الجمعة, 02 شباط/فبراير 2018 11:18

العمل في ميزان الشـريعة الإسلامية

لقد شرف الله تعالى العمل بأن ذكره، وأغلب مشتقاته، في القرآن الكريم، بل ارتقى به إلى مرتبة العبادة التي تستحق بذل الاهتمام والجهد، والعمل هو الكيفية التي يتحرك بها الإنسان في بيئته ومحيطه، وهو ليس إلا وظيفة اجتماعية يؤديها الفرد للمجتمع، فيكافئه عليها المجتمع بضمان حاجاته. اليد العليا خير من اليد السفلى كيف ما كانت صورة العامل، فهو دائم الإنتاج والعطاء، فهو على الأقل لا يستهلك إلا على قدر ما ينتج، بمعنى يكفي مؤونة نفسه، لا يكلف مجتمعه أكثر مما لا يطيق، ولهذا كان الحض كبيرا على أهمية العمل، حتى ولو في مجالات صغيرة.

وفي العمل يكتسب الإنسان إنسانيته، ويحافظ على ماء وجهه، وكرامته، وإلا فإن عدم العمل، يعنى البطالة والعالة، ومن تم يفتح باب سؤال الناس، لتصبح يده يدا سفلى تتلقى ما فضل به الناس العاملون. هذه الصورة غير محمودة في الإسلام، فالمسلم الذي كرمه الله تعالى وأحسن إليه، وخلقه في أحسن تقويم، ورزقه بسطة في الجسم والعقل، أريد منه أن تكون يده العليا، وليست السفلى؛ عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:''لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به من الناس خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".

وطلب الاستغناء عن الناس يحمل في ذاته استقلالية الفرد في إنتاج المال والمنفعة لنفسه وللآخرين، فالذي يجمع الحطب ليبيعه، يرمي من وراء ذلك حصوله على المال، لإشباع حاجاته، وقضاء متطلباته، لكنه في نفس الوقت، يلبي حاجة الآخرين إلى الحطب(حسب الحديث النبوي)، ويسد ثغرة في المجتمع. من الوجهة الاقتصادية، يعتبر العمل من أهم عوامل الإنتاج، ومن شروطه أن يحقق منفعة مادية، وأن يكون بمقابل من النقود كأي سلعة تباع وتشترى في السوق. العمل الصالح والنافع عبادة الإسلام من جهته، إلى جانب تلك المنافع المادية، صنف العمل في خانة العبادة التي يؤجر عليها المسلم العامل يوم القيامة، ومن تم لا مجال للتكاسل، والخمول، أو الغش والخداع في العمل، فالإحسان أن يستشعر المسلم مراقبة الله تعالى له في كل أحواله. يقول الله تعالى:(فَاستجاب لهم ربهم أني لا أُضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أُنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأُخرجوا من ديارهم وأُوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأُكفرن عنهم سيئاتهِم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب)آل عمران:.591، (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيِينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)النحل:.79.

وإذا كان عمل المسلم مقبولا عند الله وعند العباد ، فإن هناك أعمالا أخرى غير صالحة ولا نافعة، بل هي حاملة للخراب والدمار، ومعاكسة الفطرة السليمة للإنسان والوجود؛ والله تعالى يشير إلى هذا النوع من الأعمال في قوله:(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)الفرقان:.32 خمسة أحكام للعمل وعليه يكون العمل في ميزان الإسلام مضبوطا ومقيدا بمدى تحقيقه للمنفعة العامة للحياة، وإعمارها والزيادة في رفاهيتها ، وتيسير مهمة الاستخلاف على الأرض، ومن تم كان فقهاء الإسلام يتحدثون عن العمل في إطار الأقسام الخمسة للحكم التكليفي:

العمل الواجب: وهو ما طلب الشارع فعله من المسلم طلبا حتما، كأن يسعى إلى العمل قصد سد حاجاته وحاجات عياله، أو أن تكون الأمة في حاجة ماسة إلى عمله.

العمل المندوب: وهو ما طلب الشارع فعله من المسلم طلبا غير حتم ، كمن يسعى إلى تحقيق مزيد من التوسعة على نفسه وعياله.

العمل المحرم: وهو ما طلب الشارع من المسلم الكف عن فعله طلبا حتما، كمن يعمل في إنتاج أشياء محرمة شرعا، كالخمور والمخدرات.

العمل المكروه: وهو ما طلب الشارع من المسلم الكف عن فعله طلبا غير حتم، العمل المكروه هو ما لا يستحق فاعله العقوبة، ولكنه يستحق اللوم ، كمن يشغل نفسه في إنتاج أشياء غير محرمة ، لكنها تافهة لا وزن لها في مشروع عمارة الأرض.

العمل المباح: وهو ما خير الشارع المسلم بين فعله وتركه، كمن يعمل لكسب المزيد من المال والثروة الفائض عن حاجاته الحقيقية.

العمل بين فرض العين والكفاية وعليه، يكون عمل المسلم، في جميع أحواله، دافعا لإنتاج الخير والمعروف في المجتمع، محاربا للدعة والكسل والخمول، ومن الأذكار المأثورة في السنة النبوية، إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الكسل والهرم والمأثم والمغرم. يروي الإمام مسلم في كتاب النكاح من صحيحه، عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل نظرت إليها فإن في عيون الأنصار شيئا، قال قد نظرت إليها، قال على كم تزوجتها؟ قال:على أربع أواق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: على أربع أواق، كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه''. في مقابل نجد عبد الرحمان بن عوف رضي الله عنه، الذي عرض عليه سعد بن الربيع ''كان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما في المدينة''، أن يشاطره ماله، فأبى عبد الرحمان وطلب إليه أن يدله على السوق، وفيها بدأ بالعمل تاجرا، واستطاع بمهارته التجارية أن يصل إلى كسب المال وتحصيله، وأن يمهر إحدى نساء المدينة، وان تكون له قوافل تذهب في التجارة وتجيء، والقصة يذكرها الإمام البخاري في كتاب البيوع من صحيحه.

فإذا كانت التجارة نوعا من العمل، فان هناك أنواعا أخرى كثيرة للعمل، منها ما هو فرض كفاية، ومنها ما هو فرض عين، تأثم الأمة بأكملها إذا لم يقم به أحد، والمحدد في عينية العمل هو الحاجة المجتمعية له، حيث يلحق الإنسان ضر بسبب عدم القيام به، كترك الزراعة والغرس و حرث الأرض، وإقامة الصناعة والتجارة، من باب تحصيل الكفاية في ذلك.

أ . صالح النشاط