الأحد, 23 نيسان/أبريل 2017 12:49

النهي عن تبذير الماء في القرآن الكريم

النهي عن تبذير الماء في القرآن الكريم

الحمد لله الذي جعل من الماء كل شيء حي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: " قل أرايتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن ياتيكم بماء معين"، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقدوتنا محمدا رسول الله، أمر أصحابه بالقصد والاقتصاد في الماء ولو لأجل الوضوء، ونهاهم عن الإسراف فقال لسعد: " ما هذا السرف يا سعد" صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد عباد الله:

عباد الله ما زال الحديث متواصلا مع الوصية الرابعة ووصية الابتعاد عن التبذير والإسراف، ونخصص خطبة اليوم لترشيد استهلاك الماء. قال الله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } [الأنبياء: 30]   قال ابن عاشور: " هو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات . وهي تكوين التناسل وتكوين جميع الحيوان فإنه لا يتكون إلا من الرطوبة ولا يعيش إلا ملابسا لها فإذا انعدمت منه الرطوبة فقد الحياة ولذلك كان استمرار الحمى مفضيا إلى الهزال ثم إلى الموت...

والماء حياة للأرض وللنبات: وقال تعالى مبرزا فضله عليما بنعمة الماء: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164]

عباد الله إن البشرية تشكو اليوم من قلة المطر، ومن غور المياه الباطنية قال تعالى: {قلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30] { غوراً } غائراً ذاهباً في الأرض. ففي ذلك بيان لنعمة الماء ظاهرا وباطنا أي مياه الأنهار والمياه الجوفية . وذكر صاحب الكشاف عن بعض الشطار أنها تليت عنده فقال : تجيء به الفؤوس والمعاول ، فذهب ماء عينيه؛ نعوذ بالله من الجراءة على الله وعلى آياته...

وقال ابن عطية: " وقفهم تعالى على مياههم التي يعيشون منها إن غادرت أي ذهبت في الأرض، ومن يجيئهم بماء كثير واف ، ...والمعين : فعيل من معنى الماء إذا كثر أو مفعول من العين، أي جار كالعين

أزمة المياه عالميا والقدر السنوي للفرد منها:

عباد استمعوا لهذه الأرقام لعلكم تتعظون وتدركون أن التبذير التي تمارسونه في المياه يعتبر تضييعا لحق كثير من ساكنة العالم: في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المتوسط، لا يتجاوز توفر المياه 1200 متر مكعب للفرد سنويا أي أقل بحوالي ست مرات عن المتوسط العالمي البالغ 7000 متر مكعب.

معدل استهلاك الفرد للمياه في أمريكا الشمالية يقدر بـ 400 لتر في اليوم، وفي أوروبا 200 لتر في اليوم، أما في الدول النامية فلا يتجاوز متوسط معدل استهلاك الفرد اليومي من المياه 10 لترات فقط، بسعر يفوق سعر الماء في الدول الغنية.

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن أربع أخماس الأمراض في العالم يمكن إرجاعها إلى تلوث مياه الشرب. كما فاق سعر المياه العذبة في بعض الأماكن سعر البنزين.

عباد الله ومن المفارقات الصادمة أن الغرب الذي يتوفر على كمية كبيرة من المياه العذبة يستهلك منزليا أقل منا: فالمتوسط اليومي في القاهرة التي تعاني شحا في المياه هو 450 لتر للفرد بينما في أوربا: 150 لتر فقط. ( 30 عبوة من 5 لتر).

الاقتصاد في استعمال الماء عباد الله إذا كان هذا شأن الماء في أهميته وخطره، وكنا في المغرب نعاني من هذه القلة خاصة في المدن الجافة وبعض القرى، فإنه يحتاج إلى حسن تدبير واقتصاد. وإذا كانت كثيرُ من الأسر تشتكي اليوم من ارتفاع فاتورات الماء والكهرباء، فإن جزءا من سبب ذلك يعود إلى الإسراف في استعمالهما، وعدم تربية أفراد الأسرة على قواعد صارمة في اقتصاد الماء والطاقة والاحتياط للتسربات التي تقع فيهما. إنه لو اتبعت الأمة التوجيهات النبوية في الموضوع لساهمت في حفظ مقومات الحياة من المياه والطاقة، ولوقع ترشيد نفقات الأسر في الماء والكهرباء والطاقة. فقد نبّهت السنة إلى وجوب الاقتصاد في استعمال الماء، روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ قَالَ أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ ». وأعطى عليه السلام القدوة من نفسه في اقتصاد الماء وتجنب الإسراف فيه. روى البخاري عن أَنَس قالُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « يَغْسِلُ أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ ». كما اقتدت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاقتصاد في الوضوء وعلمته الصحابة، فعن أَبَي سَلَمَةَ قال دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ« فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ.» والصاع كما مر هو أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما يعادل بلغة عصرنا قرابة لتر ونصف من الماء. ( للاغتسال أما الوضوء فهو أقل من نصف لتر قرعة سيدي ماء صغيرة).

