)

عن عبد الله بن أبي مليكة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور فجعل أبو بكر يكون أمام النبي صلى الله عليه وسلم مرة وخلفه مرة فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر كما أنت حتى أدخل يدي فأحسه وأقصه فإن كانت فيه دابة أصابتني قبلك قال نافع فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم  (مرسل و له شواهد – البداية و النهاية)

عن البراء بن عازب ، قال : جاء أبو بكر رضي الله عنه، إلى أبي في منزله ، فاشترى منه رحلا، فقال لعازب : ابعث ابنك يحمله معي ، قال : فحملته معه ، وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له أبي : يا أبا بكر، حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : نعم أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد ، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل ، لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانا بيدي ينام عليه ، وبسطت فيه فروة، وقلت : نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك ، فنام وخرجت أنفض ما حوله ، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا ، فقلت : لمن أنت يا غلام، فقال : لرجل من أهل المدينة أو مكة ، قلت : أفي غنمك لبن ؟ قال : نعم ، قلت : أفتحلب، قال : نعم، فأخذ شاة، فقلت : انفض الضرع من التراب والشعر والقذى، قال : فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأخرى ينفض، فحلب في قعب كثبة من لبن ، ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله ، فقلت : اشرب يا رسول الله، قال : فشرب حتى رضيت، ثم قال : ( ألم يأن الرحيل ) . قلت : بلى ، قال : فارتحلنا بعد ما مالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، فقلت : أتينا يا رسول الله، فقال : ( لا تحزن إن الله معنا ) . فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتطمت به فرسه إلى بطنها - أرى - في جلد من الأرض - شك زهير - فقال : إني أراكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلا قال : كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدا إلا رده، قال : ووفى لنا . (صحيح البخاري)

ولقد أوذي أبو بكر  وحُثي على رأسه التراب، وضرب في المسجد الحرام بالنعال، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحمل إلى بيته في ثوبه وهو مابين الحياة والموت فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لمّا اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر  على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنَّا قليل. فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرق المسلمين في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فكان أوّل خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضرباً شديداً، ووطئ أبو بكر وضرب ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرِّفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر t، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تميم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحَمَلت بنو تميم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تميم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة (والده) وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فمسّوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه. فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر سألك عن محمد بن عبد الله. فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دَنِفاً، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوماً نالوا منك لأهل فسق وكفر إنني لأرجوا أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلاشيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم. قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: فأكب عليه رسول الله فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورقّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة فقال أبو بكر : بأبي وأمي يارسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وأدع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت(السيرة النبوية لابن كثير – البداية و النهاية)

عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما كان عام الفتح ونزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذا طوى قال أبو قحافة لابنة له كانت من أصغر ولده : أي بنية أشرفي بي على أبي قبيس وكان قد كف بصره فأشرفت به عليه … فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : هلا تركت الشيخ في بيته حتى آتيه ، فقال يمشي هو إليك يا رسول الله أحق أن تمشى إليه وأحله بين يديه ثم مسح على صدره فقال : أسلم تسلم ثم قام أبو بكر … (إسناده صحيح – الإصابة)

اجتمع جعفر وعلي وزيد بن حارثة فقال جعفر أنا أحبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال علي أنا أحبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال زيد أنا أحبكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نسأله قال أسامة فجاءوا يستأذنونه فقال اخرج فانظر من هؤلاء فقلت هذا جعفر وعلي وزيد ما أقول أبي قال ائذن لهم فدخلوا فقالوا يا رسول الله من أحب إليك قال فاطمة قالوا نسألك عن الرجال قال أما أنت يا جعفر فأشبه خلقك خلقي وأشبه خلقك خلقي وأنت مني وشجرتي وأما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنا منك وأنت مني وأما أنت يا زيد فمولاي ومني وأحب القوم إلي (إسناده حسن)

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني قال فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال استقد قال فاعتنقه فقبل بطنه فقال ما حملك على هذا يا سواد قال يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له استو يا سواد (اسناده حسن – الألباني)

عن أسيد بن حضير - رجل من الأنصار - ، قال : بينما هو يحدث القوم ، وكان فيه مزاح ، بينما يضحكهم ؛ فطعنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في خاصرته بعود ، فقال : أصبرني ، قال : اصطبر ، قال : إن عليك قميصا وليس علي قميص ! فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قميصه، فاحتضنه وجعل يقبل كشحه ، قال : إنما أردت هذا يا رسول الله ! . (إسناده جيد- مشكاة المصابيح)

روي ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت‏:‏ قال أبو بكر الصديق‏:‏ لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكنت أول من فاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيت بين يديه رجلاً يقاتل عنه ويحميه، قلت‏:‏ كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، ‏حيث فاتني ما فاتني، فقلت‏:‏ يكون رجل من قومي أحب إلي‏‏ فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا طلحة بين يديه صريعاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏(‏دونكم أخـاكم فقـد أوجب‏)‏، وقد رمي النبي صلى الله عليه وسلم في وَجْنَتِهِ حتى غابت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجنته، فذهبت لأنزعهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة‏:‏ نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، قال‏:‏ فأخذ بفيه فجعل ينَضِّـضه كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استل السهم بفيه، فنَدَرَت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر‏:‏ ثم ذهبت لآخذ الآخر، فقال أبو عبيدة‏:‏ نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، قال‏:‏فأخذه فجعل ينضضه حتى اسْتَلَّه، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخري، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏‏(‏دونكم أخاكم، فقد أوجب‏)‏، قال‏:‏ فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع عشرة ضربة ‏.‏ وفي تهذيب تاريخ دمشق ‏:‏ فأتيناه في بعض تلك الحفار فإذا به بضع وستون أو أقل أو أكثر، بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه‏.‏

أخرج أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال : " يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري " فبكى معاذ جزعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولم يكن خوفهم من فراقه يقتصر على الدنيا بل تعداه إلى خشيتهم من فراقه في الآخرة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وأهلي وولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين فإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزل جبريل هذه الآية { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين }  (رجاله موثوقون – ابن حجر العسقلاني)

نزل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف وكان المغيرة بن شعبة يدعى أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أخذت خاتمي فألقيته وقلت إن خاتمي سقط من يدي لأمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون آخر الناس عهدا به  (إسناده حسن – مجمع الزوائد)

وهذه سيدتنا أم عمارة تباشر القتال في أحد، وتذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف، وترمي بالقوس حتى خلصت الجراح إليها، تعرض نفسها للسيوف والنبال..امرأة تقف صامدة مقاتلة خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويوم حنين، تقف سيدتنا أم سليم تتحدى الأعداء بخنجرها بعد أن انهزم المسلمون.. مستعدة للقتال والذود عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

عن ابن شماسة المهري  حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلا وحوله وجهه إلى الجدار . فجعل ابنه يقول : يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ؟ قال فأقبل بوجهه فقال : إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . إني قد كنت على أطباق ثلاث . لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني . ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته. فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار . فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : ابسط يمينك فلأبايعك . فبسط يمينه . قال فقبضت يدي . قال " مالك يا عمرو ؟ " قال قلت : أردت أن أشترط، قال " تشترط بماذا ؟ " قلت : أن يغفر لي . قال " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله ؟ " وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه . وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له . ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه . ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها . فإذا أنا مت ، فلا تصبحني نائحة ولا نار فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور  ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم  وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي . (صحيح مسلم)

كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ، فقال له عمر : يا رسول الله ، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ، والذي نفسي بيده ، حتى أكون أحب إليك من نفسك ) . فقال له عمر : فإنه الآن ، والله ، لأنت أحب إلي من نفسي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الآن يا عمر ) . (صحيح البخاري)

و روي أن  بلالا ما  استطاع أن يؤذن بعد موت الرسول صلى الله عليه و سلم : قام بلال   ليؤذن، قام ليؤدي مهمته التي كلفه بها رسول الله ، وبدأ بلال يؤذن: الله أكبر.. الله أكبر.وقال: أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن لا إله إلا الله، ولكن أتت قاصمة الظهر، أتت المعضلة التي لا يستطيع بعدها أن يتكلم ولو بكلمة واحدة، قال: أشهد أن محمداً.. ولم يستطع أن يكمل، بكى بكاءً شديداً، بكى المؤذن اختنق صوته، لم يستطع أن يكمل، فنزل  ورمى بجسمه على الأرض وحضر الصحابة ليشاهدوا ذلك المنظر، منظر المؤذن وهو ملقى على الأرض، يبكي بكاء الثكلى.

مالك يا بلال، قال: لا أؤذن.

