الرئيسية-ثقافة و مجتمع

في ذكرى رحيله، هذه أهم خصال الشهيد عبد الرزاق المروري

قبل 23 سنة، رزئت حركة التوحيد والإصلاح عشية يوم الأربعاء 24 جمادى الآخرة 1417هـ الموافق ليوم 6 نونبر 1996، بفقدان أحد أقطابها المؤسسين؛ الأخ الأستاذ عبد الرزاق المروري، عضو المكتب التنفيذي آنذاك، ومعه زوجته الأستاذة فتيحة الراجي، أستاذة علوم القرآن بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، حيث فاضت روحهما وقضيا نحبهما في حادثة سير مروعة، وقعت على مشارف مدينة الرشيدية، التي كانا يقصدانها للقيام بعدد من اللقاءات والأنشطة الدعوية والتنظيمية.

ولد عبد الرزاق المروري في يناير 1956 بحي يعقوب المنصور بالرباط، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة محمد بن يوسف بالأقواس، وقضى تعلميه الإعدادي والثانوي بمؤسسة ابن رشد. حضنته الجدة وهو ابن ثمانية أشهر بسبب مرض ألم بالوالدة في الرئة، فغادر البيت، وتكلفت الجدة والخالة بتربيته، وبقي رحمه الله ملازما للجدة في بيتها إلى أن توفيت رحمها الله سنة 3991, وكان زوج الجدة هو الذي تكلف به طيلة هذه السنوات. دخل المعهد الموسيقي في سن مبكر (في المرحلة الابتدائية) وأتقن العزف على الناي العصري وزاول رياضة فنون الحرب في هذه السن، وكان من هواة كرة القدم، وكان يشترك في فرق الأحياء.

التزم عبد الرزاق رحمه الله بالتدين منذ صغره، وكانت له ميولات صوفية مبكرة، إلى درجة أنه زار العديد من الزوايا الصوفية، وتأثر بطرق التربية عندها، وكان كثير النشاط الدعوي في ثانوية ابن رشد حيث كان يجمع التلاميذ في جلسات تربوية، ويتصل بالإدارة ويقترح عليها تنظيم أنشطة ثقافية في المؤسسة، وقد ألقى محاضرة في ثانوية عبد الكريم الخطابي حول موضوع تحرير المرأة، حيث كان ينتقل بين الثانويات، ويلقي دروسا ومحاضرات بها، وكانت له صداقات مع التلاميذ في هذه الثانويات، وهي التي كانت تسهل عليه عقد هذه الأنشطة فيها، ولم يكن وقتها منتميا لأي تنظيم إسلامي، وإنما كانت تحركه الفكرة الإسلامية التي اقتنع بها، وكان رحمه الله يجد راحته في الدعوة والحركة.

التحق عبد الرزاق رحمه الله بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1979, واختار شعبة الفلسفة، وتأثر تأثرا كبيرا برشدي فكار، والشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري المعروف بشاعر الإنسانية المؤمنة، وكان يحضر لقاءاته التي كان يعقدها في بيته. وبدأت يظهر ولعه بالشعر والأدب، حتى صار ينظم العديد من القصائد الشعرية، وكانت تذاع على الأثير في برنامج ناشئة الأدب الذي كان يعده الشاعر اللبناني وجيه فهمي صلاح في أواسط السبعينات، وكان يشارك في نفس الوقت في برنامج قاموس الشاشة الذي كان يعده المفكر الفيلسوف رشدي فكار رحمه الله، كما بدأ يشارك في برنامج الشاعر محمد عمارة رحمه الله الذي كانت تبثه إذاعة وجدة، وعن طريق محمد عمارة رحمه الله، تعرف عبد الرزاق المروري على الشاعر الأديب محمد علي الرباوي والشاعر والناقد الإسلامي الدكتور حسن الأمراني، وكان رحمه الله وراء بلورة فكرة مجلة أدبية تعنى بقضية الأدب الإسلامي والتي ظهرت فيما بعد تحت اسم المشكاة، وبقي متعلقا بالأدب الإسلامي حتى تحقق حلمه عند تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية برئاسة أبي الحسن الندوي، وصار عضوا بها. وكان رحمه الله شديد التأثر بأدب مصطفى صادق الرافعي وخاصة كتابه من وحي القلم، وبلغ تأثره بهذا الأديب درجة تسمية روض للأطفال باسم كتابه وحي القلم الذي أنشأة سنة 1987.

