الجمعة, 23 تشرين2/نوفمبر 2018 12:27

وقفات تربوية مع كلام خير البرية -2-

الوقفة الثانية

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)) البخاري في الأدب المفرد

لعلنا نظن أن الرسول كان سيقول لهم إن قامت الساعة فتوضؤوا وصلوا واستغفروا واسألوا الله حسن الخاتمة..

لكن السراج المنير صلى الله عليه وسلم كان يرى أن بوابة الآخرة لن يدخلها بأمان إلا من أتم عمله في الدنيا.

العمل للآخرة لا يعطل العمل للدنيا والعمل للدنيا لا يشغل عن العمل للآخرة.

 قال الله سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص77).
الهادي البشير صلى الله عليه وسلم كان يسأل ربه في دعائه ويقول:

" اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي ، وَتَجْمَعُ بِهَا شَمْلِي ، وَتَلُمُّ بِهَا شَعْثِي" (الترمذي في سننه وابن خزيمة في "صحيحه")

الشَّمْلُ و الشَّعَثُ: ما تفرَّق من الأُمور

  • لَمَّ شعث أسرته مع دينه.

سُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم-يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله (يعني: خدمة أهله (، فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة)) البخاري)

  • لَمَّ شعث أسرته مع جهاده وكذلك صار أصحابه على نهجه.

روى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ:

" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِه ِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ " .

فكانت معه عائشة في غزوة بني المصطلق سنة ست للهجرة، وكانت معه أم سلمة عند صلح الحديبية، كما حضرت معه في غزوة أحد أم عمارة نسيبة بنت كعب النجارية، وكانت تباشر القتال بنفسها دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا الحال في أم سليم بنت ملحان فقد كانت حاضرة يوم حنين مع زوجها أبي طلحة، وكانت حاملاً بابنها عبد الله بن أبي طلحة.

  • لَمَّ شعث أصحابه مع الغريب عنهم.

رفاعة تميم بن أُسيد يقول: 

(انتهيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وهو يخطب، فقلت:

يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، يقول:

فأقبل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وترك خطبته حتى انتهى إليّ)،

يعني: نزل من المنبر، وجاء حتى وصل إلى الرجل هذا.

يقول: (فأُتي بكرسي، فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله)، علمه يعني الإيمان، والإسلام كيف يصلي، كيف يتطهر،

قال: (ثم أتى خطبته، فأتم آخرها)         (رواه مسلم.)

النبي -صلى الله عليه وسلم-لم يقل له انتظر إلى نهاية الخطبة، ثم بعد ذلك أعلمك، وأنا الآن بصدد تعليم الناس، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.

النبي صلى الله عليه وسلم يبادر بالأهم قبل المهم، قد يموت الرجل الآن وهو لا يدري ما دينه، ولهذا ذكر بعض أهل العلم الإجماع على أن من جاء يريد أن يعرف الإسلام ما هو حتى يدخل فيه مثلاً، فإنه يجب أن يُعلم فوراً ولا يؤخر.

  • لَمَّ شعث ولَمَّ شعث ولَمَّ شعث...

هي فَسَائِلُ أراد الرسول أن يجمعها ويرعاها مهما كانت الظروف وتغير الحال.

يقول محمد قطب في كتابه قبسات من الرسول:

*(كان يغرسها وهو ما يدري ما يكون بعد لحظات!

قد تأتمر به قريش فتقتله.

قد يهلك جوعاً في الشعب هو ومن معه من المؤمنين.

قد يلحق به الكفار وهو في طريقه إلى الغار فلا يكون ثمة غد..

أو تكون القيامة بعد لحظة..

ومع ذلك يغرس الفسيلة، ويتعهدها بالرعاية حتى يأذن الله بالثمار، وهو مطمئن دائماً إلى الله ما دام يؤدي الواجب المطلوب.)*

  • اغرس فسيلة وكن نخلة:
  • طعمها طيب
  • ورقها لا يسقط
  • وظلها حسن.

وسر على أثر الرسول وإياك والأفول، فما عند الله خير وأبقى والدنيا متاع سيزول.

كتبته نعيمة بنونة

يوم الأربعاء 11 ربيع الأول 1440 الموافق ل 19 نونبر 2018