أتاه أبو بكر الخليفة: قال مالك؟ قال لا أؤذن لأحد بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام،

و رأى بلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بداريا يقول له ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني  (إسناده جيد – الشوكاني)

 و لما حضرته الوفاة قالت امرأته وهو يموت وامصيبتاه وامصيبتاه. فقال لها: بل قولي وا فرحتاه غداً ألقي الأحبة محمداً وصحبه

عن أم عبد الرحمن بنت أبي سعيد ، عن أبيها أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه يوم أحد فتلقاه أبي مالك بن سنان فلحس الدم عن وجهه بفمه، ثم ازدرده ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سره أن ينظر إلى من خالط دمي فلينظر إلى مالك بن سنان " (المستدرك على الصحيحين للحاكم)

عن عبد الله بن الزبير أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم فلما فرغ قال يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراه أحد فلما برزت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدت إلى الدم فحسوته فلما رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ما صنعت يا عبد الله قال جعلته في مكان ظننت أنه خاف عن الناس قال فلعلك شربته قال نعم قال ومن أمرك أن تشرب الدم ويل لك من الناس وويل للناس منك (رجال البزار رجال الصحيح غير هنيد بن القاسم وهو ثقة‏ - الهيثمي)

 وفي رواية ابن كثير كان النبي صلى الله عليه وسلم قد احتجم في طست فأعطاه عبد الله بن الزبير ليريقه فشربه فقال له لا تمسك النار إلا تحلة القسم وويل لك من الناس وويل للناس منك وفي رواية يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهريقه حيث لا يراك أحد فلما بعد عمد إلى ذلك الدم فشربه فلما رجع قال ما صنعت بالدم قال إني شربته لأزداد علما وإيمانا وليكون شيئا من جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم في جسدي وجسدي أولى به من الأرض فقال أبشر لا تمسك النار أبدا وويل لك من الناس وويل للناس منك ( روي من غير وجه)

قصة قتل زيد بن الدثنة : قال ابن إسحاق (4/ 126) : اجتمع رهط من قريش ، فيهم أبو سفيان بن حرب ؛ فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل : أنشدك الله يا زيد ، أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه ، وأنك في أهلك ؟ قال : والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه ، وأني جالس في أهلي . قال : يقول أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمدٍ محمدا

أخرج ابن إسحاق: عن سعد بن أبي وقاص قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها، وأخوها، وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين.

قالت: أرونيه حتى أنظر إليه.

قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل.

جزاء محبة النبي صلى الله عليه وسلم

روى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:

أَنَّ أَعْرَابِيَّا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَتَىَ السَّاعَةُ ؟

قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟"قَالَ: حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ.قَالَ: "أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ". قال أنس فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الإسلام بشيء ما فرحوا به.‏ فنحن نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نستطيع أن نعمل كعمله فإذا كنا معه فحسبنا.

عبد الرحيم بن بوشعيب مفكير

السبت, 17 تشرين2/نوفمبر 2018 15:43

رسول الله إنا نحبك (مطوية)

"رسول الله إنا نحبك"، عنوان مطوية من تنفيذ الأستاذة نعيمة بنونة مسؤولة فرع كاليفورنيا منطقة عين الشق الدار البيضاء، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف.

وقد صدرت الأستاذة نعيمة للمطوية بالآية الكريمة "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، حيث اختارت وصفا من أوصافه في كتاب الله "سراجا منيرا"، فأبرزت هذا الوصف في كل مناحي حياته، في إيمانه وعبادته، وشجاعته، وتضحيته، وأخلاقه..

ثم ركزت على حبنا لرسول الله، من خلال نماذج من حب أصحابه رضي الله عنهم له، ومن خلال معرفته والاقتداء به، واتخاذه أسوة والصلاة عليهم في كل وقت وحين.

الإصلاح

 

 

 

 

mat1

 

mat2

السبت, 17 تشرين2/نوفمبر 2018 15:35

التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين وعلى التابعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مباركا مرحوما واجعل تفرقنا من بعده سالما موفقا من الشر معصوما ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا معنا شقيا ولا محروما

قال ربنا عز وجل :"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"، ولا شك أن الاطلاع على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يعين على معرفة تطبيقه صلى الله عليه وسلم وتنزيله الوحي الذي أنزله الله عليه لأنه سيكون ذلك التطبيق معيارا مشاهدا لنا على حسن التأسي وعلى اختيار أفضل ومحاولة السير عليه، حسب الاستطاعة طبعا، وبوب أصحاب الحديث في جزء من هذه السيرة باب معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وآله، وباب معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك نذكر الحديث في البخاري المعروف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في أمر كان بينه وبين زوجته أو ابنته، فدخل على النبي فوجده نائما على حصير وقد أثر على جنبه فجال ببصره في البيت فرأى قلة المتاع الموجود في بيت رسول الله صلى الله عليه وجد أمورا بسيطة، فأثر المشهد في نفسه وبكى وأنساه ذلك ما جاء من أجله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك؟ قال تذكر كسرى وقيصر وما هم فيه من النعيم ورأيت حالك فبكيت لذلك لشدة العيش التي أنت فيه، فأجابه الرسول بكلمته المشهورة ما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة، فنبهه بأن الحالة الحسنة التي يرجوها لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعيم إنما ستكون يوم القيامة عند الله عز وجل في جنات النعيم، ولهذا ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت إذا أكلت مرة وشعبت وأكلت طعاما لينا وشهيا وشبعت تقول لا أشاء أن ابكي إلا بكيت وتذكر حينما تتذكر حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يشبع من خبز نقي أو كما قالت، ورب قائل يقول لعل ذلك كان في أول الأمر كان المال قليلا وكانت المعيشة ضيقة، وهذا الأمر ليس استنتاجا منطقيا لأن أهل الحديث مرة أخرى بوبوا كما فعل ابن حبان بوب في صحيحه أن هذه الحالة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت اختيارا منه وليست اضطرارا وهذا قوله، وإلا فنحن نعلم أن الله عز وجل قد فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه ولم تكن حالة الفقر أو حالة قلة يد دائما وإنما كان الله يفتح عليه وكان يتصدق بالمال الكثير، فقد تصدق على أعرابي بقطيع من الغنم حينما جاءه يطلب منه مالا  فقال له اذهب إلى الوادي وسق الغنم فكاد عقل الأعرابي أن يطير ويطيش من الفرح فذهب إلى قومه وقال لهم اسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولهذا فإن تلك الحالة كانت اختيارية لعدم التوسع في المباحات، وذكر ابن عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم وفضله عقد بابا لهذا الغرض وذكر فيه أقوالا كثيرة للسلف الصالح، ومما ذكره أن الصحابة رضي الله عنهم زوى الله عن أكثرهم الدنيا بمعنى أن أكثرهم كانوا متوسطي الحال أو قليلي الحال ومنهم أغنياء أو من جمعوا المال إلا قلة وهذه القلة قد اشتهروا بالإنفاق وكثرة الإنفاق، فلو جمعوا الدنيا ما جمعوا إنما لأجل أن يتقربوا بها من الله سبحانه وتعالى وقصص عثمان بن عفان رضي الله عنه في الإنفاق كثيرة وشهيرة، فهذا النظر في حال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه في عمومه وفي خلاصته وقد كان الرسول يرشدهم وينظرون منهم يعطينا هذه الصورة التي ينبغي أن نتأمل فيها خصوصا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر في حديث رواه الترمذي وابن حبان وغيره أن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال، وهذا من الأحاديث التي فيها إخبار بحقيقة تقع وهي واقعة ونحن نرى الناس يتقاتلون ويتصارعون ويتهافتون على هذا المال فهذا مصداق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا على المؤمن ألا يسقط في حب جمع المال والدنيا في هذه الفتنة التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا شك أن المال الصالح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم المال الصالح للرجل الصالح، لا شك أنه نعمة من الله سبحانه وتعالى إن أخذ في حله وأنفق في حله، والله تعالى يقول :"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، وقال أحد السلف الصالح "نعم العون على الدين اليسار" يعني سعة المال والرزق، ولكن كل هذا لا ينبغي أن يجعلنا ننساق مع أحد وجهي الصورة فلا بد من نوع من الجمع بين النصوص وبين الوقائع حتى نخرج بالحال التي مات عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واستقروا عليها، ولهذا حينما أورد الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين، حينما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حال رجل فقاله له إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فقد كان الرجل ذا مال ولكن لا يبدو عليه ذلك، النووي رحمه الله بوب على هذا الحديث بقوله باب التوسط في اللباس ولا شك أن التبويب فيه فقه ذلك أن إظهار نعمة الله على العبد ينبغي أن يكون محكوما بالتوسط لا بالتوسع في ذلك إلى درجة أن يخرج إلى الطرف الأخر، وذكر ابن بر في كتابه أن المسلمين أجمعوا على فضيلة الزهد في الدنيا والرغبة عنه لكنهم لم يجمعوا على الإقبال عليها وهذا يدل أن الأمر هو التوسط، والإمام الداودي رحمه الله عنده كتاب الأموال عقد في أخره بابا في المفاضلة بين الفقر والغنى أيهما أفضل الفقر مع الصبر أو الغنى مع الشكر، وجلب الأقوال في ذلك عن السلف ثم خلص إلى أن الراجح من ذلك هو الكفاف وهذه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي كان يسألها وقد ورد في الحديث أنه كان يسال الكفاف، لأن وجود الفقر مع الصبر ليس دائما وكم من فقير لا يصبر ووجود الشكر مع الغنى أيضا ليس بلازم فكم من غني لا يشكر، فلذلك يسأل الإنسان ربه الكفاف والعفاف والغنى عن الناس كما ورد في الدعاء، والاطلاع على هذا الأمر وقراءته في سيرة النبي والصحابة يعرفنا أكثر على حياتهم وعلى معيشتهم خصوصا وأنهم القدوة لنا في العلم والدين والدعوة والجهاد وفي الاجتهاد في طاعة الله عز وجل وكل هذا يعيننا على معرفة الصورة التي كانوا عليها ويجنبنا أخذ جزئيات النصوص وجزئيات الأحوال ومما ليس عليه الغالب الأعم، وهذا كان شأن العلماء رحمهم الله تعالى، كانوا يكسبون مما رزقهم الله تعالى من المال وكانوا يقبلون الهدايا والصلات مادام ذلك بريئا من أي غرض، وقد حكى القاضي عياض عن الإمام المالك ان الخليفة المهدي العباسي حينما ذهب ليحج ومر بالمدينة أرسل إلى الإمام مالك مع رسول له ب2000 دينار أو 3000 دينار وهي ثروة هائلة وقدم له الهدية وهي هدية الخليفة فأخذها الإمام مالك ثم قال للجارية يا جارية احفظي هذا المال في مكان فاني رأيت في وجه رسول الخليفة  شيئا منكرا ووراء هذا المال أمر، فحج المهدي ورجع إلى المدينة وأرسل رسوله مرة أخرى إلى الإمام مالك يقول له إن الخليفة يريدك أن ترافقه إلى بغداد فنادى الإمام مالك على الجارية يا جارية احضري المال فأحضرته فرده إلى رسول الخليفة وقال هاهو المال على حاله ففهم رسول الخليفة ما يريده مالك وأصر أن يبقى المال عنده لكن الإمام مالك رفض ورد له المال لأنه أحس أن المال رشوة مقابل شيء ما، ولهذا كان رحمهم الله يقبلون المال مما أفاء الله عز وجل عليهم بشرط ألا يكون ذلك قادحا في دينهم أو وراءه مطمع في علمهم أو وجاهتهم، فلهذا يحتاج الأمر إلى أن نطلع عليه وكتب العلماء في هذا كثير وهو مما يحيي ذاكرتنا في تلك السيرة التي كانوا عليها رحمهم الله.

