السبت, 03 كانون1/ديسمبر 2016 14:45

ذوي الاحتياجات الخاصة في ميزان الإسلام

ذوي الاحتياجات الخاصة في ميزان الإسلام

لقد اهتم الإسلام اهتماما كبيرا بكل فئات المجتمع عامة‏,‏ وحث أتباعه علي الرعاية الخاصة والكاملة للضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة‏، كما أن تشريعاته في هذا المجال قد سبقت كل المواثيق والقوانين والاتفاقيات الدولية.

وأكد علماء الدين أن حقوق المعاقين في الإسلام فريضة واجبة علي الجميع حكاما ومحكومين، وليست إحسانا من أحد، أو توصيات وقرارات كما جاء في المواثيق الدولية، ودعوا إلي زيادة الاهتمام والرعاية لهذه الفئة المهمة من فئات المجتمع حتى ينعم الكل بالأمن والاستقرار الاجتماعي.

ولقد اهتمت شريعة الإسلام بحال الضعفاء وعظّمت قيمتهم وطاقتهم، فليسوا طاقات مهمّشة، ولا أُناس مهمَلين-، كما عظَّمَت ثواب الذي يعين ضعيفًا من هؤلاء، ولا ينتظر ثوابًا من البشر، بقدر ما تكون نيته وغايته نيل رضا الله تعالى، ومعاملته بالمثل في الآخرة؛ لا سيّما وهي دار الضعف، ولا يقوى فيها إلا من قوّاه الله تعالى، وثبّته وأيّده ووفقه لجنته ورضوانه.

ففي الحديث: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [صحيح البخاري (3/ 128)]. إنّه دين الإسلام الذي يربي في النفوس حب الآخرين والوقوف بجوارهم، والعمل على معونتهم ورفع البأساء والظلم عنهم.

كما وضع عنهم كثيراً من التكاليف، وخفف عنهم في أخرى؛ كما دلت على ذلك أحكام كثيرة وشواهد عديدة كسبـب نزول قوله تعالى: غير أولي الضرر (النساء:95)، فقد أخرج البخـاري في صحيحـه عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْلَى عَلَيْهِ: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُـومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( )، لكن مـع هـذا فإنه يقبـل ما يصـدر من ذوي الاحتياجات الخاصة إذا بذل ما يفـوق جهـده تحدياً للإعاقة( )، وقـد ضرب لنا الصحابي الجليل عمرو بن الجموح، رضي الله عنه، المثل الأعلى في هذا المعنى.

أَتَى عَمْـرُو بْنُ الْجَمُـوحِ، رضي الله عنه، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُـولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرِجْلِي هَـذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ؟ -وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : نَعَمْ، فَقُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ: هُوَ وَابْنُ أَخِيهِ وَمَوْلًى لَهُمْ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهِمَا وَبِمَوْلاهُمَا فَجُعِلُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ( )، فصرف طاقته الزائدة هنا يتحـول إلى رصيـد اجتمـاعي في إنجازات المجتمع الحضارية، خاصة إذا ارتبط الإنجاز بمعاني البطولة في سبيل الله.

من جهة أخرى، حرّمَ الإسلام السخرية من شأن الضُّعفاء (امرأة أو طفلاً أو عاجزًا في مرض، أو فقيرًا ……) فلهم مشاعر وأحاسيس يجب أن تحترم كباقي الناس، لا سيّما ذوي الاحتياجات الخاصّة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11]، ويقول النبيّ : «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» صحيح مسلم (4/ 1986). والمسلم صاحب أدب راقٍ لا يعتدي باللفظ ولا بالفعل على الآخرين، لا سيّما من اشتد به الضعف والفاقة والحاجة. ومن رأى ضعيفًا أو مبتلى فليتعلّم من سيد النّاس وهو يقول إذا رأى مبتلى، فكما عند الترمذي وقال عنه الألباني: \”حسن\” «مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ البَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ». وما ذاك إلا إيمانًا من المسلم بأنّ دوام الحال من المُحال، فالفقير قد يكون غنيًّا يومًا والعكس، والمريض قد يكون صحيحًا والعكس، والأيّام دُول، فالحذر الحذر.

والمتأمل في تاريخنا العلمي الإسلامي يجد الكثير من العلماء الذين أًصبحت إعاقتهم أو عاهتهم عَلَمًا يدل عليهم، ونذكر من بين هؤلاء العلماء :-

1 - الأحول :- هو عاصم بن سليمان البصري (تُوفِّي 142هـ) من حُفَّاظ الحديث ثقة، واشتهر بالزهد والعبادة.

2 - الأخفش :- وقد سُمِّي بهذا الاسم من أهل العلم أربعة، هم: الأخفش الأكبر، والأوسط، والأصغر، والدمشقي؛ أما الأكبر فهو عبد الحميد بن عبد المجيد (توفي 177هـ) من كبار علماء اللغة العربية. وأما الأوسط فهو سعيد بن مسعدة المجاشعي (توفي 215هـ)، وكان عالمًا باللغة والأدب. وأما الأصغر فهو علي بن سليمان بن الفضل (توفي 315هـ)، أحد علماء النحو. وأما الدمشقي فهو هارون بن موسى بن شريك التغلبي (توفي 292هـ) شيخ القرَّاء بدمشق، كان عارفًا بالتفسير والمعاني والشعر.

3 - الأصم :- وقد سمي بهذا الاسم من أهل العلم اثنان، هما: حاتم بن عنوان (توفي 237هـ) الذي اشتهر بالورع والزهد والتقشف، وكان يقال: حاتم الأًصم لقمان هذه الأمة. والثاني محمد بن يعقوب بن يوسف الأموي، ولقب بالولاء أبو العباس الأصم (توفي 346هـ)، وكان من أهل الحديث، وكان ثقة أمينًا.

4 - الأعرج :- هو عبد الرحمن بن هرمز (توفي 117هـ)، من موالي بني هاشم، حافظ، قارئ أخذ عن أبي هريرة، وبرز في القرآن والسنن، وكان وافر العلم، خبيرًا بأنساب العرب.

5 - الأعمش :- هو سليمان بن مهران الأسدي بالولاء (توفي 148هـ) تابعي، مشهور، وكان عالمًا بالقرآن والحديث والفرائض، حتى إنه قيل: لم يُرَ السلاطين والملوك في مجلس أحقر منهم في مجلس الأعمش، على الرغم من شدة حاجته وفقره.

6 - الأعمى :- هو معاوية بن سفيان (توفي 220هـ)، شاعر بغدادي من تلاميذ الكسائي.

7 - الأفطس: هو علي بن الحسن الهذلي (توفي 253هـ) مُحدِّث نيسابور، وشيخ عصره فيها، وكان من حفَّاظ الحديث، وله مسند.

الإصلاح/ س.ز