الثلاثاء, 20 حزيران/يونيو 2017 13:52

خير من ألف شهر

خير من ألف شهر

قد مضت سنة الله عز وجل في مخلوقاته أنه يختار ما يشاء، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68]، فاختار من الشهر شهر رمضان، ومن ليالي الشهر ليالي العشر الأواخر، ومن هذه الليالي المفضلة ليلة القدر فهي خيار من خيار من خيار.

إنها الليلة التي حظيت بنزول القرآن الكريم فيها، وهو حدث عظيم لم تشهد الأرض ولا السماء مثله في عظمته.

وكأن هذه الليلة لها قدر عند الله منذ الأزل، وقد ازدادت قدرًا على قدر بنزول القرآن فيها، وحظيت بهذا الشرف فوق شرفها الأول، وأصبحت سيدة الليالي.

فلماذا سميت ليلة القدر؟

1 - لأن الله يقدر فيها الأرزاق وأمور العباد وتأخذ الملائكة صحائف الأقدار عاماً كاملاً من ليلة القدر إلى ليلة قدر أخرى، فلا يبقى جليل ولا حقير إلا كتب الله أمره عاماً كاملاً، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ(3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 3-4] .

2- لأن الله أنزل فيها القرآن وهو أعظم ما يكون من الكتب قدراً.

3- لأن الإنسان يعظم قدره فيها إذا أحياها، لذلك قد تكتب السعادة لإنسان بعد إحيائها قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3] إحياؤها أفضل من عبادة 84 عاما. 4- لأن الأرض تضيق والقدر هو التضييق كما قال تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق:7]، أي ضيق عليه لأن الأرض تضيق من كثرة الملائكة التي نزلت من السماء. والصحيح أن كل ذلك واقع في ليلة القدر كما ثبت في النصوص.

ويستحب في هذه الليلة اتباع هدى النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه قالت: «كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله» [متفق عليه]. - شد مئزره: كناية عن ترك النساء.. وقيل: أي جد واجتهد في العبادة. - أحيا ليله: قال بعد العلماء: " ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام في ليالي العشر أبداً، أي أن صلاته تستمر من بعد العشاء يحيي ليله إلى أن يندلج الفجر ".

لقد كان صلى الله عليه وسلم يعتكف في المسجد ويلزمه فلا يخرج منه في العشر الأواخر؛ تفرّغاً لعبادة الله -عزّ وجلّ-، وطلباً لثواب الله وفضله بإحياء ليلة القدر، وتزوّداً من الأعمال الصّالحة في موسم الأجر، وحملاً للنّفس وتدريباً لها على الصبرِ على فعلِ الطّاعةِ وخصالِ البرّ؛ ففي الصّحيحين عن عائشة رضي الله عنها : «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ»، وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ؛ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ». ولهذا روى ابن المنذر عن الإمام ابن شهاب الزّهريّ رحمه الله أنه كان يقول: "عجباً للمسلمين تركوا الاعتكاف، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتّى قبضه الله".

وأمّا الدُّعاءُ: فقد ثبت في (سنن التّرمذيّ) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم -كما ثبت في (صحيح مسلم)-: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ»، ولهذا قال سفيان الثوريُّ رحمه الله: «الدُّعاء في تلك الليلة أحبُّ إليّ من الصّلاةِ»؛ يعني: من الصّلاة الّتي لا دعاء فيها، أو يقلُّ فيها الدُّعاء، ومن صلّى ودعا يكون قد جمع بين الحسنيين، وهذا أكمل الحالين .

الإصلاح