وحينما نتكلم عن الفقر فهو ليس مطلوبا في حد ذاته وفي الدعاء نقول "ونعوذ بك من الفقر" ولكنه قدر من أقدار الله تعالى يجريها على من شاء الله على عباده كما أن الغنى قدر يجريه الله على عباده وليس هو مذموما في ذاته وإنما يطلب من الإنسان أن يخرج من هذه الحالة بكسب أو يسال الله عز وجل من فضله، ولكن إن وقع وكان كذلك ما عليه إلا أن يصبر ويحتسب ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث ذكر ما فيه نوع من العزاء والمواساة لهؤلاء الفقراء الذين أعيتهم الحيلة أن يكسبوا أكثر مما يسكبون والله عز وجل قسم الأرزاق بين الناس ففي الحديث روى الإمام أحمد والترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليم وسلم ذكر فيه أن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة، أو بنصف يوم كم ورد في بعض الألفاظ، فلا شك أن هذا الكلام فيه نوع من المواساة لهم والحال أنهم لا يستطيع  بعضهم أن يخرج من هذه الحالة وهذا نوع من العزاء لهم ونوع من الفضل ولعله فضل معلل ذلك أن الأغنياء عندهم ما يحاسبون عليه ولكن الفقير لن تجد عنده شيئا مما يحاسب عليهم ولهذا يدخلون الجنة قبل الأغنياء وطبعا لا بد أن يكون مؤمنا.

خلاصة الأمر من رزقه الله مالا حلالا ووسع الله عليه فيذلك فيجب عليه الشكر وأن يجود مما أعطاه الله حتى يكون الصحابة والسلف الصالح الذين فتح الله عليهم فتحوا يدهم بالخير، وأما من قدر عليه رزقه فعليه أن يتحلى بالصبر وعليه أن يجتهد بان يرزقه الله تعالى أكثر، ومن رزقه الله الكفاف فليرض بتلك الحالة التي رضي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعيار في كل هذا إلا يأكل الإنسان إلا حلالا ولا يقصد إلا إلى حلال وأن يبتعد عن الشبهات في الكسب فالأمر يحتج للورع يروى أن أحد الناس جاء إلى الحارث المحاسبي رحمه الله يستفتيه في أمر في الوضوء فقال له إني أغسل وجهي مرارا ولا أثق أني أتممت هذا الركن فقال له ما أحسن هذا الوسواس لو كان فيما تأكل وتشرب لو كان هذا الوسواس يأت يكفي اللقمة التي تضعها في فيك وهل هي حلال أو حرام أو شبهة لكان هذا أحسن لك من هذا الوسواس الذي يقع لك في وضوءك وطهارتك وهو طبعا ينبهه إلى أن الأولى بالانتباه هو هذا الأمر أما الأخر فيحتاج إلى أن يعرض عليه فان الوسواس في الطهارة غير محمود.

نسال الله عز وجل أن يوفقكم لكل خير أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والحمد لله رب العالمين.

الدكتور محمد السائح

السبت, 17 تشرين2/نوفمبر 2018 15:23

تاريخ الاحتفال بذكرى المولد في المغرب

هناك شبه إجماع على أن نشأة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في المغرب، كانت مع أمير سبتة أبي العباس العزفي السبتي(ت 633) الذي ألف كتاب " الدر المنظم في مولد النبي المعظم" وأكمله من بعده ابنه أبو القاسم العزفي(ت 677)، وفي هذا الكتاب إشارة واضحة إلى أن العزفيين أول من احتفل بهذه الذكرى. وكان من دواعي تأليف هذا الكتاب، ظهور الحاجة إلى الاحتفال بالمولد النبوي بعد أن شاع لدى بعض المغاربة والأندلسيين مشاركتهم جيرانهم المسيحيين الاحتفال بأعيادهم، كعيد النيروز يوم فاتح يناير، والمهرجان أو العنصرة يوم 24 يونيو، وميلاد المسيح يوم 25 دجنبر، وقد أقر العزفي ببدعية هذا الاحتفال، لأنه لا عهد للسلف الصالح رضوان الله عليهم به، لكنه أدخله في البدع المستحسنة، مستندا إلى تعليق الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على تراويح رمضان بقوله: " نعمت البدعة هذه" (1)  وقد استطاعت حملة أبي العباس العزفي " أن تؤتي ثمارها، فتحقق له هدفه من إقلاع مسلمي الأندلس والمغرب عن الاحتفال بعيد الميلاد المسيحي، وإن لم تقض تماما على بعض الأعياد الأخرى التي لم يكن لها طابع ديني واضح".(2)

وقد تأكد حضور هذا النقاش في مصادر متنوعة، أخص منها بالذكر، كتب النوازل والفتاوي التي تحوي عشرات الإجابات، والتي أسوق منها ـ على سبيل المثال لا الحصرـ ما أورده الونشريسي(3) في معياره يقول: " وسئل الولي العارف بالطريقة والحقيقة أبو عبد الله بن عباد رحمه الله ونفع به، عما يقع في مولد النبي صلى الله عليه وسلم من وقود الشمع وغير ذلك لأجل الفرح والسرور بمولده عليه السلام.

فأجاب: الذي يظهر أنه عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكل ما يقتضيه الفرح والسرور بذلك المولد المبارك، من إيقاد الشمع وإمتاع البصر، وتنزه السمع والنظر، والتزين بما حسن من الثياب، وركوب فاره الدواب أمر مباح لا ينكر، قياسا على غيره من أوقات الفرح، والحكم بأن هذه الأشياء لا تسلم من بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود، وارتفع فيه علم العهود، وتقشع بسببه ظلام الكفر والجحود، ينكر على قائله، لأنه مقت وجحود. وادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمان، ومقارنة ذلك بالنيروز والمهرجان، أمر مستثقل تشمئز منه النفوس السليمة وترده الآراء المستقيمة "  

كما أورد الونشريسي(4) كلاما للشيخ ابن مرزوق(ت781)، ارتأينا سرده في هذا السياق للوقوف على صورة من صور الحِجاج الذي واكب مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي في الغرب الإسلامي.  وهو في موضوع: إيثار ليلة المولد على ليلة القدر. 

قال ابن مرزوق: " في جنا الجنتين في شرف الليلتين ": سمعت شيخنا الإمام أبا موسى بن الإمام رحمة الله عليه وغيره من مشيخة المغرب، يحدثون فيما أحدث في ليالي المولد في المغرب، وما وضعه العزفي في ذلك، واختاره وتبعه في ذلك ولده الفقيه أبو القاسم وهما عن الأيمة، فاستصوبوه واستحسنوا ما قصده فيها والقيام بها، وقد كان نقل عن بعض علماء المغرب إنكاره، والأظهر في ذلك عندي، ما قاله بعض الفضلاء من علماء المغرب أيضا، وقد وقع الكلام في ذلك فقال ما معناه: لا شك أن المسلك الذي سلكه العزفي مسلك حسن، إلا أن المستعمل في هذه الليلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والقيام بإحياء سنته، ومعونة آله، ومساهمتهم وتعظيم حرمتهم، والاستكثار من الصدقة وأعمال البر، وإغاثة الملهوف، وفك العاني، ونصر المظلوم، هو أفضل مما سوى ذلك مما أحدث، إذا لا يخلو من مزاحم في النية، أو مفسد للعمل، أو دخول الشهوة، وطريق الحق معروف، ولا أفضل في هذه الليلة مما ذكرناه من أعمال البر والتكثير من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليحظى المستكثر منها ببعض ما ورد في فضلها.

وتجمع المصادرعلى أن أول ملك مغربي احتفل بالمولد النبوي هو السلطان الموحدي عمر المرتضى المتوفى عام 665 هـ، وقد كان لهذا السلطان اهتمام زائد وحرص شديد على إقامة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، حيث أمر بتوقيف العمل فيه، لتمكين الناس من المشاركة في تظاهرات هذا العيد، وليعبروا عن مدى حبهم وتفانيهم في النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أشهر من تغنوا بمراسيم هذا الاحتفال الشاعر مالك بن المرحل وذلك بقوله:

                    فحق لنــا أن نعتنـي بــولاده           ونجعل ذلك اليوم خير المواسم

                    وأن نصل الأرحام فيه تقربا           ونغدو له من مفطرين وصائـم

                     ونترك الشغل إلا بطـــــاعة           وما ليس فيـه من مــلام ولائــم

وسيتكرس الاحتفال بالمولد النبوي بشكل رسمي مع المرينيين، الذين أولوا هذه المحطة السنوية اهتماما بالغا سيتوج بصدور مرسوم ملكي سنة 691هـ يقضي بجعل المولد النبوي من الأعياد الرسمية. ويحدثنا العلامة ابن مرزوق، الذي خص أبا الحسن المريني بمؤلف جمع فيه شمائله وأخلاقه ومناقبه سماه "المسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن"(5) بأن أبا الحسن المريني دأب على إقامة ليلة المولد حضرا وسفرا، ولا يشغله عن إقامته شاغل، لدرجة أنه كان يعاقب كل من يتخلف عن الاحتفال، في أي مكان كان به. وأنه كان يستعد لها بما لذ من ألوان المطاعم والحلويات، وإحضار أنواع الطيب والبخور، وإعداد المجالس بما يلزم من الزينة والتأنق. حتى إذا حلت الليلة، وفرغ السلطان من أداء صلاة المغرب ونافلتها، حضر إلى مكان الاحتفال، واستدعى الناس للجلوس حسب مراتبهم وطبقاتهم، وبعد تناول ما لذ من أنواع الطعام... استوت المجالس وساد الصمت لسماع حصة القرآن الكريم، ثم تأتي حصة الإنشاد، ثم نوبة قصائد المديح والتهاني بليلة المولد الكريم ... وبعد هذا تسرد المعجزات النبوية وتكثر الصلاة على الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهي من أعاجيب ما يرى في بلاد المغرب، فإذا قضيت صلاة الصبح تقدم ألوان الطعام المختصة بهذا الوقت .

كما أن أبا عنان وأبا سالم و أبا فارس الأول أبناء أبي الحسن ساروا بسيرة أبيهم في هذا الصدد، حيث أدخلوا تحسينات بديعة على ليالي المولد زادت من رونقها وجلالها، وكان أبو عنان قد عمم هذا الاحتفال وجعله في سلك رسوم الدولة،  وكان يقدم ضمن صلة تلك الليلة دينارا ذهبيا من وزن مائة دينار يَسُكه بمراكش.

أما في عهد السعديين، فقد حظي الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بصور جليلة من التعظيم الكبير والاهتمام البالغ اللذين بلغا أوجهما مع أحمد المنصور الذهبي الذي حرص على الإشراف على الاحتفال بهذا اليوم في قصره البديع. وقد خلد الفشتالي(6) وصفا مستفيضا للطريقة التي كان يتم بها هذا الاحتفال، بقوله: " كان ترتيب المنصور فى الاحتفال بالمولد النبوى الكريم أنه إذا طلعت طلائع شهر ربيع الأول، صرف الرقاع إلى الفقراء أرباب الذكر على رسم الصوفية والمؤذنين النعارين فى الأسحار، فيأتون من كل جهة، ويحشرون من سائر حواضر المغرب" ... " ثم يأمر الشماعين بتطريز الشموع وإتقان صنعتها، فيتبارى فى ذلك مهرة الشماعين... فيصوغون أنواعا من الشمع التى تحير النواظر ولا تذبل زهورها النواضر. فإذا كان ليلة المولد، تهيأ لحملها وزفاف كواعبها الصحافون المحترفون بحمل خدور العرائس عند الزفاف، فيتزينون لذلك ويكونون فى أجمل شارة وأجمل منظر"... "ويجتمع الناس من أطراف المدينة كلها لرؤيتها، فيمكثون إلى حين يسكن حر الظهيرة، وتجنح الشمس للغروب، فيخرجون بها على رؤوسهم كالعذارى يرفلن فى حلل الحسن، وهى عدد كثير كالنحل، فيتسابق الناس لرؤيتها وتمتد لها الأعناق وتبرز ذوات الخدور، ويتبعها الأطبال والأبواق، وأصحاب المعازف والملاهى، حتى تستوي على منصات معدة لها بالإيوان الشريف فتصف هنالك"... "فإذا طلع الفجر، خرج السلطان فصلى بالناس. وقعد على أريكته وعليه حلة البياض شعار الدولة، وأمامه تلك الشموع المختلفة الألوان، من بيض كالدمى، وحمر جليت فى ملابس أرجوان، وخضر سندسية، واستحضر من أنواع الحسك، والمباخر ما يلهي المحزون ويدهش الناظر، ثم دخل الناس أفواجا على طبقاتهم، فإذا استقر بهم المجلس تقدم الواعظ فسرد جملة فى فضائل النبى صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، وذكر مولده ورضاعه، وما وقع فى ذلك باختصار"... "فإذا فرغ اندفع القوم فى الأشعار المولديات، فإذا فرغوا تقدم أهل الذكر المزمزمون بكلام الششترى وأشعار الصوفية، ويتخلل ذلك نوبة المنشدين للبيتين، فإذا فرغوا من ذلك كله، قام شعراء الدولة فيتقدم قاضى الجماعة الشاطبى: بلبل منابر الجُمَع والأعياد فينشد قصيدة يفتتحها بالتغزل والنسيب، فإذا تم تخلص لمدح النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم يختم بمدح المنصور والدعاء له ولولى عهده، فإذا قضى نشيده تقدم الإمام المفتى المولى أبو مالك، عبد الواحد الشريف فينشد قصيدته على ذلك المنوال، فإذا فرغ تلاه الوزير أبو الحسن علي بن منصور الشيظمى ثم تلاه الكاتب أبو فارس عبد العزيز الفشتالى ويليه الكاتب محمد بن على الفشتالى ويليه الأديب محمد بن على الهوزالى النابغة، ويليه الأديب الفقيه أبو الحسن على بن أحمد المسفيوى"..."فإذا طوى بساط القصائد، نُشر خوان الأطعمة والموائد، فيبدأ بالأعيان على مراتبهم، ثم يؤذن للمساكين فيدخلون جملة، فإذا انقضت أيام المولد الشريف برزت صلات الشعراء على أقدارهم، هكذا كان دأبه فى جميع الموالد، ولا يحصى ما يفرغ فيه من أنواع الإحسان على الناس". 

أما زمن الدولة العلوية، فيصف ابن زيدان(7) طريقة احتفال بعض ملوكهم بهذه المناسبة فيقول: " تقيم الجلالة السلطانية حفلات شائعة ومهرجانات فائقة في ليلة عيد المولد، وستة أيام ابتداء من يوم العيد... ومما جرت العادة بإنشاده في تلك الليلة: البردة والهمزية للبوصيري، يبدأ بالبردة ثم الهمزية ويتخلل ما بينهما بالألحان والتوشيحات... وبعد ختم الأمداح النبوية يتلى ما وقع اختيار السلطان عليه من القصائد الواردة على حضرته من شعراء دولته من سائر أصقاع إيالته في مدح جنابه الكريم". كما تميز هذا الحفل الديني عندهم أيضا بقراءة كتاب الشفا للقاضي عياض وصحيح الإمام البخاري. 

هذه إذن عملية مسح سريعة لمظاهر الاحتفال بهذه الذكرى الجليلة، وقد اختصرنا في بسط مادتها تيسيرا لعرضها ضمن هذا الملف، وقد فصلنا في المسألة في كتابنا الذي أعددناه للنشر(8)، والذي نظن أنه سيمكن المهتمين إن شاء الله من الإحاطة بكل ما يتعلق بهذه الظاهرة.

المراجع :

[1] ـ  أخرجه الإمام مالك في الموطأ

 [2] ـ المولد النبوي والمولديات ص 125

 [3] ـ أبو العباس أحمد بن يحي الونشريسي: المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب ـ نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية ـ خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف الدكتور محمد حجي ـ 1401/ 1981 11 ص 278 / 279

 [4] ـ  نفسه: ج 11 ص280 / 283

[5] ـ ابن مرزوق، المسند الصحيح في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن، تحقيق ماريا خ. بيغيرا، الجزائر، 1981.

 [6] ـ  أبو فارس عبد العزيز الفشتالي:مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا دراسة وتحقيق: د. عبد الكريم كريم. ص: 236-238 ـ مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافية ـ الرباط 1972

[7] ـ ابن زيدان: العز والصولة، ج 1، ص.  172. و173

 [8[ ـ المديح النبوي في الغرب الإسلامي ألوان وأعلام

ذ. مولاي أحمد صبير الإدريسي

تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء أمس الجمعة، بأغلبية كبيرة ثمانية قرارات ضد "إسرائيل"، منها سبعة لصالح فلسطين وتؤكد حقوق شعبها، في حين تعلق القرار الثامن بضرورة انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من هضبة الجولان السورية التي احتلتها عام 1967.

ويشدد القرار الأول -المتعلق بهضبة الجولان السورية- على ضرورة انسحاب "إسرائيل" من الهضبة التي احتلتها عام 1967، وتبنته العديد من الدول.

وحصل مشروع القرار على تأييد 151 دولة مقابل اعتراض دولتين، هما الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وامتناع 14 دولة عن التصويت.

وأمّا القرارات السبعة الأخرى التي تم اعتمادها، فتتعلق بالقضية الفلسطينية، وحصل الأول منها -الخاص بتقديم المساعدة الدولية للفلسطينيين- على أغلبية 161 صوتًا مقابل اعتراض دولتين وامتناع ثمانية دول عن التصويت.