ومن خلال قراءاته الكثيرة، تعرف على أدبيات الإخوان المسلمين، وتعرف على تجربة حسن البنا وقرأ رسائله، كما تعرف على أدبيات سيد قطب ومحمد قطب رحمه الله، وتأثر بمحنة الإخوان المسلمين بمصر، ولم يكن يقتصر على قراءة هذه الأدبيات الحركية، بل كان ينفتح على غيرها، ويستفيد مما تتيحه شعبة الفلسفة من إمكانات منهجية في تمثل التجربة الحركية ونقدها. لم يسبق لعبد الرزاق رحمه الله أن كان عضوا في الشبيبة الإسلامية، وإنما كان إسلاميا مستقلا يتمتع بقراءات واسعة، ويستوعب الأمور بشكل سريع، ويؤمن بالحوار والوحدة بين مختلف الطيف الإسلامي، وقد أكبر فيه الإخوة هذه المواصفات، إذ بمجرد التحاق عبد اللطيف البوزيدي بالمدرسة المحمدية للمهندسين ارتأى الإخوة أن يجعلوه على رأس المجموعة، وكان ذلك سنة 1979

كان لعبد الرزاق المروري رحمه الله أكثر من ميزة، لكن يمكن الحديث عن ثلاثة رئيسة:

– الأولى: قدرته على نسج العلاقات الواسعة مع الأشخاص والجهات والهيئات المختلفة.

– الثانية: تأصيله لموضوع المرأة وعملها في المجال الإسلامي.

– الثالثة : وهي توجهه الوحدوي.

لقد كان رحمه الله رجلا منفتحا، وربما اكتسب هذا الانفتاح من تكوينه في شعبة الفلسفة ودراسته لعلم الاجتماع، فكان الرجل يتبنى رؤى منفتحة على الآخر، وكان في كل نقاشاته وحواراته باحثا عن الحقيقة، لا يدعي يوما انه يمتلكها، ولذلك فقد كان أحرص ما يكون على توسيع دائرة الحوار مع مختلف الفرقاء سواء على الساحة الفكرية أو السياسية. لكن هذا لا يمنع من الحديث عن تكوينه النفسي والشخصي، فكل الذين عايشوه منذ طفولته يقرون بأن الرجل كان مرنا في تعامله مع الأشخاص، فلا ترى في سلوكه أدنى خشونة أو عنف، وقد ساعده ذلك على ربط صداقات واسعة منذ صغره. وربما عدم خضوع عبد الرزاق المروري رحمه الله لتربية الشبيبة الإسلامية ساعده على امتلاك رؤية متحررة في الفكر والنظر، فالرجل في تفكيره ومنهجه كان لا يخضع لنمط جاهز، بل كان يقرأ للجميع، ويستفيد من كل الأدبيات إخوانية وغيرها، لكن يبقى له رأيه المستقل يقيس به ما يقرأ، ولعل شعبة الفلسفة، واطلاعه على المناهج ساعده كثيرا على تبني منهج دقيق في الاختيار والتمحيص

كان عبد الرزاق المروري رحمه الله صديقا حميما للدكتور المهدي المنجرة، والدكتور المهدي بن عبود، والدكتور رشدي فكار، وقد استطاع أن يربط علاقات مع قيادات الاتحاد الاشتراكي وعلى رأسهم محمد جسوس الذي أشرف على بحثه في الدكتوراه، وقد نسج علاقات واسعة مع اليسار في الوقت الذي كانت فيه القطيعة معهم من الإسلاميين أمرا محسوما. ومن الطرائف أنه كان يناقش أفكار محمد جسوس على صفحات جريدة الصحوة باسم مستعار.

كما كانت لديه رؤية رائدة في الفن، وربما ساعده على ذلك تكوينه في المعهد الموسيقي، ففي الوقت الذي كان للإخوان رؤية سلبية عن الفن والموسيقى، كان رحمه الله يحمل رؤية معتدلة حول الفن، فكان يسارع إلى ربط العلاقات مع الفنانين الذين كان يرى في فنهم نموذجا للرسالة الفنية المطلوبة، فكان صديقا حميما للفنانين محمد حسن الجندي وعبد الهادي بلخياط وسعد الزياني قبل أن يلتحق بجماعة التبليغ، كما كانت له صلة وطيدة بالفنان أحمد السنوسي (بزيز) وسبق له أن أجرى معه حوارا في جريدة الصحوة، وكان بذلك أول إسلامي يحاور أحمد السنوسي.

