الأحد, 23 نيسان/أبريل 2017 13:03

الإسراء والمعراج معجزة خلد ذكرها القرآن والسنة

الحمدُ لله الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأعرجه إلى السماوات العُلاَ، وأراه من آيات ربِّه الكبرى، وجعل أمَّتَه خيرَ الأمم في الآخرة والأولى.

وأشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله وحده لا شريك له، أجرى مِن صُنوف المشاهدات والعِبر في ليلة المعراج ما يُذهل عقولَ البشر، فسبحان مَن له الحُكم، وإليه يُرجع كلُّ أمر!

وأشهد أنَّ سيِّدنا محمَّدًا عبدُ الله ورسوله، أهل الأمانة والرِّسالة والبيان، وناصر الإيمان بهَدْي الرحمن، رسول الهِداية والسلام، والمُجتبى بالفضل على الأنام. فصلى الله عليه و سلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته و التابعين، وعلى من حافظ على دينه و شريعته و استمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين .

أما بعد ، من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى، وسلك منهاجا قويما وسبيلا رشدا ومن يعص الله ورسوله فقد غوى واعتدى، وحاد عن الطريق المشروع ولا يضر إلا نفسه ولا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله وسؤله، فإنما نحن بالله و له .

عباد الله : نحن نقف اليوم على ضِفاف ذكرى حادثة الإسراء والمعراج ، مشاعرُنا تتذبذب بين الفَرَح الغامر والحزن الكئيب، وسِرُّ البهجة أنَّنا عرفْنا قَدْرَنا عند ربِّنا، كأمَّة رائدة مصطفاة في تلك اللَّيْلة، وعَرَفْنا قدرَ نبيِّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - كخِتام للأنبياء المطهَّرين، وسيِّدٍ للعالمين، وإمامٍ للمصطفَيْنَ في تلك اللَّيْلة أيضًا، أمَّا ما يملأ النفس أحزانًا، فهو سطوةُ الواقع الزاخر بالآلام حولَ الأقصى المبارك وأرض القُدس الغرَّاء - أرض الأنبياء والشُّهداء، وأرض الرِّباط وملاحم الفِداء - مِن هذه الشِّرْذمة الملعونة من   الذين عاثوا فيها وبأهلها بآياتِ الخَرَاب والدَّمار والفساد، وسطَ صمتٍ عالميِّ يُمَثِّلُ العارَ والتواطؤ، وموتَ الضمير. تُوافِينا هذه الذِّكرى في كلِّ عام، والمسلمون يحيونها؛ إمَّا برنين الكلمات، أو تلاوة القَصَصِ المُثِيرِ للدهشةِ في العقول، وعندَ بعض المجيدين منهم تستدرُّ الدُّموع الشجيَّة بالحديث الدائم حولَ قدسنا الذي طال غيابه، وعن أماناتنا كبارًا وصِغارًا، والتي اقترب اللِّقاء بربنا ليسألنا عنها، ويا ليتَ شعري، ما جوابُنا بين يدي الربِّ العظيم؟! فاللهمَّ الْطُف بعبادك.

نعم إخوة الإيمان نتحدث اليوم عن آية عظيمة ومعجزة باهرة تظلنا ذكراها نستلهم منها العبر والدروس، ونوقظ بالحديث عنها الإيمان بقدرة الله القاهرة ومحبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النفوس.

إنها معجزة الإسراء والمعراج: معجزة من أجل المعجزات وأعظم الآيات تفضل بها المولى سبحانه على نبيه ومصطفاه وصفيه ومجتباه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نلمس أهمية هذه المعجزة في كتاب الله الكريم فقد ذكرها الله تعالى في موضعين:

الأول في سورة سميت باسم هذه المعجزة وهي سورة" الإسراء وقد بدأها سبحانه بقوله: " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) سورة الإسراء، فقد حدَّدت الآيةُ الكريمة الهدفَ من هذه الرِّحلة بقول ربنا: {لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا}، وهذه الرؤيةُ هي رؤيةُ مَن يرى ليُبلِّغَ، لا ليسعدَ ويأنسَ بما يرى فقط.

والثاني في سورة النجم قال تعالى: " وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)" سورة النجم .