عباد الله وجب أن تعلموا أنكم وإن امتلكتم الماء أو الطاقة ظاهرا، وأديتم ثمنهما من مالكم الخاص فهو ليس ملكا لكم، بل ملك للأمة جمعاء على امتداد الأزمنة. وقد أفتى علماء الإسلام بضرورة اقتصاد الماء عند دخول الحمام وتجنب الإسراف فيه. ومن ثم فالأمة بحاجة إلى استنبات عادات ايجابية في حفظ الماء ومصادر الطاقة، وهي لا تتطلب سوى وعي وانتباه كما سنقف عليه في المبحث اللاحق.

تبذير مياه المساجد والحنفيات العمومية والحمامات وغيرها:

عباد الله صليت البارحة في أحد مساجد الرباط ودخلت لمحل الوضوء، ورأيت كيف يبذر الناس، ويتركون الماء يسيل من الحنفية وهو منشغلون عنه، ولا يستعملون الإناء المخصص لذلك ولما نصحت أحدهم بين الامتعاض وعدم الرضا....فهل تدرون أن الماء الذي تضيعون هو مال الوقف، أي أنكم تبذرون مال الغير الذي حبسوه لمصلحة محددة وإذا بكم تعتدون فيها والله لا يحب المعتدين....

أما استعمال الحمام والحمامات العمومية فحدث ولا حرج عن أنواع التبذير للماء، وكيف يترك سائلا دون استعمال في الرشاشات ...

العادات الايجابية في استعمال الماء:  

عباد الله لقد أكد علماء التربية أن مصدر كل عمل اختياري هو التصورات، التي تتحول إلى إرادات ثم أعمال فعادات. والعادة إن كانت سيئة واستحكمت في سلوك الفرد فإنه يصعب اجتثاها وتغييرها. ولأجل ذلك ينبغي الاعتناء باستنبات العادات الإيجابية عند الناشئة، وتعليم قواعد التصرف السليم عندها وخاصة فيما يتعلق بالماء ومصادر الطاقة التي نشكو من نذرتها ومن نضوبها، وقد نبّه علماء الاقتصاد والتربية إلى أن عادات الفرد في الاستهلاك والإنفاق تحدد بشكل كبير مستقبله المالي، ومدى حريته المالية، فإن كانت عادته هي إنفاق كل ما يصل إلى يده فمن الراجح ألا يتمكن من الادخار، ولا من مواجهة طوارئ الحياة. أما من اعتاد القصد والاقتصاد فإنه ...

ومن العادات التي ينبغي أن نستنبتها عادة تقليل الماء المستعمل في الوضوء والاغتسال وكافة مناشط الحياة. وقد أرشد النبي عليه السلام إلى ذلك وجعل من فضائل الوضوء التقليل من الماء كما سبق بيانه. ونقل عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. ووضع العز بن عبد السلام معادلة تناسبية في تقليل مياه الطهارة، تتناسب مع حجم البدن، والبيئة والمناخ الذي يسود بلدته، ومع طبيعة المهن التي يزاولها المغتسل، وما تتركه عليه من أوساخ، والغاية من ذلك حصول الطهارة المطلوبة مع منع التبذير والإسراف. ومما قاله العز بن عبد السلام في ذلك: " للمتوضئ والمغتسل في ذلك ثلاثة أحوال: إحداها أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلق النبي صلى الله عليه وسلم فيقتدي به في اجتناب التنقيص عن المد والصاع.

الحال الثانية أن يكون ضئيلا لطيف الخلق بحيث يعادل جسده بعض جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستحب له أن يستعمل من الماء ما تكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الحال الثالثة أن يكون متفاحش الخلق في الطول والعرض وعظم البطن وفخامة الأعضاء فيستحب أن لا ينقص عن مقدار تكون نسبته إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عباد الله من القواعد البسيطة والعادات المُسهمة في ترشيد استهلاك الماء الآتي:

- أن نتذكر أن الماء نعمة كبيرة وأنه أصل كل شيء حي.

- أن نبحث عن مواضع تسرب الماء في المنزل أو مقر العمل أو المساجد وأن نقوم بصيانتها . عاجلا. فقطرة وراء قطرة تصبح سطلا كبيرا ومن الأمثال الشعبية قطرة قطرة يحمل الواد، وعند الغربيين مثل آخر يقول من الجداول الصغيرة تتكون الوديان الكبيرة.

- لا تترك الماء جاريا إلا عند إستخدامه فعليا سواء خلال الإستحمام، أو الحلاقة، أو غسل الأسنان...(الحمام والدوش، غسل الأسنان ).

- أن نستعمل كمية معقولة لغسل الأواني، وعند استعمال غسالة الأواني نضع القدر من الأواني الذي تتحمله كي نقتصد في الماء.

- عند غسل اللباس وجب الاحتياط في ذلك واقتصاد الماء ما أمكن وعند استعمال آلة الغسيل وجب ملئها بالكامل....

والسلام