الجمعة, 28 نيسان/أبريل 2017 12:32

فَضَائل شَهرِ شَعبانَ وَمَا يتعلَّقُ بِهِ مِن أَحكام

الخطبة الأولى

الحمد لله قال وهو أصدق القائلين:"ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير" البقرة 148

والصلاة و السلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد سيد الكائنات، المروي عنه أنه قال:[ افعلوا الخير دهركم، و تعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم، وأن يؤمن روعاتكم] المعجم الكبير للطبراني حسن

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال عز من قائل:" سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" (الحديد:21).

و نشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله و رسوله، ومصطفاه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وسلم من نبي أمين، ناصح حليم، و على آله وصحابته وعلى من حافظ على دينه و شريعته واستمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين أما بعد، من يطع الله و رسوله فقد رشد واهتدى، وسلك منهاجا قويما و سبيلا رشدا، و من يعص الله و رسوله فقد غوى واعتدى، و حاد عن الطريق المشروع و لا يضر إلا نفسه و لا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه و يطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله و سؤله، فإنما نحن بالله و له،

عباد الله :إن من علامات محبة الله لعباده المومنين، وعنايته بأمة النبي محمد الأمين أن جعل مواسم الخيرات ترد عليهم تترًا، محملة بالعطايا و النفحات، والفضائل والهبات، من رب الأرض والسموات، ومن بين تلك المواسم شهر يغفل عنه كثير من الناس، مع أن قدره عظيم و فضلـَه جليل ألا وهو الشهر الذي حل بنا، شهر شعبان، أيها الإخوة المومنون قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ- أَنَّهُ قَالَ: إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً)) رواه الطبراني وحسنه الهيثمي في المجمع 10/ 231 و صح عنه أنه قال: "إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا وَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَأَنْ يُؤْمِنَ رَوْعَاتِكُمْ"؛ فمن هَذَين الْحدِيثين الْجَلِيلين يَتبينُ أَمْرَانِ مُهِمَّانِ يَجِبُ علينا الانتباه إِلَيْهِما؛ أَوَّلُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: هُوَ التَّحَيُّنُ لِلأَوْقَاتِ الْمُبَارَكَةِ وَالأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ من أجل اغتنام فضلها و ربح خيرها؛ فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى-الذي َلَهُ الشَّأنُ كُلُّهُ والْخِيَرَةُ كُلُّهَا- اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ أَشْخَاصًا وَأَزْمَانًا وَأَمْكِنَةً جَعَلَ لَهَا مِنَ الْفَضْلِ و الْمَزَايَا مَا قَدْ يَكُونُ لَهَا - فَقَطْ- وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهَا.

وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَهُوَ محَافِظَة الْعَبْدُ عَلَى دُعَاءٍ تَكُونُ فِيهِ نَجَاتُهُ، وَتحصل بسببه فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ حِمَايَتُهُ ؛ فَسَلُوا عباد الله ربكم أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَأَنْ يُؤْمِنَ رَوْعَاتِكُمْ. نَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ-جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَعَظُمَ فِي عَالِي سَمَاهُ- أَنْ يَسْتُرَ مِنَّا الْعَوْرَاتِ، وَأَنْ يُؤْمِنَنَا فِي الرَّوْعَاتِ؛ إِنَّهُ - سُبْحَانَهُ- وَلَيُّ ذَلِكَ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.

ـ وَمِنْ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَهَذِهِ النَّفَحَاتِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي اخْتَصَّ اللهُ - تَعَالَى- بِهَا بَعْضَ الزَّمَانِ هَذِهِ الأَيَّامُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا؛ فَنَحْنُ فِي غُرَّةِ شَهْرِ شَعْبَانَ؛ هَذَا الشَّهْرُ الْكَرِيمُ الَّذِي يَأْتِي بَيْنَ رَمَضَانَ وَرَجَبٍ؛ فَيَكُونُ تَالِيًا لِرَجَبٍ وَسَابِقًا لِرَمَضَانَ حَتَّى كَانَ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ ٌ- بَلْ خَصَائِصُ مُتَعَدِّدَةٌ- ذَكَرَهَا لَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ منها ما دل عليه حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ-تَعَالَى-عَنْهُما- قَالَ: قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لِي أَرَاكَ تَصُومُ فِي شَعْبَانَ أَكْثَرَ مِمَّا تَصُومُ فِي غَيْرِهِ؟) يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ -وَهُوَ الشَّهْرُ الْمَفْرُوضُ صِيَامُهُ؛ فقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلامُ-: "شَهْرُ شَعْبَانَ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى اللهِ، وَإِنِّي أُحِبّ ُ أَنْ تُرْفَعَ أَعْمَالِي فِيهِ إِلَى اللهِ وَأَنَا صَائِمٌ" فبَيَّنَ في هَذَا الحَدِيثِ رَسُولُ اللهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ- أن أَكْثَر النَّاسِ   فِيه غَفْلَةَ عَنْ صِيَامِ هَذَا الشَّهْرِ، وَعَمَّا فِيهِ مِنْ فَضَائِلَ، وَعَمَّا فِيهِ مِنْ مَزَايَا وَخَصَائِصَ وفي قوله: ((يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان)) إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو حتى الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه إما مطلقا أو لخصوصية فيه، لا يتفطن لها أكثر الناس، فيشتغلون بالمشهور عندهم عنه، ويُفـَوِّتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم، ولما كان الناس يشتغلون بغير شعبان عن شعبان فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمره بالطاعة وبالصيام، ويقول لأسامة لما رآه مستفهما عن سبب الإكثار من الصيام في شعبان، ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، ولذلك قال أهل العلم ـ وهذه لـَفْتـَة ٌفتنبه لها يا عبد الله ـ: هذا فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل، ولذا كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم فضل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر كما قال: ((إن أفضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل)) (السنن الكبرى للبيهقي) ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يؤخر العشاء لنصف الليل وإنما علل ترك ذلك لخشية المشقة على الناس، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهل، أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: ((إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهلُ دين غيرُكم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة)) (رواه مسلم). وفي رواية: ((ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم)) وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بالذكر في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر، ولاستيلاء الغفلة على الناس، ولهذا لو نظرت إلى الفضائل والدرجات التي منحت للذاكرين في وقت غفلة الناس تجد شيئا عجبا، فهذا الرجل الذي يدخل السوق فيذكر الله، له أجر عظيم لأنه ذكر الله في مكان غفلة الناس، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:(من دخل السوق فقال: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة،وبني له بيتا في الجنة)(سنن الترمذي عن عبد الله بن عمر).

ـ ومما يؤكد هذا المعنى ما دار بين طارق بن شهاب وسلمان الفارسي رضي الله عنه عندما بات طارق عند سلمان لينظر اجتهاده، قال: فقام يصلي من آخر الليل، فكأنه لم ير الذي كان يظن، فذكر ذلك له، فقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذه الجراحات ما لم تصب المقتلة(يقصد الكبيرة من الكبائر)، فإذا صلى الناس العشاء صدروا عن ثلاث منازل:1ـ منهم من عليه ولا له، 2ـ ومنهم من له ولا عليه، 3ـ ومنهم من لا له ولا عليه، فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس، فركب فرسه في المعاصي فذلك عليه ولا له [ هؤلاء الذي يغتنمون غفلات الناس عنهم فيعبون من الفواحش عبا ] ومن له ولا عليه: فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فقام يصلي، فذلك له ولا عليه، ومن لا له ولا عليه: فرجل صلى ثم نام فذلك لا له ولا عليه، إياك والحقحقة، وعليك بالقصد وداوم،(لأن أحبَّ الاعمال إلى الله أدومُها) " والحقحقة: هو أن يجتهد في السير ويلح فيه حتى تعطب راحلته أو تقف.

ـ والأجور المترتبة على الاشتغال بالطاعات وقت غفلة الناس كثيرة ومتنوعة، فتعرضوا لنفحات الله، أيها الأحبة، وتلمسوا مرضاته. ثم اعلموا يا

عباد الله أن إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فيه فوائد:

1- الفائدة الأولى:إن فعلكم لهذه الطاعة يكون أخفى، وإخفاء النوافـــل وإسرارها أفضل

لاسيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء.