أيها المؤمنون تشتمل معجزة الإسراء والمعراج على مشاهد عظيمة وآيات باهرة ينبغي أن يتعلم منها كل مسلم و مسلمة جملة من الدروس والعبر والتي منها:

1 - الثبات على الحق والتزام المبدأ : ويتضح ذلك من المشهد الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم لماشطة ابنة فرعون، (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الَّتِى أُسْرِىَ بِى فِيهَا أَتَتْ عَلَىَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ فَقَالَ هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلاَدِهَا. قَالَ قُلْتُ وَمَا شَأْنُهَا قَالَ بَيْنَا هِىَ تَمْشُطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَقَطَتِ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا فَقَالَتْ بِسْمِ اللَّهِ. فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ أَبِى؟ قَالَتْ: لاَ وَلَكِنْ رَبِّى وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ. قَالَتْ أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ؟ قَالَتْ نَعَمْ. فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا فَقَالَ يَا فُلاَنَةُ وَإِنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِى؟ قَالَتْ نَعَمْ رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ. فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِىَ وَأَوْلاَدُهَا فِيهَا. قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِى إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِى وَعِظَامَ وَلَدِى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا. قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ. قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلاَدِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنِ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِىٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ: يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِى فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ فَاقْتَحَمَتْ). أخرجه أحمد 1/309(2822).

ومنها:

2 - أهمية الصلاة ومنزلتها في الإسلام: وذلك أن الصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت ليلة الإسراء والمعراج في السماء السابعة وبدون واسطة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم متحدثا عما حصل تلك الليلة في مرحلة المعراج:   "ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ، قلت: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي ـ وَاللَّهِ ـ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ؛ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ! قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى، وَأُسَلِّمُ ... فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي "[البخاري ].

3 - أن الصداقة الحقيقية مبادئ ومواقف : وذلك انه لما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من رحلة الإسراء والمعراج فاجأ قريشا و صبحهم متحديا لهم فقص على عليهم ما حدث ، فانطلق نفرٌ منهم إلى أبي بكر رضي الله عنه يسألونه عن موقفه من الخبر (ولكم أن تتساءلوا لماذا انطلقوا إلى بكر؟، فعم يعرفونه و يعرفون صداقته و إخلاصه في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم و محبته و خدمة دعوته و حسن تأثيره على الناس في نشرها فطمعوا أن يزعزعوه بهذا الخبر العظيم الذي لم يصدقوه و رأوه كذبا بينا كافيا ليتراجع أبو بكر عن الايمان برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وإذا به يبهتهم بقوله: " لئن كان قال ذلك لقد صدق " ، فتعجّبوا وقالوا : " أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح ؟ " فقال : " نعم ؛ إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة " ، فأطلق عليه من يومها لقب " الصديق " . (عيون الأثر , ابن سيد الناس)471.هكذا الصداقة الحقيقية مبادئ ومواقف، ولله در من قال: جزى الله الشدائد كل خير * * * * * عرفت بها عدوي من صديقي

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [وما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم]. قَالَ عُمَرُ بْنُ - الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَرَجَحَ بِهِمْ "شعب البيهقي -[144].وكان رضي الله عنه يقول: ليتني شعرة في صدر أبي بكر.

4 – أن الفاحشة سبب لانتشار الأمراض وضروب البلاء الشديد

يتضح ذلك من هذا المشهد فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في حديث الإسراء "قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأخونة،(جمع خُوان ما يُوضع عليه الطَّعام وأدواته ، ولا يُسمَّى مائِدةً إلاَّ إذا كان عليه طعام / مؤنثة وتذكَّر) عليها لحم مُشَرح، ليس يقربه أحد، وإذا أنا بأخونة، عليها لحم قد أرْوَح ونَتِن، عندها أناس يأكلون منها، قلت: ياجبريل، ماهؤلاء ؟ قال : قوم من أمتك ، يتركون الحلال ويأتون الحرام".(البيهقي : دلائل النبوة 2/392.) لذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من انتشار الفاحشة (الزنا) وكذا التبرج والسفور وجعل ذلك سببا لانتشاء الأمراض والأوجاع فقال عليه الصلاة و السلام: " لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِى لَمْ تَكُنْ مَضَتْ في أَسْلاَفِهِمُ الِّذِينَ مَضَوْا". أَخْرَجَهُ ابن ماجة (4019).

