خطب منبريةخطب و مواعظ

ذكرى الإسراء والمعراج على وقع مسيرات العودة المباركة

الحمد لله كلّما نسينا قدسنا وغفلنا عن مقدّساتنا عادت هذه المناسبة لتذكّرنا بالواجب الذي يحتّمه علينا ديننا تجاه قضيّتنا وقضيّة المسلمين جميعا في مشارق الأرض وفي مغاربها؛ قضيّة القدس والمسجد الأقصى وغزّة وكلّ فلسطين.

لقد مرّت السّنة ومسيرات العودة لم تتوقّف؛ تعطي كلّ جمعة للعالم وللتّاريخ دروسا ومواعظ لا ترقى إليها أيّة من الخطب ولا من المحاضرات مهما اجتمعت لها ظروف الجودة في الإعداد والإتقان في الأداء. وأذكرها قريب ذكرى الإسراء والمعراج لأنّها التّجسيد العملي الواقعي لإسراء الفلسطينيين الأشاوس الذي لم يتوقّف خلال سنة كاملة وللمعراج الفعلي لأرواح شهدائهم الذي ما فتئ يتكرّر كلّ جمعة.

رحلة الإسراء والمعراج

الإسراء هو الرحلة الأرضية لرسوله صلّى الله عليه وسلّم من المسجد الحرام بمكّة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، والمعراج صعود من بيت المقدس إلى السماوات العلا، إلى مستوى لم يصل إليه بشر من قبل، إلى سدرة المنتهى.

هذه الذّكرى مناسبة للوقوف على بعض آيات الله الكبرى واستخراج العبر منها، ومناسبة لاستحضار واجب الأمّة تجاه قدسها.

والسّياق: توالي الابتلاءات على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في عام سُمِّي عام الحزن.

فبعد ثلاث سنوات من الحصار الاقتصادي والمقاطعة الاجتماعية، وبعد عام الحزن الذي كان فيه موت خديجة أمّ المؤمنين رضي الله عنها وأبي طالب عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبعد ردّ أهل الطائف أسوأ وأعنف ردّ لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودعائه المشهور: (اللّهُمّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي وَقِلّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي إلَى مَنْ تَكِلُنِي إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي؟ أَوْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيّ فَلَا أُبَالِي غَيْرَ أَنّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَحِلّ عَلَيّ غَضَبُك أَوْ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُك لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِكَ).وبعد رجوعه صلى الله عليه وسلم ودخوله مكّة في جوار المطعم بن عدي؛ بعد كلّ هذه المحن جاءت هذ الرّحلة التي قال تعالى في ذكرها: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الإسراء1

رحلة جعلها الله تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمّا أصابه؛ وليُرِيَه من آياته في الأرض وفي السماء؛ قال تعالى (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) النّجم 17-18.

ومن أعظم الآيات: كانت فريضة الصّلاة، قال صلى الله عليه وسلم ثُمَّ صُعِدَ بِي فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ فَأَتَيْنَا سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى فَغَشِيَتْنِي ضَبَابَةٌ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا فَقِيلَ لِي إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلاَةً فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ. فَرَجَعْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَسْأَلْنِى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ قُلْتُ خَمْسِينَ صَلاَةً. قَالَ فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِهَا أَنْتَ وَلاَ أُمَّتُكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسَى فَأَمَرَنِي بِالرُّجُوعِ فَرَجَعْتُ فَخَفَّفَ عَنِّى عَشْرًا ثُمَّ رُدَّتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ. قَالَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّهُ فَرَضَ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ صَلاَتَيْنِ فَمَا قَامُوا بِهِمَا. فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَسَأَلْتُهُ التَّخْفِيفَ فَقَالَ إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلاَةً فَخَمْسٌ بِخَمْسِينَ فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ. فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى صِرَّى فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ ارْجِعْ فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ صِرَّى – أَيْ حَتْمٌ – فَلَمْ أَرْجِعْ.  سنن النّسائي؛ كتاب الصّلاة؛ من رواية أنس بن مالك

ومن الآيات الكبرى

أنّه صلى الله عليه وسلم رأى المجاهدين في سبيل الله يزرعون ويحصدون في يوم؛ كلما حصدوا عاد كما كان.

ورأى صلى الله عليه وسلم الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة تُرضخ رؤوسهم بالصخر كلما رُضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء.

ورأى صلى الله عليه وسلم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم على إقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم.

ورأى صلّى الله عليه وسلّم الزّناة من الرّجال والنّساء بين أيديهم لحم نضيج في قِدر ولحم نيّئ في قدر خبيث؛ رآهم يأكلون من النّيئ الخبيث ويدعون النضيج.

ورأى صلّى الله عليه وسلّم خطباء الفتنة الذين يُضلّون النّاس تُقرض ألسنتهم وشفاهم بمقاريض من حديد كلما قُرِضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء.

مسيرات العودة

هذه الذّكرى تفرض علينا أن نتذكر قضية المسلمين الأولى في هذا العصر، قضية القدس والمسجد الأقصى وغزة وكلّ فلسطين، وأنّ نعمل جميعا جادّين على تحرير أراضي ومقدّسات المسلمين لأنّها ليست ملكا للفلسطينيين وحدهم وإنّما هي ملك للمسلمين أجمعين.

وهذه الأيّام يُعِيد الفلسطينيون ذكرى الإسراء والمعراج بشكل عملي بمسيراتهم التي أطلقوا قبل أزيد من سنة وأطلقوا عليها اسم “مسيرات العودة” مسيرات سلمية شهدت لحدّ السّاعة معراج عشرات من الشّهداء ومئات الجرحى والمصابين بجروح بليغة برصاص الطّغاة المحتلّين الغاصبين الهمجيين الذين لا يرعون في المؤمنين إلاّ ولا ذمّة.

وعلينا وعلى كلّ أحرار العالم من المسلمين وغيرهم مدّ يد العون لإخواننا والعمل بكلّ الإمكانات المتاحة لدعم هذه المسيرات وإنجاحها وجعلها تحقّق الهدف المقصود منها.

والله الموفّق والهادي إلى صراطه المستقيم.

د. أوس رمّال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق