×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 367
الجمعة, 12 حزيران/يونيو 2015 08:24

مقاصد التزكية في رمضان - د. محمد بنينير

 د. محمد بنينير

رمضان غرة الأيام والشهور وفرصة العمر:

يتميز شهر رمضان الأبرك بأجوائه الإيمانية الربانية المفعمة بنفحات الخير والبركات التي تهب من قبل الرحمان، لأن تجارة الآخرة (العبادة) لها مواسم كما الشأن في تجارة الدنيا، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:

«افعلوا الخير دَهْرَكُمْ، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم وأن يؤمن روعاتكم ». السلسلة الصحيحة (حسن). وفي رواية « إن لربكم من أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها...».

ورمضان موسم خصب من مواسم العبادة (الصيام– القيام- قراءة القرآن- الصدقة...) تضاعف فيه الحسنات، ويمهد الله فيه طريق الخير لجميع العباد المقبلين عليه بصدق وإخلاص،  فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة " . رواه الترمذي وابن ماجه بسند حسن.

ولذلك فأبواب الخير في هذا الشهر مفتوحة، وأبواب الشر موصودة ومغلقة،  فلا يحرم الخير إذن  في هذا الشهر إلا شقي أقصى نفسه من التعرض لنفحات الرحمة  الربانية التي تعم كل مؤمن في هذا الشهر العظيم، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، وصعد المنبر وهو يقول "آمين" في كل درجة من درجات المنبر (ثلاث درجات)، فسأله الصحابة رضي الله عنهم عن سر ذلك فقال «إن جبريل عرض لي فقال: بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يغفر له، فقلت: "آمين"، فلما رَقيتُ الثانية قال: بَعُدَ من ذُكِرْتَ عنده فلم يصل عليك، فقلت: "آمين"، فلما رقيت الثالثة قال: بَعُدَ من أدرك أبويه الكبرُ أو أحدَهما فلم يدخلاه الجنة، فقلت: "آمين"». فالذي يدرك رمضان ولا يتحقق بمعاني التزكية التي تحط عنه ذنوبه وتزيد من رصيد حسناته حتى يرتقي في ميزان الله، فقد دعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بالبعد، وأمن جبريل على هذا الدعاء (دعاء مستجاب)، وهو جزاء من جنس العمل، لأن الله قرب إلينا أسباب الرحمة والمغفرة في هذا الشهر، فمن أخذ بها اقترب من الله ونال مبتغاه من الرقي في درجات الإيمان والجنة، ومن أعرض عنها ولم يلتفت إليها ازداد بعدا من الله وانحط أسفل سافلين، وقد لا يحظى بمثل هذه الفرصة مرة أخرى.

المقاصد العظمى للتزكية في رمضان:

يمكننا أن نعين للتزكية في رمضان ثلاثة مقاصد عظمى هي من أمهات مقاصد العبادة في الإسلام، وقد دلت عليها النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة:

1- التحلي بالتقوى: فالتقوى هي مقصد المقاصد وغاية الغايات من كل الأفعال التعبدية للمكلفين، وقد جاء ذلك واضحا في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» [البقرة/21]، حيث تم تعليل فعل العبادة ببلوغ مرتبة التقوى، وهذا معناه أن التقوى غاية للعبادة، رغم أن العبادة هي الغاية من خلق الإنسان كما في قوله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» [الذاريات/56]، ولذلك أيضا عُلِّلَ حكم الصيام بغاية التقوى في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» [البقرة/183]. فالصوم ليس تعذيبا للنفس وإعناتا لها بدون هدف، وإنما هو وسيلة للتزكية والتربية، وما يصاحبه من مشقة وجهد مطلوب لغيره (التقوى)، وليس مطلوبا لذاته، فقد نذر رجل في زمن  النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم في الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فنهاه الرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه " رواه البخاري.