في حين حصل قرار خاص بالنازحين الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة بموجب القوانين الدولية، على تأييد 155 صوتًا، واعتراض خمس دول، وامتناع عشر دول عن التصويت.

وحصل القرار الثالث المتعلق بأهمية الدور الذي تقوم به وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) على أغلبية 158 دولة، واعتراض خمس دول، وامتناع سبع عن التصويت.

كما حصل القرار الرابع الخاص بممتلكات الشعب الفلسطيني على تأييد 155 صوتًا واعتراض خمس دول وامتناع عشر عن التصويت، في حين حصل قرار خامس خاص بعدم مشروعية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة على موافقة 153 دولة واعتراض خمس دول وامتناع عشر عن التصويت.

أما القرار السادس المتعلق بممارسات إسرائيل وتداعياتها على حقوق الإنسان الفلسطيني، فقد حصل على موافقة 153 دولة واعتراض ست دول وامتناع تسع عن التصويت.

وحصل القرار السابع الخاص بأحقية الشعب الفلسطيني في الحصول على حماية دولية، على أغلبية 154 دولة واعتراض خمس دول وامتناع عشر عن التصويت.

وتم التصويت على القرارات في أكثر من جلسة على مدار يوم الجمعة، وكان يتم عد الحضور قبل التصويت في كل قرار، ولذلك اختلف عدد الحضور من جلسة لأخرى.

المصدر : وكالات

الثاني عشر من ربيع الأول ذكرى خالدة في نفوس كل المسلمين، ولأنها ترتبط بميلاد خير البرية فالمسلمون بصفة عامة والمغاربة بصفة خاصة يقيمون فيها، مجموعة من الطقوس الاحتفالية، فمنهم من يجعلها مناسبة للتسوق والتزيين، وآخرون يحرصون على زيارة الأضرحة في ذلك اليوم، وحضور مواسم الشموع التي تقام للأولياء، ومنهم أيضا من يحرص على حضور مجالس المديح والسماع، وآخرون يحرصون على التشبث بالعبادة والإكثار من الصلوات، وهناك كذلك من يجعلها فرصة للتعرف أكثر على خلقه عليه الصلاة والسلام من خلال حضور الندوات التي تعقد في مختلف مساجد المملكة، فما هي أهم الطقوس الاحتفالية التي تقوم بها بعض الأسر المغربية لتخليد ذكرى المولد النبوي الشريف؟ وما هي الطريقة المثلى لتخليد الذكرى دون الوقوع في المحظور؟ موسم الشموع يحرص العديد من المغاربة على زيارة الأضرحة في مثل هذه المناسبات وخاصة في ذكرى المولد النبوي التي تختلط عند البعض ببعض طقوس الشعوذة فينحرف بذلك المسلم عن الغاية المبتغاة من إحياء ذكرى المولد النبوي.

ولا تخلو ذاكرة المغاربة من مثل هذه الاحتفالات التي تخلد كل سنة موكب الشموع ولعل أكبره على الإطلاق هو موسم سيدي حسون الذي يقام كل سنة بمدينة سلا، وقد أصبح تعظيم الاحتفال عند البعض مرتبط بتعظيمه لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف. وتتخلل احتفالات موسم الشموع أشكالا تعبر عن البهجة بحلول ذكرى مولد سيد الأنام تتعدد فيه ألوان الفرح والعشق الصوفي. وذلك بإقامة الاحتفالات بالزاوية الحسونية طيلة أسبوع من شهر ربيع الأول تخليدا لذكرى مولد الرسول الكريم، يتم خلالها إخراج هياكل الشموع، التي احتفظ بها طوال السنة في ضريح مولاي عبد الله بن حسون، شهرا قبل حلول العيد لترسل إلى منزل صانع الشمع بمدينة سلا من أجل زخرفتها والتفنن فيها من جديد.

وينطلق الاحتفال بعد صلاة عصر اليوم الحادي عشر من ربيع الأول، ويتولى حمل الشموع رجال يسمون بـ الطبجية بزيهم التقليدي تصحبهم أجواق الموسيقى على إيقاع الطبول. ثم يتم التوجه إلى دار الشرفاء حيث يقام حفل تقليدي تحضره النساء والأطفال بأزيائهن التقليدية، لينتقل بعد ذلك إلى ضريح سيدي ابن حسون الذي تعلق به الشموع. وبعد الطواف يقام حفل عشاء بدار الشرفاء يحضره جميع المشاركين في الحفل، ثم يلتحق الحضور بعد ذلك بزاوية مولاي عبد الله بن حسون لمتابعة رقصة الشمعة على نغمات الموسيقى الأندلسية والأمداح النبوية. وفي اليوم الموالي تقام مسابقة في تجويد وحفظ القرآن الكريم تليها محاضرة دينية، وفي اليوم السادس يقام حفل خاص بالذكر الصوفي، وفي اليوم السابع يتم بدار الشرفاء حفل إعذار اليتامى وأبناء المعوزين فيما تقام بالزاوية الحسونية حفلة تسمى الصبوحي لإطعام المعوزين وعائلاتهم. مجالس الذكر وبمناسبة تخليد ذكرى المولد النبوي الشريف يحرص الكثير من المغاربة على حضور ليالي المديح والسماع التي تقام في مختلف المجالس العلمية عبر مدن المغرب، حيث تتغنى الفرق الإنشادية بحب الرسول الكريم، وتهدف هذه المجالس إلى التذكير بأخلاق النبي الكريم وبشمائله وجمع المسلمين في أماكن خاصة للذكر، كما تقام بنفس المناسبة دروس دينية تتناول في مجملها سيرته عليه الصلاة والسلام، إضافة إلى أن بعض المجالس العلمية تحرص على إجراء مسابقات في حفظ وتجويد القرآن الكريم، حيث تكون هذه الذكرى مناسبة للمزيد من الاهتمام بالسيرة النبوية والتشجيع على المزيد من العبادات وتلاوة القرآن الكريم، ويتجه بعض الناس إلى الاعتكاف في المساجد أو في منازلهم، وعلى أداء أكبر قدر ممكن من الصلوات، كما أن منهم من يحيي ليلة المولد النبوي كإحيائه لليلة السابع والعشرين من رمضان، إذ يحرص فيها على الدعاء وكثرة الصلوات والذكر.

احتفالات وحرصا منها على إعطاء هذه الذكرى صبغة متميزة تحرص بعض الأسر المغربية على جعل ذكرى المولد النبوي عيدا كباقي الأعياد الدينية، وتجعل منها مناسبة للتسوق وشراء ملابس جديدة للأطفال والكبار، ويتميز صباح ذلك اليوم بمظاهر الاحتفال من حلويات وإظهار الفرحة، كما تكون مناسبة أيضا لصلة الرحم، والتواد بين الجيران وبين العائلات، وفرصة لخروج أفراد الأسرة في نزهة ترويحية فيما بينهم، كما تحرص بعض الأسر أيضا في هذه المناسبة على دعوة عدد كبير من جيرانها على وجبة العشاء، وتجعل منها مناسبة للاحتفال ومجلسا عائليا يبتهج فيه الكبار والصغار، ولعل هذا ما يفسر انتظار الكثير من الأطفال لحلول هذه المناسبة بكل شوق كانتظارهم لعيد الفطر.

احتفاء يرى الدكتور عز الدين توفيق أستاذ الدراسات الإسلامية وخطيب جمعة أن شهر ربيع الأول يرتبط ضمنيا في ذاكرة الأمة بميلاد سيدنا ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهو مناسبة يعبر فيها المسلمون عن فرحهم بأشكال مختلفة، ولا يجوز لأحد أن يمنعهم من التعبير عن فرحهم هذا، لأن إظهار فرحهم بمولده صلى الله عليه وسلم، دليل على حبهم لهذا النبي الكريم، وإجلالهم وتوقيرهم وتعظيمهم لمقامه الشريف، غير أن الموازنة بين المصالح والمفاسد والنظر إلى مآلات الأشياء تقتضي ترشيدهم حتى يعبروا عن هذا الفرح بما يرضى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكون بذلك مناسبة للوقوع في المحظور، ولذلك فإن أفضل ما يحيي به المسلمون هذه الذكرى هو أن يتحدثوا عما هو خالد ومستمر منها، وهو سيرته عليه الصلاة والسلام وأخلاقه وشمائله، فتكون المناسبة فرصة للتعريف به وإبراز شمائله وبيان حقوقه، ويكون هذا أفضل من بعض العادات التي تكون فائدتها أقل فيكون أثرها أضعف.

وعلماء المسلمين يتفقون حسب عز الدين توفيق أن هذه ذكرى فلا يجوز إحداث عبادات أو طقوس خاصة بهذا اليوم. وأما الحديث عن شمائله والاحتفال بالمولد النبوي قد يتخذ أشكالا بعضها أفضل من بعض وعلينا أن نشيع الأحكام الأكثر نفعا وفائدة للمسلمين. أما منعهم من إظهار الفرح فهذا غير واقعي وغير عملي ولا يمكن في حال من الأحوال أن يمنع المسلمون من الفرح بمناسبة مولد نبيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم. كما أكد عز الدين توفيق على ضرورة أن تكون هذه المجالس مجالس علم وذكر وأن يسمع الناس القرآن الكريم وأن يستمعوا دروسا كثيرة، وينبغي أن تحمل الأشعار التي تلحن في مدحه عليه الصلاة والسلام معان سليمة وأن تبين للناس هذه المعاني حتى يكون المجلس من مجالس العلم النافع، وذلك أفضل وأكثر نفعا من مجرد التطريب والإمتاع بالأصوات الحسنة والألحان المؤثرة، إذ لا يجب أن تخرج هذه الأمداح والأناشيد عن المقصد المبتغى منها وهو التعريف بسيرته عليه السلام ونشر حبه عند الجميع.

