الأربعاء, 16 كانون2/يناير 2019 13:03

نملة تنير القلوب

قال عز وجل في سورة النمل (حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (18).

المشهد مشهد مهول جيش عظيم يقتحم المكان والمخلوقات المارة في الطريق حشرات صغيرة الحجم، والمتكلمة "نملة" خرجت محذرة بني جنسها من خطر محدق وأقدام ضخمة قد تدوسها في أي لحظة.

الجيش جيش سيدنا سليمان عليه السلام الذي سأل ربه (...وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب)النملُ(35)، إنه نبي الله سليمان الذي أتاه الله ملكا عظيما متفردا سخر له فيه كل شئ.

مملكة بهذا الحجم مؤكد أن جيشها جيش عظيم عددا وعدة يهابه من سمع به  فكيف بمن يراه، هذا الجيش يمر على وادي النمل (حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَة...) فتخرج من بين النمل "نملة" نكرة غير معروفة ليست ملكتهم فهي مجرد "نملة" لكن ما يميزها عن غيرها شجاعتها و مبادرتها فهي قد وعت حجم الخطر القادم لكنها لم تقف مكتوفة الأيدي ( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) بل بادرت إلى تحذير بقية النمل فاستحقت أن تذكر في كتاب الله بآيات تتلى إلى يوم القيامة وما نالت هذا الشرف إلا لأنها كانت سباقة ومبادرة فضرب الله لنا بها المثل وهي الحشرة الصغيرة الضعيفة النكرة بين أقرانها لكن إيمانها أن دخولها في الفعل قد يحدث فرقا دفعها للمحاولة.

قيمة عظيمة يعلمها لنا سبحانه من خلال هذه الآيات بل ويلفت انتباهنا إليها حين يجعل من يتمثلها حشرة صغيرة حتى يهز النفوس ويحرك المشاعر ويستنهض الهمم فحشرة قد تتفوق على من كرمه الله وأسجد له الملائكة إن رضي أن يبقى على الهامش متفرجا لا يحرك ساكنا ولا يتفاعل ولا يفعل في واقعه. فالمبادرة من شيم المؤمن لأنه من  أهل الإيجابية والفاعلية يرفع التحدي ويتجاوز كل العوائق حتى لو كانت العقبة نفسه التي بين جنبيه فمادام المقصد ابتغاء الله والدار الآخرة فلن يثنيه عن بلوغ مقصده شيء، بل يدخل في الفعل ويسهم في التغيير الإيجابي البناء اقتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم  ( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)1.

فالمؤمن يحركه إيمانه وينطلق به فيحول ضعفه إلى قوة تهب نسماتها على كل من يعاشرهم أو يمر بهم فتنثر عليهم عبيرها ويشتمون عبقها فتحيي في قلوبهم أنوارا خفت بريقها منذ زمن لكنها اليوم تستعيد وهجها من جديد لتملأ الكون نورا بفضل "نملة".

هوامش :

1 - رواه أحمد (12902) ، والبخاري في "الأدب المفرد" (479)

الزهرة الكرش