5- مكانة المسجد الأقصى في الإسلام : للمسجد الأقصى قدسية كبيرة عند المسلمين ارتبطت بعقيدتهم منذ بداية الدعوة. فهو قبلة الانبياء جميعاً قبل النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو القبلة الأولى التي صلى إليها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتم تغير القبلة إلى مكة. وقد توثقت علاقة الإسلام بالمسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج حيث أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وفيه صلى النبي عليه و على آله الصلاة والسلام إماما بالأنبياء ومنه عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء. وهناك فوق السماوات العلى فرضت عليه الصلاة. والمسجد الأقصى هو ثالث الحرمين الشريفين فهو المسجد الثالث الذي تشد إليه الرحال، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومسجد الأقصى ». صحيح البخاري برقم (1189)، وصحيح مسلم (1397) .

إن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن مجرد رحلة تسرية وتسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وفقط , بل كانت رحلة تربية وتهذيب لنا , فلعلنا ننتفع بهذه الدروس , ونحيي بها ما اندرس في النفوس والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

ونفعني الله و إياكم بالذكر الحكيم و كلام سيد الأولين والآخرين سبحان ربك رب العزة عما يصفون،...

الخطبة الثانية

الحمد لله على نواله و إفضاله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي الأمي، الصادق الزكي، و على آله، وعلى جميع من تعلق بأذياله، و نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده و رسوله وبعد :

أيها المومنون لقد كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم – في ليلة الاسراء والمعراج في رِحلة عملٍ بالدَّرجة الأولى، ولم تكن ترفيهًا محضًا، فقد أَرْسل اللهُ - تعالى - للخليقة منذ بدايتها الرسلَ والأنبياء؛ ليَهدُوا الخلقَ إلى صراط الله الحق، وما أجابهم في جَمْعِ الزمان إلاَّ القليل، كما كان الحال مع النبي الصابر نوحٍ - عليه السلام - الذي قال الله - تعالى - عنه: {وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: 40]، وذلك بعد رحلة دعويَّة استمرَّتْ لألف سنة إلاَّ خمسين عامًا. وكان الرسلُ الكرام يُخبِرون الناسَ عن نعيم الجَنَّة، وعن عذاب النار، مستدلِّين على صِدْق ما يقولون بما لدَيهم من كتب أو معجزاتٍ مؤيِّدةً لهم على صِدْق دعواهم، كلُّ هذا والناس كأنَّهم لا يُصدِّقون، فالإيمان بالغَيْب ليس سهلاً، ولذلك كان أول صفاتِ المؤمنين ذِكْرًا في القرآن العظيم؛ قال الله - تعالى -: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون} [البقرة: 2 - 3]، ولكنَّ الخلق منذُ الزمان الأوَّل كأنَّهم غيرُ واثقين من قصَّة العذاب والنعيم في الآخرة، وكأنَّ الله - تعالى - قد شاء أن يرفعَ أحد خلقه؛ ليقفَ على مشاهدات النعيم والعذاب، ومطالعة مصاير السُّعداء والأشقياء عيانًا بلا حجابٍ، وكان هذا هو أفضلَ الخَلْق، وحبيب الحق، المعدَّ لهذا الفضل بإعداد الله تعالى له لا غرو.

فلم يكن أوْلى بهذا الفضلِ وهذه المنزلة إلاَّ رسولُ الله، سيِّدنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - فصَعِد إلى سماءٍ لا تُطاولها سماء، وهناك {رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18]؛ ليبلِّغَ للناس أنَّه رآها وطالَعَها، وليس راءٍ كمن سمع، وذلك ليقيمَ الله - تعالى - تمامَ الحُجَّة التامة على خَلْقه بتأكيد النعيم والعذاب والجنة والنار، على وَفْق ما رآه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأيَ العين.و لعله مِن نافلة القوْلِ أن نؤكِّد على أنَّ الإسراء والمعراج كانا أكبرَ المعجزات الحسيَّة لرسولنا الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وفيهما أيضًا مِن سمات التشريف وعلوِّ القدر ما لا يجمعه وصفُ بيان، أو بلاغةُ لسان،

كَيْفَ   تَرْقَى   رُقِيَّكَ   الْأَنْبِيَاءُ       يَا سَمَاءً مَا طَاوَلَتْهَا سَمَاءُ

لَمْ يُسَاوُوكَ فِي عُلاَكَ وَقَدْ حَا       لَ سَنًى مِنْكَ دُونَهُمْ   وَثَنَاءُ

إِنَّمَا   مَثَّلُوُا   صِفَاتِكَ   لِلنَّا       سِ كَمَا مَثَّلَ النُّجُومَ   الْمَاءُ

واستعينوا عباد الله على أموركم كلها بالإكثار من الصلاة والتسليم على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حق قدره و مقداره العظيم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين.

ذ. سعيد منقار بنيس