الإصلاح

أصدرت المبادرة المغربية للدعم والنصرة الجمعة 16 نونبر 2018، بيانا حول العملية الإرهابية الغادرة على المدنيين العزل في قطاع غزة يومي الاثنين والثلاثاء 12-13 نونبر 2018، والتي خلفت سبعة شهداء ومجموعة من الجرحى والمصابين وتدمير العديد من المباني والمنشآت المدنية، واستطاع الشعب الفلسطيني بغزة من خلال الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية أن يتصدى لهذا العدوان الغاشم بشكل فوري ويبث الرعب في قطعان المستوطنين وجيشهم، وأرغمت صواريخ المقاومة على الصهاينة الدخول في الجحور والملاجئ. وتصدعا في حكومة العدو باستقالة وزير الحرب في الكيان الصهيوني.

وهو ما يؤكد، يقول البيان الذي توصل موقع الإصلاح بنسخة منه، أن إرادة المقاومة الفلسطينية في غزة الصامدة وعموم فلسطين أقوى من جيش العدو الصهيوني وكل أسلحته وجنوده، وتبين بالملموس أن خيار المقاومة هو الحل الوحيد لردع الصهاينة وتحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر.

وتوجهت المبادرة بالتحية العالية والتقدير الكبير لفصائل المقاومة الفلسطينية وأهلنا في غزة المجاهدة وعموم فلسطين، مجددة دعم وتضامن الشعب المغربي مع مسيرة العودة  الكبرى التي بلغت شهرها الثامن مخلفة أكثر من 220 شهيد وإصابة 24 ألفا  فلسطيني في قطاع غزة جراء العدوان الصهيوني.

وفي ختام بيانها، دعت المبادرة عموم الشعب المغربي بكل قواه المدنية والنقابية والسياسية والنسائية والشبابية، إلى تخليد ذكرى اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني وذلك بجعل الخميس 29 نونبر 2018، يوما لدعم صمود الشعب الفلسطيني وتنديدا بكل أشكال التطبيع تحت شعار"المقاومة أمانة والتطبيع خيانة" .

وفيما يلي نص البيان :

 

بيــــــــان

أيها الشعب المغربي

نفذ الكيان الصهيوني مرة أخرى عملية إرهابية جبانة وغادرة على المدنيين العزل في قطاع غزة يومي الاثنين والثلاثاء 12-13 نونبر 2018، وخلفت ستة شهداء ومجموعة من الجرحى والمصابين وتدمير العديد من المباني والمنشآت المدنية. وقد استطاع الشعب الفلسطيني بغزة من خلال الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية أن يتصدى لهذا العدوان الغاشم بشكل فوري ويبث الرعب في قطعان المستوطنين وجيشهم، وأرغمت صواريخ المقاومة على الصهاينة الدخول في الجحور والملاجئ. وتصدعا في حكومة العدو باستقالة وزير الحرب في الكيان الصهيوني.

خلال هذا العمل الإجرامي اتضح أن إرادة المقاومة الفلسطينية في غزة الصامدة وعموم فلسطين أقوى من جيش العدو الصهيوني وكل أسلحته وجنوده، وتبين بالملموس أن خيار المقاومة هو الحل الوحيد لردع الصهاينة وتحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر. ولقد كان هذا التصدي البطولي والمحكم للمقاومة  الفلسطينية حاسما فيإلحاق هزيمة نكراء بجيش العدو، ودفعه إلى وقف العدوان والقبول بوقف إطلاق النار.

وأمام هذا الانتصار والصمود فإننا في المبادرة المغربية للدعم والنصرة نتوجه بالتحية العالية والتقدير الكبير لفصائل المقاومة الفلسطينية وأهلنا في غزة المجاهدة وعموم فلسطين، سائلين المولى عزوجل أن يتقبل عنده الشهداء الذين ارتقوا ويشفي المصابين والجرحى، وبنفس المناسبة فإننا نجدد دعمنا وتضامننا مع مسيرة العودة  الكبرى التي بلغت شهرها الثامن مخلفة أكثر من 220 شهيد وإصابة 24 ألفا  فلسطيني في قطاع غزةجراء العدوان الصهيوني.

أيها الشعب المغربي

ونحن نتابع الوضعية الخطيرة التي تشهدها القضية الفلسطينية عموما وما يتعرض له القدس الشريف من تهويد واضطهاد للمقدسيين، في إطار تداعيات ما يسمى بصفقة القرن، فإننا نندد  بمجموعة من مبادرات التطبيع مع الصهاينة واستقبال رسمي لمسؤولين وشخصيات سياسية منالكيان الصهيوني من طرف بعض دول الخليج، إضافة إلى مجموعة من مظاهر التطبيع والاختراق للنسيج المجتمعي العربي والمغربي على وجه الخصوص.

أيها الشعب المغربي

وأمام هذا المنعطف الخطير الذي تمر منه القضية الفلسطينية وسعي حثيث لفرض مخطط التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك، وتأكيدا لموقف الشعب المغربي التاريخي والمساند لفلسطين والقدس والتنويه بمبادرة المغرب بإرسال مساعدات إنسانية وبناء مستشفى عسكري ميداني بقطاع غزة، واستنكارا لكل مظاهر التطبيع الرسمية والشعبية، فإننا في المبادرة المغربية للدعم والنصرة ندعو كل القوى المدنية والنقابية والسياسية والنسائية والشبابية وعموم الشعب المغربي إلى تخليد ذكرى اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني وذلك بجعل الخميس 29 نونبر 2018 ، يوما لدعم صمود الشعب الفلسطيني وتنديدا بكل أشكال التطبيع تحت شعار" المقاومة أمانة والتطبيع خيانة"

 

وحرر بالرباط في 8 ربيع الأول 1440 هـ الموافق 16 نونبر2018 م

 

س.ز / الإصلاح

الجمعة, 16 تشرين2/نوفمبر 2018 11:47

نبي الرحمة والسماحة مع غير المسلمين

اتصف خير البشرية بشمائل وخلال عديدة بلغت الكمال البشري، فكان أن اجتمعت فيه ما تفرق من وجوه المحاسن والفضائل في الخلق أجمعين، وتكفيه شهادة رب العالمين إلى يوم الدين إذ يقول: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) }القلم: 4{، وقال سبحانه )لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } (التوبة:128{.

ولما كان دين الإسلام دينا عالميا للناس جميعا، كذلك كانت بعثة خير من مشى على الأرض إلى البشرية كافة، فلا غرابة أن تكون الرحمة والرأفة بالغير من أهم سمات الكمال التي تحلى بها النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (الأنبياء:107{، ويؤكد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك بقوله:"أنا نبي الرحمة" ( رواه مسلم ).

وتبدو تجليات السماحة والرحمة والرأفة وحسن المعاملة مع غير المسلمين في سيرته صلوات الله عليه لائحة واضحة، وقد غلط بعض من فهم أن علاقة المسلمين بغيرهم مبنية على العنف والغلظة والشدة فأخذ يبيح لنفسه القتل والتعنيف والقسوة بادعاء أن هؤلاء كفار مخالفين لنا في العقيدة فوجب النيل منهم والتنكيل بهم في مخالفة صريحة للهدي النبوي في معاملة الكافرين.

لقد أمر الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالعدل بين الناس جميعا دون تمييز بين أجناسهم أو دينهم أو حسبهم، جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } (النساء: 58{، وقد ورد أكثر من حديث تشديد محمد صلى الله عليه وسلم على أصحابه على حق المعاهد، وهو من ارتبط مع المسلمين بمعاهدة، فمنها قوله: "من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (رواه البخاري)، كما نهى محمد صلى الله عليه وسلم عن تعذيب أي نفس ولم يشترط فيها الإسلام؛ فقال: "إن الله عز وجل يُعذِّب الذين يعذبون الناس في الدنيا" (رواه مسلم)، لذلك استطاع محمد صلى الله عليه وسلم أن يضمن لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي الأمن والأمان والسلام...

كما عرف عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو إلى حسن جوار الكفار وعدم التعرض لأذيتهم، وضرب أمثلة رائعة في السماحة وحسن المعاملة، وليس أدلّ على ذلك من قصة ثقيف، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب"ميقات أهل نجد"، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، ولقد أرسل إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟، إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين "الجبلين"، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) رواه البخاري).

كما تجلّت رحمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم في يوم فتح مكة، وتمكين الله تعالى له، حينما تجاوز عن مخالفيه ممن ناصبوا له العداء فقد كانت سماحته غاية ما يمكن أن يصل إليه صفح البشر وعفوهم فكان موقفه ممن كانوا حربا على الدعوة ولم يضعوا سيوفهم بعد عن حربها أن قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وأعلنها صريحة واضحة: "اليوم يوم المرحمة".

وتبلغ السماحة مبلغها ويجسد الصبر على أذى غير المسلمين من خلال عدة مواقف تعرض فيها الرسول صلى الله عليه وسلم لأذى لحق نفسه، كوضع التراب على رأسه، وإلقاء فضلات الإبل على ظهره وهو ساجد لربه.. بل إنه صبر صلى الله عليه وسلم على أذى أقرب الناس إليه نسبا وجوارا، وهما عمه أبو لهب وزوجه، فعمه كان يمشي خلفه، وهو يطوف على الناس في المواسم، يعرض عليهم دعوته، ليصد الناس عنه، وزوجته تحمل الشوك والأذى وتضعه في طريقه صلى الله عليه وسلم، كل ذلك قابله الرسول صلى الله عليه وسلم بالعفو والصفح الجميل والإعراض عن الجاهلين، والطَّمع في هدايتهم.

لذلك كان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم دعوة غير المسلمين بالرفق واللين وهو ما ظهر في كتبه إليهم حيث تضمنت هذه الكتب دعوتهم إلى الإسلام بألطف أسلوب وأبلغ عبارة، فكانت دعوة الكافر بحكمة ورفق من أعظم القربات إلى الله، كما قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لما بعثه إلى خيبر وأمره أن يدعو إلى الإسلام قال: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم" ) رواه البخاري). وكان صلى الله عليه وسلم يغشى مخالفيه في دورهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداهم فقال : ( يا معشر يهود أسلموا تسلموا ) فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم . . الحديث .

كما أن رفقه وسماحته ومعاملته الحسنة لغير المسلمين ظهرت حتى في ساحات القتال معهم، ومن ذلك أنه نهى صلى الله عليه وسلم عن قتل الضعفاء أو الذين لم يشاركوا في القتال من الكافرين، كالرهبان والنساء والشيوخ والأطفال، أو الذين أجبروا على القتال، كالفلاحين والأجراء (العمال)، ومن ذلك ما ورد عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ قال:كان رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ إذا بعث أميرا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، وقال: اغزوا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا ) رواه مسلم). وفي رواية أخرى: "لا تقتلوا وليدًا، فهذا عهدُ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسنتِه فيكم".

وتتعدد صور السماحة وحسن المعاملة مع غير المسلمين في الهدي النبوي، ويمكن القول أن العدل والرفق والرحمة كانت سمات للكمال البشري في حياته كلها، وتتضح هذه الخصال أكثر في تعامله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين، وخاصة أن الله تعالى أمر نبيه صلوات الله عليه، ومن خلاله الأمة جميعا بالبر والقسط مع غير المسلمين ما سالمونا ولم يبدؤنا بقتال، قال سبحانه: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (الممتحنة: 8{.

ومهما عددنا من شمائله وخصاله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع غير المسلمين فلن نحصي ذلك عددا، فهو قد جمع الفضائل والمحاسن كلها، وكلما تأملنا سيرته صلى الله عليه وسلم وجدنا الكمال في أخلاقه واضحا صريحا، وما كل ذلك إلا تصديقا وتأكيدا لنبوته وبعثته للناس كافة، وأن قيمه وأخلاقه وكل ما اتصف به من شمائل تدل على سماحته وحسن معاملته لكل البشر مهما اختلفت أجناسهم وأعمارهم وألوانهم، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين.

رشيد لخضر

الجمعة, 16 تشرين2/نوفمبر 2018 10:41

شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم

لقد كرَّم الله بني آدَمَ وفضَّلهم على كثيرٍ ممّن خلَق تفضيلاً، واجتبَى منهم من خصَّهم بالنبوَّة والرسالة جيلا جيلا، ثم اصطفَى مِن أولئك أفضلَهم نبيا و رسولا: إماَمَهُم و خاتِمهم نبيَّنا سيدنا محمّدَا بن عبد الله صفوةَ بني هاشم، وهاشمٌ خِيَارُ قريش، فهو صلى الله عليه و سلم خيارٌ من خيارٍ، اختاره الله  لهداية هذه الأمة إلى الدين  القويم والصراط المستقيم، فكانت حياة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عبادةً وشكرًا، ودعوةً وحِلمًا، وابتلاءً وصبرًا، تحلَّى فيها بخُلُقٍ سامٍ وفألٍ محمود، شمائلُه عطِرةٌ وسيرتُه حافلة، فما مِن خيرٍ إلا دلَّ الأمة عليه، وما من شرٍّ إلا حذَّرَها منه، قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام: ((ما يكن عندي من خيرٍ فلن أدَّخِره عنكم)) متفق عليه.

قضَى صلى الله عليه و سلم قريبًا من شطرِ زمنِ رسالته يَدعو لأمرٍ واحدٍ هو أعظمُ أمرٍ أمَر الله بهِ، من لم يَستجِب له فيه خلَّده الله في النار وحرَّم عليه الجنةَ. افتتَحَ رسالتَه به، وقام على جبل الصفا وقال لقريش: ((قولوا: لا إله إلا الله؛ تُفلِحوا)). نعم مكثَ صلى الله عليه و سلم عشر سنواتٍ في مكّة لا يدعو إلى شيءٍ سواه، ثم دعا إلى بقية الشرائع معه إلى مماته، ووعدَ من حقَّق هذا الأمر بدعوةٍ منه مُستجابةٌ له يوم القيامة؛ فقال: ((لكلّ نبيٍّ دعوةٌ مُستجابة، فتعجَّل كل نبيٍّ دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ -إن شاء الله-من مات من أمتي لا يُشرِك بالله شيئًا)) متفق عليه.

 من شمائله صلى الله عليه و سلم أنه كثيرُ التعبُّد لله، قام بالطاعة والعبادة خيرَ قيام، قدَماه تتشقَّقُ من طول القيام، في ركعةٍ واحدةٍ قرأ البقرةَ وآل عمرانَ والنساء، وكان جميلَ الصَّوتِ في تلاوة القرآن، قال البراء : سمعتُ النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ في العِشاء: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فما سمعتُ أحدًا أحسَنَ صوتًا -أو: قراءةً- منه. (متفق عليه).

 من شمائله صلى الله عليه و سلم انه خاشعٌ لله يُصلِّي وفي صدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء، ولِسانُه لا يفتُر عن ذكر الله، قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان يذكر الله على كل أحيانه. رواه مسلم. وقال ابن عمر : إن كنَّا لنعُدُّ لرسول الله في المجلس الواحد مائةَ مرةٍ: (ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم).

 ومن شمائله صلى الله عليه و سلم انه يُحبُّ الصلاة ويُوصِي بها، قال أنس:  كانت عامةُ وصيّة النبي حين موته: ((الصلاةَ، وما ملكَت أيمانُكم))، قال: حتى جعل رسول الله يُغرغِرُ بها صدرُه، وما يكادُ يُفيضُ بها لسانُه، أي: يُوصِي بها حتى فاضَت روحُه. (رواه أحمد).وكان يحثُّ صغارَ الصحابة على نوافلِ الصلوات، قال لابن عمَر وهو فتى: ((نِعمَ الرجلُ عبد الله لو كان يُصلِّي من الليل)) متفق عليه.يقينُه بالله عظيم، مُوقِنٌ بأنَّ كلام الله فيه شفاء، إذا مرضَ يرقِي نفسَه بكلام الله، قالت عائشة رضي الله عنها: كان إذا اشتكَى يقرأ على نفسه بالمُعوِّذات وينفُث. (متفق عليه).

 من شمائله صلى الله عليه و سلم انه مُعظِّمٌ للرسل من قبله؛ قال له رجل: يا خير البرية، فقال: ((ذاك إبراهيم))(رواه مسلم). ونهى عن إطرائه وتعظيمه؛ فقال:(لا تُطروني كما أطرَت النصارَى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ الله ورسوله) رواه البخاري.

من شمائله صلى الله عليه و سلم انه يدعو كلَّ أحدٍ إلى هذا الدين ولو كان المدعوّ صغيرًا، زار غلامًا يهوديًّا مريضًا، فقعدَ عند رأسه وقال له:(أسلِم)، فأسلَم الغلام.(رواه البخاري).و كان صلى الله عليه وسلم يتواضَعُ للصغير ويغرِسُ في قلبه العقيدة؛ قال لابن عباس:(يا غلام، إني أُعلِّمك كلمات: احفَظِ الله يحفظك، احفَظِ الله تجِده تُجاهَك، إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله ) (رواه الترمذي). وكان صلى الله عليه و سلم يتلطّفُ في تعليمِ صحابَتِه ويُظهِر ما في قلبه من حبِّه لهم؛ أخَذ بيدِ مُعاذٍ وقال له: (والله إني لأُحبُّك، أُوصيك يا معاذ: لا تدعنَّ في دُبُر كل صلاةٍ أن تقول: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك)(رواه النسائي).و كان صلى الله عليه وسلم لا يُعنِّفُ ولا يتكبَّر؛ بل صدره مُنشرحٌ لكل أحدٍ؛ دخل رجلٌ وهو يخطُب، فقال: يا رسول الله، رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينُه، قال: فأقبَل عليَّ رسول الله وترك خطبتَه حتى انتهَى إليَّ، فأُتِي بكرسيٍّ حسبتُ قوائمَه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله وجعل يُعلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبتَه فأتمَّ آخرها. (رواه مسلم.)

 ومن شمائله صلى الله عليه و سلم أنه رفيقٌ بالشباب مُشفقٌ عليهم، قال مالك بن الحويرث: أتَينَا النبيَّ ونحن شَبَبة مُتقارِبون، فأقَمنا عنده عشرين لَيلَة، فظنَّ أنَّا اشتقنَا أهلَنا، وسألَنا عمن تركنا في أهلنا، فأخبرناه، قال: وكان رفيقًا رحيمًا، قال:(ارجعوا إلى أهليكم، فعلِّموهم ومُروهم، وصلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي)(متفق عليه).

 ومن شمائله صلى الله عليه و سلم انه دَمِثُ الأخلاق ليس بفاحشٍ ولا مُتفحِّشٍ في الألفاظ، وحياؤه أشدّ من العذارء في خدرها، عفّ اليد لم يضرب أحدًا في حياته؛ قالت عائشة رضي الله عنها: ما ضربَ رسول الله شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا، إلا أن يُجاهدَ في سبيل الله، ولم ينتقم لنفسه؛ بل يعفو ويصفَح، وإذا خُيِّر بين أمرين أخذَ أيسَرهما ما لم يكن إثمًا.

ومنها انه صلى الله عليه وسلم طلْقُ الوجه؛ قال جرير بن عبد الله: ما رآني رسول الله قطُّ إلا تبسَّم.واصلٌ لرَحِمه، صادقٌ في حديثه، قاضٍ لحوائِجِ المكروبين؛ قالت له [السيدة خَديجة]: (إنّك لتصِلُ الرَّحِمَ، وتصدُق الحديث، وتحمِلُ الكلَّ، وتـُكسِبُ المعدوم، وتَقري الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحقّ).بارّ بوالدته؛ زار قبرها فبكى وأبكى من حوله، وقال: (استأذنتُ ربي في أن أستغفِرَ لها فلم يُؤذَن لي، واستأذنتُه في أن أزور قبرَها فأذِن لي)) رواه مسلم. يُوصِي بالجارِ، ويحُثُّ على حُسن جواره وإكرامه، قال لأبي ذرٍّ: (إذا طبَختَ مَرقة فأكثِر ماءَها وتعاهَد جيرانك)(رواه مسلم).

  ومن شمائله صلى الله عليه و سلم انه رقيقُ القلب رفيقٌ بمن تحته؛ خدَمه أنسٌ عشرَ سنين، فما قال له: أفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ صنعَه: لم صنعتَ؟ ولا: ألا صنعتَ؟! رحيمٌ بالضعفاء والمرضى؛ أمَر من يُصلِّي بهم أن يُخفِّف صلاتَه من أجلهم.رءوفٌ بالناس شديد الحِلم؛ بالَ أعرابيٌّ جهلاً منه في مسجِده، فتناولَه الناس، فقال لهم: (دَعوه حتى يقضِي بولَه، وهَريقوا على بولِه سجلاً من ماءٍ -أو: ذنوبًا من ماء-؛ فإنما بُعِثتُم مُيسِّرين ولم تُبعَثوا مُعسِّرين) (رواه البخاري).كثيرُ البذل والعطاء، لا يردُّ سائلاً ولا مُحتاجًا، قال حكيمُ بن حزامٍ : سألتُ رسولَ الله فأعطاني، ثم سألتُه فأَعطاني، ثم سألتُه فأعطاني.(متفق عليه).كريمُ اليدِ واسعُ الجُود؛ جاءَه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلَين. ورأى رجلٌ عليه بُردةً فقال: أكسنيها؛ ما أحسنها! فأعطاه إياها(رواه البخاري).

ومن شمائله صلى الله عليه وسلم انه طيّبٌ لا يأكل إلا طيبًا، يتوارى عن أيِّ شُبهةٍ في المطعَم أو المشرَب، قال:(إني لأنقلبُ إلى أهلي فأجِدُ التمرةَ ساقطةً على فراشي فأرفعها لِآكُلَها، ثم أخشى أن تكون صدقةً فأُلقيها) (متفق عليه).

وكان صلى الله عليه و سلم يُجِلّ صحابَتَه ويُعظِم مكانتهم وإن كانوا حديثي السّنّ، قال عن أسامة بن زيد وهو لم يتجاوز حينذاك الثامنة عشرة من عمره:( أُوصيكم به؛ فإنه من صالحيكم)(رواه مسلم).وإذا مرِضَ أحدُهم عادَهُ وحزنَ لمُصابه، زار سعدَ بنَ عبادة فوجدَ مرضَه شديدًا، فبكى.

ومنها انه وفيّ مع صحابته، لم ينسَ فضلَهم وإيثارهم، آخِرَ يومٍ صعد فيه المنبر قال:(أُوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرشي - أي: جماعتي وموضع ثقتي- وعَيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقِيَ الذي لهم، فاقبَلوا من مُحسِنهم وتجاوزوا عن مُسيئهم)(رواه البخاري).وحفظَ لخديجةَ مواقفها العظيمة وبذلَها السخيّ وعقلَها الراجِح، فكان يذكرها بالخير بعد وفاتها، ويصِل أقرباءها، ويُحسِن إلى صديقاتها.وأمر بسدِّ كل خَوخةٍ -أي: باب- من البيت يُفتَح على المسجد النبوي سوى باب أبي بكرٍ وفاءً له.

ومع عِظَم أعباء ما أُوكِل إليه من الرسالة كان جميلَ المعشَر مع أهله مُتلطِّفًا معهم، فإذا دخل بيتَه يكون في مهنتهم، وإذا حضرَت الصلاة خرج إلى الصلاة.رقيقٌ مع أولاده وأحفاده مُكرمٌ لهم، إذا دخلت ابنتُه فاطِمَةُ يقوم لها ويأخُذ بيدها ويُجلِسُها في مكانه الذي كان يجلسُ فيه. وكان يضعُ الحسنَ على عاتقه ويقول:(اللهم إني أُحبّـُه فأحِبَّه)(متفق عليه). وخرج على صحابته وبنتُ ابنته أمامة على عاتقه، فصلَّى بها فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها.(متفق عليه).وصف عثمانُ رضي الله عنه معاملتَه صلى الله عليه و سلم لصحابته فقال: صحِبنا رسول الله في السفر والحضَر، وكان يعودُ مرضانا، ويتبَعُ جنائزنَا، ويغزو معنا، ويُواسينا بالقليل والكثير(رواه أحمد).

ذاقَ صلى الله عليه و سلم من الحياةِ مُرَّها ولأواءها؛ قالت عائشة رضي الله عنها: دخلت عليَّ امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجِد عندي شيئًا غير تمرةٍ واحدة.(متفق عليه).وربطَ على بطنه الحجرَ من الجوع؛ قال عمر : لقد رأيتُ رسولَ الله يظلُّ اليومَ يتلوَّى، ما يجدُ من الدَّقَل -أي: التمر الرديء- ما يملأ به بطنَه(رواه مسلم).لاقَى من المِحن والشدائد أشقَّها؛ نشأ يتيمًا، وأُخرِج من بلَدِه، وحُوصِر في الشِّعْبِ ثلاثَ سنين، واختفَى في غارٍ، ومات له ستة من الولد، وتبِعَه قومُه في مُهاجَره وقاتلوه، ومكرَ به أهلُ النفاق، وسُقِي السمّ، وعُمِل له السحر، وكان يقول:(أُخِفتُ في الله وما يُخافُ أحد، وأُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أحد).ومع ما لاقاه من تلك المصائبِ وغيرها كان مُتفائلاً في حياته ويقول:(يُعجِبني الفألُ والكلِمَةُ الحسَنَة)(متفق عليه).

 أعرضَ صلى الله عليه و سلم عن الدنيا ورجا ما عند الله؛ فكان يقول:(ما لي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها) ففارقَ الحياةَ ولم يُخلِّف شيئًا من حُطامها؛ قالت عائشة رضي الله عنها: تُوفِّي رسولُ الله وما ترك دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء.وصفَه عليٌّ بقوله: لم أرَ قبله ولا بعده مثلَه.

ذ. سعيد منقار بنيس

الجمعة, 16 تشرين2/نوفمبر 2018 10:38

غزة هي الأمة

غزة هاشم هي الآن، الأمة جميعاً..

يتلفت أهلها من حولهم فإذا الميدان قد خلا إلا منهم..

يقولون في أنفسهم: لا بد أن أمراً جللاً قد شغل الأمة عن فلسطين!.

علينا إذن، أن نعوض غياب الذين تاهوا في غياهب الذهب، أو علقوا في براثن الخيانة، أو أخذهم الضعف إلى الموت قبل أن يأتيهم.

يحاول "الكبار" مغافلة أبنائهم وهم يتسللون من بيوتهم قاصدين “الشريط المكهرب” الذي يتلطى خلفه جنود العدو الإسرائيلي.. وحين يبلغونه يفاجأون بأن أبناءهم قد سبقوهم، وان المعركة محتدمة، فيتفرغون لنقل الجرحى وتأمين الحجارة.

يحمل الجريح الجريح، يحمل الكبير الصغير، يحمل الصغير الكبير، يحمل الصغير الصغير، وفي الليل يحمل الجميع الحجارة إلى الميدان.

غزة هاشم في القلب. غزة هاشم القلب الآن. عليها حماية فلسطين. عليها إيقاظ الأمة. عليها تنبيه الضمير العالمي. ترش عليه من دمها الحارق حتى يفيق من إغمائه.

غزة هاشم هي فلسطين الآن. هي الأمة الآن. هي حقوق الانسان، الآن. هي الحرية والكرامة والعزة. هي البشرية في لحظة الانتباه لكرامتها. إنها تبذل من دمها ما ينفع شعوب الأرض من أجل النهوض لاسترجاع حقهم في الحياة الكريمة عبر الحرية التي بابها مخضب بالدم.

غزة هي الإنسانية المقهورة بالعنت والعنف والعنصرية المسلحة بالدعم الأميركي والغياب العربي إلى حد الخيانة.

غزة هاشم: بدمكِ يُكتب تاريخنا الجديد!

طلال سلمان