وهنا ننبه عامة الناس الذين يصومون بدافع العادة والتقليد فقط، ويعرضون أنفسهم للهلاك عندما يرفضون رخصة الطبيب بالإفطار، حين يصابون بالأمراض المزمنة التي تستوجب الإفطار مؤقتا أو دائما، ونقول لهم إن قتل النفس ليس من التقوى والصيام شرع للتقوى، ولذلك فالعاجز عن الصيام لعذر من الأعذار الشرعية، حيث يصبح في الصوم تهديدا لحياته، وجب عليه الإفطار ثم القضاء إذا خرج من علته وتعافى منها، أو وجب عليه الإفطار مع الفدية إذا كانت علته دائمة وملازمة إلى الممات. ومن عجز عن عبادة فله عزاء في باقي العبادات الأخرى ما دامت كلها تعتبر طريقا موصلا إلى التقوى، وهنا ننبه أن عبادة الصلاة والزكاة مقدمة على الصيام، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا صام كثرت صلاته وقيامه وازداد جوده وإنفاقه، ونختم الكلام عن التقوى بهذه الآية الجامعة لكل معاني العبادة والتقوى، يقول رب العزة سبحانه: « لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئينَ، وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمُ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ»  [البقرة/177]

2- التحقق بالشكر والذكر: إذا كانت التقوى علة وغاية للعبادة، فإن الشكر مقصد مرادف للعبادة كما في قوله تعالى: « بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» [الزمر/66]، ومن ثم كان إنهاء عدة الصيام طريقا نحو بلوغ مرتبة الشكر كما في قوله تعالى في آيات الصيام: « وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [البقرة/185]، ويتضمن ذكر مقصد الشكر مقصدا آخر وهو "الذكر" المشار إليه في عبارة "وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ"، والشكر والذكر معنيان مترادفان تجمع بينهما دلالة الاعتراف، فالذاكر والشاكر معترفان بنسبة النعم إلى الله المنعم الخالق الرازق، ومن ثم كانت عبادتهما حقيقية لأنها تضمنت معنى الاعتراف القلبي باستحقاق الله المعبود للعبادة، وأنها حق خالص له يؤدي به العبد بعض ما عليه تجاه خالقه العظيم الذي وهبه الحياة، وهداه للإيمان، وأمده بنعمه الظاهرة والباطنة.

3- حسن الخلق: حسن الخلق هو ثمرة العبادة وأحد مقاصدها الكبرى لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل أنى امرؤ صائم » . متفق عليه، ومن هنا يكون الصيام مجاهدة نفسية أكثر منه مكابدة بدنية، لأن الصائم عليه أن يحمي صيامه من (المترمضنين) الذين يصومون تحت ضغط العادة والخوف من كلام الناس، ويتحول صيامهم إلى خصومات وشتائم واعتداءات على الناس في الأسواق والشوارع ومحلات العمل، ومن ثم فالصائم لله إيمانا واحتسابا يتحلى بالسكينة والوقار، وينطبق عليه قول الله تعالى: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْاَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا»  [الفرقان/63]، فهو يدفع بالتي هي أحسن في سائر أيامه فبالأحرى في يوم صيامه، فالصوم الحقيقي هو صوم الجوارح كلها عن كل ما حرم الله، وترك الشهوة الحلال في يوم رمضان هو تدريب للنفس على ترك الشهوات الحرام بشكل مطلق، والعبادات كلها تؤدي دورا تربويا يحقق الاستقامة الخلقية في حياة المسلم، فالصلاة «تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» (العنكبوت: 45)، والزكاة لا تقبل من المَنَّانِ الذي يؤذي الناس بسلاطة لسانه «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى» (البقرة: 263 ـ 264)، والحج مدرسة أخلاقية فريدة «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ" (البقرة: 197).

وفي الختام:

هذه المقاصد وغيرها هي التي ينبغي أن يستحضرها الصائم في شهر رمضان، فهي تجمع بين استقامة القلب والجوارح، وبين مطلب التقرب من الله وإصلاح ذات البين مع العباد، وبين المطالب التعبدية المحضة والمطالب التعبدية الاجتماعية، وهي التي تطهر صيامنا من شوائب العادات السيئة، وترسخ عادات الخير التي درج عليها مجتمعنا وتربى عليها أبناؤه، وتبقي شهر رمضان في حياتنا مناسبة لتجديد الصلة مع الخالق من جهة، وفرصة لتمتين الروابط بين أفراد المجتمع من جهة ثانية، وقد اعتاد المغاربة ككل المسلمين على كثير من عادات الخير وخصال البر في هذا الشهر الكريم، والتي لا تتعارض مع المقاصد التي ذكرناها، بل تسندها وتدعمها وتقويها حيث يجب علينا اليوم التمسك بها وتثبيتها في حياتنا حتى تنشأ عليها الأجيال الحاضرة، وحتى نربط حاضرنا بماضينا ونتهيأ للمستقبل بعدة قيمنا الراسخة التي نتعلمها من ديننا الحنيف ونتلقاها عن أسلافنا أبا عن جد، قال الله عز وجل «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ»  [فاطر/32].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.