تأثر عبد الرزاق المروري بأفكار كل من الشيخ راشد الغنوشي والدكتور أحمد الأبيض، والدكتور حسن الترابي حول المرأة، وكان أول من أسس العمل النسوي داخل جماعة التبين وثور تصوراته وقناعاته إلى درجة أن اسمه صار مقترنا بموضوع تحرير المرأة، بل نستطيع القول بأن عبد الرزاق المروري كان أول من نظر للمسألة النسائية داخل الحركة الإسلامية كلها، إذ لم يعرف للشبيبة الإسلامية وقتها عمل نسائي، ولم يكن بعد نضج العمل النسائي داخل الجماعة الإسلامية.

في الذكرى العشرينية لتأسيس حركة التوحيد والإصلاح، كتب الدكتور والعالم المقاصدي أحمد الريسوني مقالة عن عبد الرزاق المروري في ذكرى وفاته، عدد فيها خصال الفقيد القيادية، حيث قال:

1 – هو مؤسس العمل الإسلامي النسائي ورائده في بدايات العمل الإسلامي المعاصر، لم يكن للمرأة أو الفتاة وجود فيه، بل ولا كانت واردة في أذهان القائمين عليه. وقد كانت الأساليب السرية والتطلعات الثورية، مما يزيد من استبعاد المرأة والبعد عن إقحامها… وحينما بدأت الاختيارات السياسية والتنظيمية والفكرية تتطور وتنضج أوائل الثمانينيات من القرن العشرين المنصرم، بدأنا التفكير في “القطاع النسائي”… ولكن محاولات اقتحام هذا المجال كانت خجولة متهيبة من ذواتنا أولا، بسبب النظرة النمطية الجامدة للموضوع. ثم بسبب الرفض والحصار والتخوف من الآباء والأمهات. حتى كان بعض الأخوات يسألن عن حكم الكذب والتمويه على الوالدين لأجل الذهاب إلى لقاء أو مبيت، أو استقبال جلسة تربوية في المنزل… في ظل هذه العراقيل والصعوبات، شق عبد الرزاق المروري طريقه نحو تأسيس “عمل الأخوات”. وقد كان معززا في هذا الاتجاه ببعض إخوانه من (جماعة التبين) بالرباط، وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد المشتالي. وما زلت أذكر الدورات التكوينية الجادة والمكثفة (تكوين المكونات)، التي دعيتُ إلى المشاركة في تأطيرها منتصف الثمانينيات، وقد تابعها نحو 30 أختا، أصبح أكثرهن قياديات في الحركة وفي المجتمع وفي العمل السياسي، وحتى في الحكومة… وق كان المدير المباشر لتلك الدورات هو أحمد المشتالي، تحت إشراف عبد الرزاق المروري…

2 – انفتاحه وطبيعته التواصلية كان رحمه الله ذا علاقات متنوعة ناجحة، في الوقت الذي كان المزاج العام في صفوف شباب العمل الإسلامي آنذاك ميالا إلى الانغلاق والنفور والقطيعة مع “الآخرين”. ولكَم كنت أندهش – ما بين إعجاب واستغراب – حين أعلم أنه يتصل ويتزاور ويتحاور مع فلان أو فلان من اليساريين والفنانين والرياضيين وغيرهم، ممن كنا – أيامها – نعتبرهم لا دين لهم أو لا فائدة فيهم. وكان منهم أستاذه ومشرفه الدكتور محمد جسوس، وغيره من أساتذة الفلسفة. وما زلت أذكر الزيارة التي أخذنا فيها إلى “الزعيم” نوبير الأموي بالدار البيضاء، وكذلك العشاء والسمر الطويل الممتع، الذي نظمه لنا بمنزله، مع صديقه الكبير الدكتور عبد المجيد بوزوبع.

3 – عنايته بالطفولة والأسرة وحسبنا في ذلك مشروعان رائدان في زمنهما: الأول: هو إصداره لمجلة (رسالة الأسرة)… والثاني: تأسيسه لمشروع تعليمي نموذجي، هو (مؤسسة وحي القلم). ورغم أن الفقيدين المرحومين (عبد الرزاق وفتيحة) لم يرزقا أبناء إلى غاية وفاتهما، فقد كنا حين نقوم بالتعارف في بعض لقاءاتنا، فيذكر كل واحد منا عدد أبنائه، أو أنه بدون أبناء، أو أنه “مفتش”، أي: لم يتزوج بعد …، كان عبد الرزاق يقول في تعريف نفسه:متزوج، ولي مائة وعشرون ابنا وبنتا…! كان يقصد أن الأطفال الذين عنده في مؤسسة وحي القلم كلهم أبناؤه. ويُذكر أنني كتبت مقالا صغيرا بعنوان: (عبد الرزاق المروري: الأب الكبير الذي لم يلد).

الإصلاح

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق