الإثنين, 23 نيسان/أبريل 2018 14:42

نظرة الإسلام إلى البيئة من منظور منفعتها للإنسان

تتسم نظرة الإسلام إلى البيئة وعناصرها، بالعمق والواقعية والشمول، ويبين الإسلام أن المحافظة على البيئة بعد الإفساد فيها وبعد ما أصلحها الله، إنما يعود نفع وخير ذلك على الإنسان نفسه. وفي دعوة شعيب عليه السلام لقومه، وهي الدعوة التي انبثقت من قواعد السلوك والخلق والتعامل، في قول الله تعالى (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) الأعراف85 ولفظة الإصلاح هنا، تدل دلالة واضحة على أن البيئة، قد خُلقت صالحة متوازنة طيبة منسجمة العناصر موزونة بقدرة الله.

ولم تقتصر نظرة الإسلام للبيئة على البعد المكاني، بل شملت أيضا البعد الزماني، في قوله تعالى (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) العنكبوت 20، فالآية ترسى أساس علم الجيولوجيا علم طبقات الأرض، وتدفع الباحثين إلى التنقل بين أرجاء الأرض لجمع ما تبقى من أجسام الكائنات التي عاشت عليها وبقايا العناصر، مثل اليورانيوم، ويربطون بينها من أجل تتبع تاريخ الأرض وبيئتهم.

وانظر إلى دعوة صالح عليه السلام لقومه ثمود، قال تعالى (وإلى ثمود أخاهم صالحا، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض وأستعمركم فيها) هود 61، فقد ذكَّرهم صالح بنشأتهم من الأرض وهي مقامهم ومنشأ جنسهم، ونشأة أفرادهم من غذاء بيئتهم أو من عناصرها التي تتألف منها عناصر تكوينهم الجسدي، ومع أنهم من هذه البيئة، فقد استخلفهم الله فيها ليعمروها، استخلفهم بجنسهم وبأشخاصهم.

وقد طالب الإسلام المسلمين وعمار الأرض وخلفاء الله فيها، أن يستثمروا أعمارهم باعتبارها بعدا زمنيا في ازدهار بيئتهم وتنميتها ورعايتها وعدم الإسراف في مواردها، قال تعالى (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) الأنعام141

فهو الذي خلق هذه الجنات، وهذه الجنات فيها المعروشات التي يتعهدها الإنسان بالعرائش والحوائط والقوائم، ومنها البريات التي تنبت بذاتها وتنمو في أنظمتها البيئية بقدرة الله بلا مساعدة من الإنسان ولا تنظيم، وأنه أنشأ النخل والزرع مختلف الألوان والأصناف والأطعمة، وخلق الزيتون والرمان منوع الصنوف متشابها وغير متشابه، فقد بث الحياة في هذه الأرض وأتحفها بهذا التنوع (وهو ما يسمى في لغة العلم الحديث بالتنوع البيولوجي)، وجعلها مناسبة للوظائف التي تتطلبها حياة الناس في الأرض..

فكيف يذهب الناس، في مواجهة هذه الآيات والحقائق، إلى تحكيم غير الله في شأن الزروع والأنعام والأموال، وهي الموارد الطبيعية والبيولوجية التي خلقها الله من أجل الإنسان في البيئة؟ ثم يأتي بعد ذلك النهي عن الإسراف حتى في الحلال، فقد رُوي أنهم تباروا في العطاء وفى الصدقات حتى أسرفوا فنهاهم المولى عز وجل عن ذلك، وفي هذا المعنى وضوح وترشيد لحسن إدارة الموارد الطبيعية الموجودة في البيئة. فعن أنس بن مالك، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها، صححه الألباني، رمزا لعمران الأرض وازدهارا لها وفائدة لمن يجئ بعدنا وتنمية زمانية مستقبلية لموارد البيئة.

وانظر إلى الحديث الصحيح المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وما الشجرة إلا صدقة جارية يستظل الناس بها ويأكلون من ثمارها وتأوي إليها الطيور والحيوانات، بالإضافة إلى دورها الرئيسي في حفظ التوازن البيئي.

وقد خلق الله مكونات النظم البيئية خلقا مقدرا كما وكيفا، بحيث يكفل توفير سبل الحياة الملائمة للإنسان وغيره من الكائنات الحية الأخرى التي تشاركه الحياة على الأرض. يقول الله تعالى (إنا كل شيء خلقناه بقدر) القمر49 ويقول (وكل شيء عنده بمقدار) الرعد8 ويقول (قد جعل الله لكل شيء قدرا) الطلاق3 ويقول (وأنبتنا فيها من كل شيء موزون) الحجر19 ويقول (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) الفرقان2 ففيها التنوع وفيها وفى عناصرها تحقيق مصلحة بني الإنسان، ودليل على عظمة الخالق المقدر الذي يسبح له كل مخلوق في الوجود، يقول تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) الإسراء/44.

الإصلاح