2 - الفائدة الثانية: في إحياء وقت غفلة الناس بالطاعات أنه أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس إن كان على السّـُنة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((الأجر على قدر النـَّصَب)). (البخاري كتاب العمرة: باب أجر العمرة على قدر النصب) والسبب في أن الطاعات في وقت غفلة الناس شاقة وشديدة على النفوس، هو أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين لهم، فسهلت الطاعات، وتأمل كيف أن كثيراً من الناس يشق عليهم الصيام في غير رمضان: فإذا جاء رمضان سهل عليهم الصيام ولم يجدوا مشقة في صيامه، وذلك لأن الناس مِن حولهم يؤدون هذه العبادة الجليلة، والناس كأسراب القطا ( أي كقطعان الحمام) يتبع بعضهم بعضا، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الناس أشبه بأهل زمانهم منهم بآبائهم. ولهذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم في حال الغرباء في آخر الزمان: ((للعامل منهم أجر خمسين منكم – أي من الصحابة – إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون))[وفي مسلم] ((فطوبى للغرباء)) ولهذا جاء في صحيح مسلم أيضا من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((العبادة في الهرج كالهجرة إلي)) وعند الإمام أحمد بلفظ: ((العبادة في الفتنة كالهجرة إلي)) وسبب ذلك أن الناس في وقت الفتن تستولي عليهم الغفلة،ويتبعون أهوائهم ولا يرجعون إلى دين، وينشغلون عن عبادة ربهم بهذه المحدثات والمضلات من الفتن، ويكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد مِن بينهم مَن يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيَه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، متبعاً لأوامره مجتنبا لنواهيه، محافظا على سنته وهديه وطريقته صلى الله عليه وسلم، في كل زمان ومكان، والفوائد والمعانى في هذا الباب كثيرة لمن تأملها ووقف معها واستزاد منها.

عباد الله ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القران، ليحصل التأهُّبُ لتلقي رمضان، وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، ولهذه المعاني المتقدمة وغيرها كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك، ويغتنم وقت غفلة الناس وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولذلك فإن السلف كان يَجدّون في شعبان، ويتهيأون فيه لرمضان. قال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يَسْقِ في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان، وها قد مضى رجب وحل شعبان فما أنت فاعل فيه إن كنت تريد رمضان؟

مضى رجب وما أحسنت فيــــه       وهذا شهـر شـعبـــان المبـاركْ

فيـا من ضيـــع الأوقـات جهـلا         بحرمتها أفِقْ واحـذر بـَــوَارَكْ

فسـوف تفــــــارق اللذات قهـرا       ويُخلى الموتُ قهرا منك دارَكْ

تدارك ما استطعت من الخطايا         بتوبـةِ مُخلصٍ واجعل مَـدَارَكْ

على طلب السـلامـــة من جحيم       فخيرُ ذوي الجرائـم مَن تَداركْ

هَذَا الشَّهْرُ؛ اسْمُهُ شَعْبَانُ، وقَدْ ذَكَرَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ: أَنَّ شَعْبَانَ سُمِّيَ بِهَذَا الاسْمِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَكُونُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مُمْتَنِعَة عَنِ الْحَرْبِ وَمُمْتَنِعَة عَنِ الْقِتَالِ - لِأَنَّهُ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحَُرَُمِ -، فَإِذَا انْقَضَى شَهْرُ رَجَبٍ تَشَعَّبَ الْعَرَبُ لِلْقِتَالِ فَشَعْبَانُ مِنْ الشُّعَبِ أَوْ مِنْ التَّشَعُّبِ، وَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ هَذَّبَ كَثِيرًا مِنْ أَخْلَاقِ الْعَرَبِ، فحَافَظَ عَلَى مَا كَانُوا فِيهِ مُوَافِقِينَ لِلفِطْرَةِ، غَيْرَ مُغَيِّرِينَ.

