الخميس, 07 أيار 2015 12:01

من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه

من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه

تؤشر المقولة القديمة "من تدخل في ما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه" على أن التدخل في شؤون الغير يجلب السب والإساءة لصاحبه، وكم من الناس يجد نفسه محرجا أمام أناس يتدخلون في الصغيرة والكبيرة من أموره حتى أن ذلك قد يؤدي في بعض الأحيان إلى قطع صلة الأرحام وقطع علاقات الصداقة إذا تجاوز الأمر حده وأصبح يزعج صاحب الشأن.

إن التدخل في شؤون الغير من الأخلاق الذميمة التي نهى عنها الشرع الإسلامي بل وقرن الابتعاد عنه بحسن إسلام المرء فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

ويبقى السؤال المطروح هو كيف يتعامل الفرد مع الذي يتدخل في شؤونه، وكيف يوصل له رسالة رغبته في الاحتفاظ بخصوصياته وتدبير أمورها لوحده؟ وما هي الوسائل المعتمدة في مواجهة شخصية المتدخل في شؤون الغير ما دامت شخصية مزعجة للآخرين؟

إزعاج

يشكو كثير من الناس من تدخل الآخرين في حياتهم الخاصة. ولا يدرون كيفية التعامل معهم، حتى إن بعضهم قد يقاطعهم، في حين أن البعض الآخر يواجههم ويصارحهم، ليبقى بعض آخر سلبيا أمامهم يتركهم يدبرون أموره ويوجهونه الوجهة التي يرونها هم وإن كان توجيههم لا يفيده.

(ع. ح) سيدة تكره تدخلها في شؤون الغير كما تكره أن يخوض الناس في شؤونها لذلك اختارت لوحة مكتوب عليها متن الحديث النبوي الشريف: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وعلقتها على حائط غرفة الضيوف في بيتها، معلنة بذلك عن أمر بالتي هي أحسن قبل الخوض في شؤون الناس، وكأنها تلجم لسان من اعتاد على التدخل في شؤون الناس.

اللوحة المذكورة صرحت صاحبتها لـ "التجديد" أنها اقتنتها من أحد المعارض لأنها وجدت فيها ضالتها حتى لا تضطر إلى دعوة الناس بالقول.

ومن جانبها (ف. أ) تختار المواجهة إذ تصد كل متدخل في شؤونها إلى لزوم حده، كما لا ترغب في التدخل في شؤون غيرها إذ يقتصر خطابها على ما يهمها ويهم أسرتها فهي تعلم مآل المتدخل في شؤون الغير إذ يعرض نفسه لصد الآخرين له فهي تسير على نهج "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

أما (م. ح) شاب في مقتبل العمر فإنه يتغاضى عن المتدخلين في شؤونه دون أن يعمل بما يملونه عليه فهو لا يضرهم ولا ينفعهم.

موقف الشرع

يدعو الإسلام المسلمين إلى الانتباه إلى شؤونهم وترك ما لا يعنيهم وبهذا الخصوص صرح الدكتور أحمد كافي (أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية/ الدار البيضاء) لـ "التجديد" بقوله: "يعتبر الإسلام كل إنسان مسؤولا وحده عن أعماله وأقواله وتصرفاته، فالمسؤولية في نظر الإسلام فردية، وأنه لا تتحمل نفس أعمال نفس أخرى، لقوله تعالى:" ولا تزر وازرة وزر أخرى"(سورة الزمر: 7).

واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الابتعاد عن التدخل في شؤون الآخرين  دلالة على حسن إسلام فاعل ذلك، فعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

ويسمى المتدخل في شؤون الغير، المتجرئ بالتصرف في شؤونهم ب: الفضولي، ولذلك عرفوا الفضولي بأنه: هو الشخص الذي يَسْعَى إِلَى التَّدَخُّلِ فِيمَا لاَ يَعْنِيهِ قولا أو فعلا".

ومما جاء في شرح الحديث : أن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال؛ ومعنى يعنيه: أنه تتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية: شدة الاهتمام بالشيء، يقال عناه يعنيه: إذا اهتم به وطلبه، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام ولهذا جعله من حسن الإسلام، فإذا حسن إسلام المرء، ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال، فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات.

وأضاف كافي أن "السلف الصالح كانوا يقولون: من اشتغل بما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه. وقال الحسن: من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله في ما لا يعنيه .

وهكذا يتبين أن حشر الأنوف في ما لا فائدة لك ولا لغيرك، وإزعاج الآخرين بتصرفك، وإقلاقهم في أحوالهم وراحتهم..كل ذلك من باب التدخل في شؤون الغير الممقوت صاحبه، المبغوض من طرف جميع الخلق.

غير أن تقديم النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدخل في مجال التدخل في شؤون الغير. بل هو من التدخل في الشؤون الجماعية. بما نستفيده أن عدم القيام بالواجبات الدينية والدنيوية سيؤدى المتصرف بالسوء، والمتهور في سلوكه، إلى إلحاق الأذى بالآخرين. لقوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" (الأنفال: 25). فهذا فرق بين تدخل وتدخل".

كيفية صد المتدخلين

بعد إدراك موقف الشرع من التدخل في شؤون الغير يبقى السؤال المطروح: كيف نوصل مفاد هذا الحديث للمتدخلين في شؤون الغير؟

أجاب الدكتور أحمد كافي في حديثه لـ "التجديد" بالقول: "وأما إيصال هذه المعاني لهؤلاء المتدخلين فيما لا يعنيهم، فيتم عبر ما يلي:

1ـ تربية الأبناء وتعويدهم على الاشتغال بأنفسهم، وترك الحرية للآخرين وعدم إزعاجهم، ويستعان على هذا الأمر بالنصوص الشرعية الواضحة في هذا الباب، وبسيرة السلف الصالح وقصص المفكرين والعظماء الذين وصلوا مكانة مرموقة بفعل تكوين أنفسهم والسهر في ما يعنيهم، حتى إنهم لم يجدوا الوقت لكثير من مصالحهم، فكيف سيجدون الوقت للتدخل في الغير.

ها هنا سنجد أنفسنا أمام ناشئة لا تهتم بالغير فتجلب له الضرر والقلق، لأن لها من الأعمال ما لا تجد فسحة لأدائها وإحسان إنجازها.

2ـ وأما الكبار فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب يجب فتحه على مصراعية، وهذا أفضل الوسائل لإيصال الحديث إليهم مباشرة ودون التواءات، قد يضيع معها الموضوع.

3ـ الاستعانة بوسائل التواصل الحديثة، كالأغنية والمسرح والفيلم .. وغيرها من أساليب التعبير في نشر الثقافة البانية، وتبشيع السلوكات المنحرفة".

شخصية المتدخل

أوضح الدكتور كافي في حديثه لـ "التجديد" أن "شخصية شخصية المتدخل في شؤون الغير ليست شخصية صعبة، ولكنه يتمادى في غيه بسبب الحياء الذي يكون عند غالب الناس، فلا يرضون تدخله، في المقابل لا يواجهونه بالتوقف. ومما ننصح به للتعامل مع مثل هذه الشخصيات المزعجة، ما يلي:

1ـ يجب تنبيهه بأن تصرفه غير مقبول، وأنه يجب عليه أن يتوقف عند هذا الحد في التعامل. فإذا وجد في كل مرة من يواجهه بالحقيقة، وينصحه بالواجب، كان في ذلك إعانة له للإقلاع عن تصرفه. لأن هناك من يعتقد أن تصرفه سليم ما دام الناس يقبلونه ولم ينهه أحد أو عاتبه في سلوكه.

وقد روى المؤرخون أن رجلا سأل الإمام مالك، فقال: يا أبا عبد الله، كم سنك؟ قال: أقبل على شأنك".

وهذه الصراحة أفضل للاثنين معا. فأما وجه أفضليتها للمتدخل في ما لا يعنيه، أن ذلك يزعه عن المضي في مثل هذا العمل في ما يستقبل من الأيام. وأما أفضليتها للمنزعج من مثل هذه السلوكات المرضية، فوجه أفضليتها تقديم النصيحة، والتخلص من الغيبة التي يقع فيها غالب الذين لا يواجهون الحقائق بما ينبغي.

2ـ يجب إيصال الرسالة واضحة له أن هذا مرض عليه أن يشتغل على نفسه للتخلص منه في سريع الأوقات، مع مساعدته إذا كانت عنده الرغبة في ذلك".