وَأما السَّلَفُ الصَّالِحُ -رَضِيَ اللهُ- تَعَالَى-عَنْهُم- فكَانُوا يُسَمُّونَ شَهْرَ شَعْبَانَ (شَهْرَ الْقُرَّاءِ)،كَمَا وَرَدَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ:(شَهْرُ شَعْبَانَ شَهْرُ الْقُرَّاءِ)،وَقَالَ غَيْرُهُ:(شَهْرُ شَعْبَانَ شَهْرُ الْقُرْآنِ) وَمَا ذَلِكَ إِلَّا اسْتِعْدَادًا لِلنُّفُوسِ، وَتَهْيِئَةً لِلْجَوَارِحِ وَالْأَبْدَانِ؛ حَتَّى تَسْتَقْبِلَ هَذَا الشَّهْر، وَ تَتَهَيَّأَ لَهُ؛

أيها الإخوة المؤمنون إن شهر رمضان هو شهر الجائزة، ففيه يفوز الصائمون القائمون، ويخسر القاعدون المبطلون، فهو مجال للعمل و ليس لبدء الاستعداد للاستمرار على الطاعة، وإنما أيام شعبان هي أوان أخذ بوادر الأهبة، وتجهيز متاع التوبة إلى شهر الصيام والقيام؛ فالفائز في رمضان هو مَن أحسَن الأهبة في شعبان، والمغبون أشد الغبن من استغفله الشيطان واستولى على دقائقه وساعاته في شعبان. نور الله بصائرنا و بصائركم بنوره، و جمعنا و إياكم مع الصالحين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون

وسلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الْهَادِي الصَّادِقِ الْوَعْدِ الْأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ -رَضِيَ اللهُ-تَعَالَى-عَنْهُمْ-أَجْمَعِينَ-. أما بعد، عباد الله: إن مِمَّا يَجِبُ أَنْ نُنَبِّهَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتِنَا وَبَنَاتِنَا وَأَخَوَاتِنَا وَزَوْجَاتِنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِقَضَاءِ أَيَّامِ الْفِطْرِ الَّتِي قَدْ أَذِنَ اللهُ لَهُنَّ بِفِطْرِهَا بِسَبَبِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ تَرَاهُن تُؤَجِّلُنَ الْقَضَاءَ إِلَى شَهْرِ شَعْبَانَ، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تُعَجِّلَ حَتَّى إِذَا جَاءَ شَعْبَانُ أَقْبَلَتْ عَلَى صِيَامِ النَّافِلَةِ، اتباعا لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِي كَانَ يُكْثِرُ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ -كَمَا قَدَّمْنَا-. لكن بَعْضَ الْمُتَفَقِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ - وَقَلِيلٌ مَا هُنَّ- قد تَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَصُومُ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْقَضَاءِ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، وَتَقِفُ! مَعَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ لَفْظَيْنِ يُفَسِّرَانِ فِقْهَ الْحَدِيثِ، وَيُفقِّهَانِ الْغَائِبَ عَنْ فَهْمِهِ الصَّحِيحِ؛ أَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُولَى: فَهُوَ قَوْلُهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: (لِمَا كَانَ يَشْغَلُنِي مِنْ شَأْنِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-)؛ إِذَنْ: كَانَتْ تُؤَخِّرُ ذَلِكَ لِسَبَبِ شُغْلِهَا وَانْشِغَالهَا بِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَنْ مِثْلُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-!؟ وَالرِّوَايَة ُ الْأُخْرَى الْمُفَسِّرَةُ -أَيْضًا- قَالَتْ: (حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-). إِذَنْ: لَمَّا تُوُفِّيَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ- لَمْ تَكُنْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- تُؤَخِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقَضَاءِ إِلَى هَذِا الْوَقْتِ وَإِلَى هَذِهِ الأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ.).فَاحْرِصُوا -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فِي اللهِ!- عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّة، وَحَاذِرُوا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْبِدْعَةِ، وَتَوَاصَوْا فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ وَالْمَرْحَمَةِ؛ فَفِي ذَلِكَ حَيَاتُنَا، وَفِي ذَلِكَ وُجُودُنَا، و اكثروا من الصلاة والتسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره و مقداره العظيم، آمين. وارض اللهم عن أصحاب رسولك، و خلفاء نبيك، القائمين معه و بعده على الوجه الذي أمر به وارتضاه و استنه، خصوصا الخلفاء الأربعة، و العشرة المبشرين بالجنة، والأنصار منهم و المهاجرين، وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين، وعن أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، اللهم انفعنا يا مولانا بمحبتهم، و انظمنا يا مولانا في سلك ودادهم، و لا تخالف بنا عن نهجهم القويم وسنتهم.ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم .)(سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين).