الجمعة, 23 تشرين2/نوفمبر 2018 16:45

نظرات في كتاب "الرسالة المحمدية" للشيخ سليمان الندوي رحمه الله

- إطلالة:

يقول أبو الحسن الندوي في مؤلفه " شخصيات وكتب"، في شهادته على كتاب "الرسالة المحمدية" : " هو من أقوى الكتب في السيرة وأروعها في جمال التعبير، وبث حلاوة الإيمان، وثوثيق الصلة بذات النبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب عصارة لمكتبة كاملة في السيرة النبوية، وهو هدية ثمينة لغير المسلمين والمثقفين المسلمين، والباحثين عن الحق...". ويقول معين الدين أحمد الندوي في مجلة "المعارف"، العدد الخاص بالشيخ سليمان الندوي: " هذا الكتاب يشتمل على مائة وخمسين صفحة، ولكنه يفوق المؤلفات الضخمة حول السيرة في وفرة المعلومات، ونذرة البحوث وشمول النفع، وكفاه مفخرة للمؤلف. "والكتاب يضم ثماني محاضرات، ألقاها الشيخ باللغة الأوردية- لغة عامة الهند، وتتباعد السنوات بيننا وبينها بحوالي قرن من الزمن، إذ ألقيت تحديدا عام 1925م بجامعة مدراس- بكسر الميم وتسكين الدال- الهندية. وقد ترجمت إلى الإنجليزية والتركية والبنغالية والعربية.

ومن خلال قراءة هادئة ومتأنية، لمؤلف "الرسالة المحمدية"، وغيرها من المؤلفات في علوم القرآن، و الحديث الشريف، والفقه، وعلم الكلام والفلسفة، وعلوم اللغة العربية، والدراسات التاريخية، تجلي لنا النبوغ والمكانة الرفيعة لهذا الرجل، وتترجم عمله الدؤوب، وجهده المتواصل، وسعيه المتتابع، خلال مسيرة خمسين عاما، بشهادة أقرانه وتلامذته، يقول الشاعر محمد إقبال عن صاحب الرسالة المحمدية: " إنه ليس مجرد عالم، بل هو أمير العلماء، بل ليس بكاتب فحسب، بل إنه إمام الكتاب والمؤلفين، إن شخصه بحر من للعلوم والمحاسن، تخرج-بفتح الخاء- منه مئات من الأنهار، وتسقى منها الألوف من الزروع. ". مقتبس من ترجمة حياة المؤلف" سليمان الندوي والتي خطها ناقل المحاضرات إلى العربية محمد رحمة الله الندوي. 

- محاضرات في " الرسالة المحمدية "

المحاضرة الأولى: سير الأنبياء والكمال البشري

ينطلق الشيخ رحمه الله، في محاضرته الأولى، من مسلمة كونية، مفادها التباين والتنوع الذي خص الله بهما البريئة، من جماد ونبات وحيوان وإنسان، من حيث التركيب والتكوين، هذا من جانب، ومن حيث قوة الإدراك، وطاقة الإرادة،ونعمة الشعور والإحساس من جانب آخر. وفي محصلة هذا التباين والتنوع يعتلي الإنسان قمة الكمال بين الموجودات دون منازع، من حيث الإدراك والإرادة والإحساس، ويخلص -رحمه الله- إلى أن هذا الإعتلاء هو السبب في الأمانة الملقاة كاهل الإنسان. 

وبعد التذكير بهذا التباين التكويني بين المخلوقات، يتحول المحاضر إلى نوع آخر من المفاضلة، بين أصناف الجنس البشري أنفسهم، متوسلا بشخصيات ورد ذكرها في القرآن، وأخرى تاريخية، لإيضاح التمايز والتفاضل بين "من قدم خطة متكاملة للمجتمع البشري المثالي الأفضل"، وحمل معه " علاجا لأمراضه المعنوية وأسقامه النفسية" كما يقول، وبين من هام في أودية الخيال كالشعراء، أو أسس لشتى أنواع الفلسفات والنظريات كالفلاسفة، أو قعد للقوانين والتشريعات كفقهاءالقانون، أو سيطر على أنفس الأقوام ونفائسهم كالجبابرة. فهذه الأصناف الأربعة حسب صاحب الرسالة:" خابت فيهم الآمال ، وأخفق الرجاء، وتحطمت تلك الأحلام التي رآها العالم تجاههم"، والسبب أنهم لم يقدموا أمام الإنسانية حلا ناجعا لمعضلات الحياة، أو قدوة مناسبة لإزالة العقبات التي تعاني منها البشرية في شتى مجالاتها.

لذا فإن البشرية- حسب الشيخ الندوي- لم تجد ضالتها في هذه النماذج المفلسة، بل نالت حاجتها مع الصفوة المختارة من الأنبياء والمرسلين، والتي نهضت بجهود جليلة لإرشاد النوع البشري إلى الهداية والسعادة، وشرف الأعمال، ونبل الأخلاق، وإيجاد الإعتدال والوسطية في القوى البشرية. وفي المقابل فإن الإنسانية جمعاء، كواهلها مثقلة بأفضال هذه النخبة الفريدة من عباد الله المخلصين.

المحاضرة الثانية: سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، العالمية والسرمدية

هذه المحاضرة هي الأهم والأساس، لما سيأتي بعدها من تحرير وبيان لخصائص وميزات "الرسالة المحمدية"، ولقد استهلها الشيخ الندوي بمسلمة التباين والتنوع -مرة أخرى-، والتي تسري كذلك بين الرسل و الأنبياء كلهم، فمنهم الأسوة في الصبر، ومنهم القدوة في الإيثار والتضحية، ومنهم من كان مثالا في الصدع بالحق...

ومع ذلك كانت الحاجة ماسة إلى قائد يقود الإنسانية من بدايتها إلى نهايتها، وإلى سراج وهاج ينور الطريق كله بإرشاداته. ولم يتحقق حلم البشرية إلا في إمام الأنبياء والمرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم.

ويؤكد سليمان الندوي رحمه الله، أن ما ذكره ليس ادعاءات كاذبة، بل يستند إلى البراهين القوية، والأدلة القاطعة والشهادات التاريخية، لذا يشترط في أي سيرة توصف بالمثالية أن تتوفر فيها أربعة شروط.

الشرط الأول: التاريخية، والقصد منه أن تكون ترجمة حياة-هذه القدوة- وأحوالها وأخبارها موثقة تاريخيا، عبر إخضاعها لأصول الرواية وقواعد النقد، لا أن تكون مبنية على الميثولوجيا و الحكايات الخيالية، كما هو الشأن بالنسبة إلى "مهابهارتا" و"رامائنا" أبطال الديانة الهندوسية، و"زرادشت" مؤسس المجوسية، و"بوذا" البطل الديني لكل من الهند والصين....، و"موسى التوراتي"، و"عيسى الإنجيلي"، وقد أفضت هذه البيئة الخيالية إلى ظهور المدرسة النقدية داخل علم مقارنة الأديان، واعتماد منهج الشك والريبة في دراسات الشخصيات والزعامات الدينية، كان من بين نتائجها السؤال المشهور لوول ديورانت حول تاريخية عيسى، والذي لازال يتردد في دراسات علماء مقارنة وتاريخ الأديان: هل وجد المسيح حقا؟.

الشرط الثاني: الكمال، ومعناه أن يتمتع-الشخص القدوة- بالكمال في جميع جوانب الحياة، وأن تكون شؤون حياته ظاهرة أمام أعين الناس، لا تخفى منها خافية. ويبدو أن الشيخ سليمان قد بلغ بالحاضرين إلى نفس نتائج- الشرط الأول- من خلال سبر أغوار حياة "بوذا" و"زرادشت"، مستندا إلى القصص والحكايات الخاصة بهما، والتي لا تلوي على شيء سوى الخيبة والفشل، وأما سيرة موسى التوراتي، فلا تدل على -هي الأخرى- على المثالية والأسوة، لأنها في الغالب وقائع شخصية قد تختلف من شخص لآخر، وأما أناجيل الكنيسة فتفتقر في سيرة عيسى إلى ثلاثين سنة من حياته، ابتداء من مولده حتى كرازته. إنها فترة رمادية لايعرف عنها شيء من أحوال عيسى الإنجيلي وحياته،.!!!

الشرط الثالث: الشمول والإحاطة، وهو شرط يعزز شخصية النموذج المثالي والقدوة الحسنة، وفي اعتقاد الشيخ سليمان أن هذا الشرط، لا يتجسد إلا في محمد صلى الله عليه وسلم، وأما حياة الزعماء الدينيين الآخرين، فخالية من طلب معرفة الله، والكشف عن ذاته وصفاته، خالية من محبة الله سبحانه، فأسفار التوراة الخمسة-مثلا- كلها، لا تشير لا بالتلميح ولا بالتعريض، إلى ما كان في قلب موسى عليه السلام من الحب لله تعالى. والأمر نفسه بخصوص عيسى عليه السلام، إذ نقف في الأناجيل على اعتراف الإبن-أي عيسى- أن الأب- أي الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا - كان يحب ابنه حبا شديدا، لكن لا ندري مدى حب هذا الإبن لأبيه؟!.. يتساءل المحاضر.

ويشتد افتقار هذه الشخصيات لشرط الشمول والإحاطة-هذا إن سلمنا بوجودها تاريخيا-، حين نقرأ ماخطه البوذيون حول خلوة زعيمهم، واعتزاله للناس، وما كتبه أحبار اليهود حول موسى من اقتصار كل أحيانه وأحواله على الجهاد والبسالة فقط، وما دونتها الكنيسة عن عيسى، بخصوص حياته، فلا قدوة ولا أسوة قدمت لمختلف الناس، من الرعاة، والحكام، وأرباب الأسر...، فلو أن البشرية سلكت طريق هاته الشخصيات لكان مصيرها الخراب لا محالة.

الشرط الرابع: العمل أو العملية، إذ بالإمكان أن يعرض الواحد منا نظريته أمام العالم، وتحظى بالقبول، لكن الشىء الصعب تجسيده هو العمل، فالسيرة التطبيقية هي التي تقرر أنك إنسان صالح ام فاسد.

ومادام شرط الشمول غائب عن زعماء الأديان -السالف ذكرهم-، فتبدو الحاجة ملحة إلى أسوة عملية متحركة في جميع جوانب الحياة، على مستوى الفرد والجماعة، مثل الحرب والهدنة، الغنى والفقر، الغضب والرضا، الظاهر والباطن...

ويختم سليمان هذه المحاضرة بأنه لايجرد باقي الأنبياء من هذه الصفات، ولكن المشكلة في أن سيرهم خالية من هذه الخصائص والصفات..

المحاضرة الثالثة: الجانب التاريخي للسيرة النبوية

تنقلنا هذه المحاضرة إلى ساحة السيرة المحمدية، وهي بداية الحديث المباشر عن "الرسالة المحمدية"، إذ ينقل فيها المحاضر إجماع العالم على أن الإسلام هو أحفظ الأديان لأقوال وأفعال وتقارير نبيه على الإطلاق، بل ويشهد على ذلك حتى أغرض أهل الإستشراق وأعتاهم، من أمثال الألماني "شبر نغر". فعلم الرجال، وفن الجرح والتعديل، علمان خالصان للإسلام دون سواه، وعلى الرغم من الشبهات التي أثارها التبشير والإستشراق، حول صحة الأحاديث، والشكوك المزعومة التي نسجت حول تدوين السنة العطرة، بزعامة "جولد تسيهر"، إلا أن جميعها تحطمت -أولا- على صخرة علوم الحديث النبوي، ثم تلاشت على إثرها-ثانيا-، نتيجة الجهل المقصود بالخصائص المتفردة لطريقة جمع السنة وتدوينها. ولإبطال هذه المزاعم والشبهات نجد الشيخ الندوي بين الفينة والأخرى، يستدعي لهذا الغرض الشواهد القرانية والتاريخية، والحديثية، مصحوبة بالأدلة المنطقية والعقلية، وليختم في الأخير -المحاضرة- بسؤال إنكاري قائلا: " دلوني على أي مؤسس دين أو زعيم مذهب لقي هذا الإهتمام، ونال هذا التحري والحيطة، وفاز بهذه العناية البالغة في تدوين سيرته وأحواله، وترتيب أقواله وسننه وهديه من قبل أتباعه" ؟؟.

المحاضرة الرابعة: الكمال والإحاطة والشمول في السيرة النبوية

لا تجدي التاريخية شيئا لصاحبها، إذا سلب شرط الكمال، والحكم على كمال الشخص، وجب أن تكون حياته مبرأة من النقائص والمعايب، في جميع نواحيها ظاهرة جلية.

وحياة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، كتاب مفتوح منذ ولادته، إلى لحظة التحاقه بالرفيق الأعلى سبحانه، بل إن الصحابة رضي الله عنهم لم يألوا جهدا في نقل دقيق الأحوال النبوية، حتى ذكروا باب ماجاء في نعل، وخف، واتكاء رسول الله، فما البال بعظيم أمور الرسالة المحمدية وجليلها ؟.

لقد كان كاملا عليه الصلاة والسلام خارج بيته وداخله، بين أصحابه ومع أعدائه، كاملا في صبحه ومساءه، في حضره وسفره، وفي سلمه وغزواته، في بشاشته وغضبه، ومع زوجاته وأهل بيته،.....

لقد اتضح لنا- يقول صاحب "الرسالة المحمدية": " أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تحمل في طياتها الكمال في أنظار من عرفها".

المحاضرة الخامسة: الجامعية والشمول في السيرة النبوية

هناك مظهران للجامعية والشمول في السيرة النبوية حسب سليمان الندوي: 

-أولها، يظهر في ما تعج به الدنيا من الأعمال المتنوعة، والمهن المتباينة، والأصناف المختلفة من الناس، فمن الناس السلطان والرئيس والحاكم، ومنهم المحكوم ، ومنهم القاضي، ومنهم الغني والفقير. وكل صنف من هؤلاء بحاجة إلى أسوة عملية، وقدوة مثالية، يجعلونها منهجا لحياتهم. والرسالة المحمدية تدعو كل الأصناف، من الناس إلى اتباع السنة النبوية، " ومن ثم ثبت لنا من وجهة نظر الإسلام هذه أن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إنما تتصف بالشمول والإحاطة."، يقول المحاضر.

-المظهر الثاني: ويبرز في تقلب هذا الإنسان نفسه، بين أعمال وأفعال، وأحوال وأوقات مختلفة، فهو يمشي ويقعد، يأكل ويشرب، ينام ويستيقظ، يعلم ويتعلم،....فهذا حاله في عالم الجوارح، أما في عالم العواطف والأحاسيس، فكل حال له عمل قلبي جديد. ومشاعره الخاصة، فمرة يغضب وأخرى يرضى، مرة يفرح وأخرى يحزن، أحيانا يعاني من المصائب والمشكلات، وأحيانا يحظى بالنعم والخيرات.

وبالجملة فالإنسان في حاجة إلى قدوة وأسوة، لكل ما له علاقة بأعمال الجوارح، وكذلك إلى سيرة عملية تسيطر على القوى الطاغية، والمشاعر الجامحة، والنفوس المتمردة.

وإثراء للبيان، ينقل المحاضر المتلقي إلى عالم التدريس والتعليم، فيقارن بين الجامعات والمدارس التي تدرس علما خاصا أو فنا واحدا، وبين الكليات ذات التخصصات العديدة، ثم يخلص قائلا: "أصحاب كلية خاصة واحدة، أو متخصصين فى فن واحد...، لايستطيعون وحدهم أن يغطوا حوائج المجتمع"، بخلاف الكليات التي تضم تنوعا وتعددا في الفنون والعلوم.

والحال أن الجامعة المحمدية تضم كل الأقسام العملية والكليات الفنية، والتي التقى فيها أصناف البشر، فنبغ فيها أصحاب الفراسة الإيمانية والذكاء المتوقد، كالصديق والفاروق وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وغيرهم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول رحمه الله عن المدرسة المحمدية: " إن بركاتها وفيوض أنوارها عامة شاملة للجميع، والدعوة عامة لكل الأقوام والملل،وسائر البلاد والعباد على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبقاتهم.".

المحاضرة السادسة: الجانب العملي للسيرة النبوية.

يعود المحاضر مرة أخرى ليؤكد على أن العالم لا تنقصه الكلمات العذبة، والنصائح القيمة، والعبارات الرنانة، إن الذي يعز وجوده هو العمل، ولا توجد وثيقة سماوية تشهد لنبيها على علو مكانته، وسمو مرتبته، سوى القرآن الكريم (وإن لك لأجرا غير ممنون، وإنك لعلى خلق عظيم) القلم، 4،3. لقد نادى هذا النبي صلى الله عليه وسلم مرارا بأعلى صوته في الناس ( لم تقولون مالا تفعلون) الصف،2 . لذا إذا استعرضنا سيرة عيسى الذي صعد إلى جبل الزيتون -كما تحكي الأناجيل-، وبين سيرة من صعد إلى جبل الصفا، وقارنا بينهما، فلا عمل في سيرة الأول، أما محمد صلى الله عليه وسلم فسيرته غنية بنماذج من الحركة الدؤوبة والعمل المتواصل...

لقد كان خلقه القرآن، هذا الخلق هو الذي أنطق خديجة قائلة:" كلا، والله لايخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق."، رواه الشيخان، وهو الخلق نفسه، الذي جعل عائشة تشهد وتقول:" لم يكن صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، ولاصخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح" رواه الترمذي وأحمد وابن حبان. وهي الشهادة نفسها التي أجمع عليها كل من عاشره وصحبه من الناس.

وتشهد سيرته العملية، أنه عليه الصلاة والسلام، لا يقوم ولا يجلس ولا ينام ولا يستيقظ ولا يمشي ولا يتوقف....، لا تمض لمحة من لمحات حياته إلا ولسانه رطب بذكر الله تعالى.

ولننظر- كذلك-إلى كيفية أدائه للصلاة، والتي كان يقوم فيها بالحب والشوق إلى الله، والخوف منه وخشيته حتى تتورم قدماه، يقول لعائشة-مذكرا إياها- بواجب العبودية لله حين أشفقت عليه:" أفلا أكون عبدا شكورا".

وهذا هو ديدنه عليه الصلاة والسلام، وهذه هي أخلاقه، في كل أوقاته وأحواله، في الصيام والزكاة والصدقات، وفي الزهد والقناعة، والتوكل على الله واعتماده عليه والثقة به، وفي غزواته وفتوحاته، وفي حلمه وعفوه عن أعدائه ومبغضيه.

ويختم الشيخ الندوي بخلاصة لما أسس له في هذه المحاضرة قائلا:" إن الإسلام يقدم حياة رسوله مثالا عمليا، وأسوة عملية لكتاب الله، وهذه الفضيلة والشرف، لم يتمكن من نيله رسول من الرسل، سوى رسول الإسلام فإنه لما بين للإنسانية أصول الحياة، وضوابط الشريعة، وقوانين الدين،فيتبعها بعمل وتطبيق، لكي يكون أسوة للناس".

المحاضرة السابعة: رسالة رسول الإسلام إلى سائر الأنام

" كما أشرنا -يقول المحاضر-مرارا وتكرارا، وفي ضوء الحقائق التاريخية والوقائع الثابتة أن تلك الرسالات كانت مؤقتة، وخاصة بقوم محددين وزمن معين، ولم تكن تتمتع بالخلود والأبدية، وبالتالي فلم يوفر الله تعالى أسبابا ووسائل لحفظها الأبدي السرمدي ". ونلمس هذه الحقيقة فيما تصرح بذلك نصوص الكتاب المقدس بقسميه التوراتي والإنجيلي، من أن نبيا سيأتي بعد موسى وعيسى، في المقابل لا نظفر بآية قرآنية واحدة تنبئ بمجيء نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم. بل تتعزز عالمية الرسالة المحمدية حين ننظر في نزعة الخصوصية التي تهيمن على التراث اليهودي الشفوي منه والكتابي. وماينسب إلي عيسى من القول بأنه :" جاء إلى خراف بني اسرائيل الضالة ".

هذا والمفروض-كذلك- في كل دين أو شريعة أن تقوم على دعامتي الأعمال القلبية، والحركات البدنية، فالعقائد ومسمى الإيمان شبه مفقود في الكتاب المقدس جملة وتفصيلا. وأما قضية الجزاء والعقاب، والجنة والنار، والحشر والنشر، ففي اليهودية أمرها غائب، لايروي الغليل، ولايشفي العليل. أما الإنجيل فمجموعه فقرة أو فقرتان. وأما الحديث عن الملائكة فسمته التعقيد والغموض والتباس الأمر، حتى يصعب التمييز بين الواحد الأحد والملائكة...، أما الرسالة المحمدية فقد أوضحت وبينت ودعت إلى هذه القضايا لمنزلتها في الإسلام ولأهميتها في أعمال القلوب.

هذا من ناحية، أما ناحية أخرى فعلى الرغم من التفاصيل المسهبة حول القرابين، وذكر الصوم في التوراة،...فمرة أخرى الغموض يحجب فهم هذه الطقوس والعبادات. أضف إلى ذلك الفراغ التعبدي الذي توثقه اناجيل الكنيسة: "لماذا تلاميذك لا يصومون".

وهاهو الإسلام واضح جلي، واضحة عباداته بشرائطها وكيفية أدائها، ومواقيتها، ومقاديرها، وبينة مقاماتها من ابتهال وضراعة ومناجاة بين يدي الله جل جلاله. يقول رحمه الله :" إن الشريعة والرسالة المحمدية غنية بهذه الأمور كلها".

وللإنصاف يذكر المحاضر أن شريعة موسى اهتمت بجانب المعاملات وبسطته بالشرح بالتفصيل، وقد أقرت الرسالة المحمدية معظم هذه القوانين لكنها خففت من شدتها ووطأتها، وأسبغت عليها صبغة العالمية بعد أن اقتصرت هذه التشريعات على بني إسرائيل فحسب، وأما الزبور والإنجيل فلا نجد فيهما شيئا من ذلك، باستثناء بعض أحكام الطلاق في الإنجيل.

والواقع أن الرسالة المحمدية، أصلت وقننت وسنت وضبطت هذه القوانين أيما ضبط دون وجود ثلمات في البناء التشريعي للإسلام. وهذه القوانين والقواعد الكلية هي المرجع والأساس للحكام المسلمين عبر الزمان.

وتبرز أهمية الرسالة المحمدية لجميع الأنام كذلك، في نقد الندوي لأصحاب عقيدة التناسخ، الذين ضيعوا الفكرة السليمة لجوهر الإنسان، ألا وهي فطرته التي فطر عليها، فأثقل هذا الإنسان بما لا يحتمل، بل زادته المسيحية ثقلا إلى ثقل!!!.

اما الرسالة المحمدية فنادى صاحبها في الناس، لستم مكرهين، ولا مجبورين، ولا أنتم عصاة بالفطرة، ولستم مخطئين بالخلقة، إن الخيار بيدكم، والطهارة والنزاهة شأنكم... يقول المحاضر:" وهل توجد رسالة أوضح وأفصح وأدل على طهارة الإنسان الجبلية والفطرية من الرسالة المحمدية ".

والرسالة المحمدية كذلك تتغيا الخير للأنام، دون تمييز بين الناس خلافا لبراهمة الهند. وزرادشت فارس، وبني إسرائيل، والذين حصروا الخير في أقوامهم وقبائلهم، وأن الشرف هم أولى به وأحق. 

وحتى تحقق هذه الرسالة المحمدية مقاصدها النبيلة، فقد قطعت حبل الوساطة بين الإنسان والخالق، الذي أقامه الكهنة وعبدة الاوثان، والأحبار والرهبان، فلا وجود لهؤلاء والوسطاء في هذه الرسالة العطرة ولا حاجة إليهم. 

ويتوقف المحاضر في ختام المحاضرة السابعة عند خصيصة الوسطية والتي تميز الإسلام، فلا إفراط ولا تفريط، لا إفراط كهنة الهنادكة والبوذيين والمصريين والإنجليين، الذين جعلوا زعماءهم آلهة من دون الله. ولا تفريط اليهود، الذين ألصقو بأنبياءهم الكثير من القصص الواهية، و الحكايات الفاسدة التي لا تليق بالمكانة اللائقة بهم.

أما في الرسالة المحمدية فالأنبياء كلهم عبيد الله. ثم إنهم ليسوا أشباها ولا أندادا ولا آلهة، ( قل إنما أنا بشر مثلكم) الكهف 110.

المحاضرة الثامنة: الرسالة المحمدية، الدعوة إلى العمل

هذه هي المحاضرة الأخيرة من محاضرات الرسالة المحمدية، وفيها يحصر الشيخ سليمان الندوي رحمه الله أسباب الفساد في عقيدة التوحيد عند الأديان السابقة والشرائع السالفة، في ثلاثة أسباب رئيسة:

السبب الأول، ويتمثل في عقيدة التشبيه والتمثيل، التى اختفى فيها إسم"الله" الرب الحقيقي، فحلت التشبيهات بصور مجسمة محله، فصار الناس يعبدون الأصنام ويسجدون لها، حتى اتخدوا من رحمة الله بهم وحبهم له تمثالا وصنما، وأسقطوا علاقة الحب بين الأب وأبيه على علاقة الحب بين الخالق والمخلوق، فأضحى الله عندهم أما، وهذا ما تجسد عند الروم والإغريق الذين اتخدوا إلههم في صورة امرأة. وأما الآشوريون والبابليون وبنو إسرائيل، فتبعا للقيمة المنحطة للمرأة في نظرهم، فقد اعتقدوا أن الإله هو الأب، وجميع الملائكة والبشر أولاده، أما النصارى فقد حل تمثيل الأب والإبن فيهم محل الحقيقة.

إن أفضل تجل لعلاقة الحب بين الخالق والمخلوق موجود في الرسالة المحمدية، فيها أبعدت كل التعبيرات المنحرفة والمصنوعة في أشكال تجسيمية وتشبيهية هذا أمر أول، وأما الأمر الثاني، فهذه التعابير المنحرفة تعد طريقا معبد نحو الشرك، فكان من مهمات الرسالة المحمدية سد هذا الطريق أمام البشرية جمعاء، هذا سبب أول.

وأما السبب الثاني: فأتى من جهة الإنحراف في عقيدة الصفات، والتي جعلوا فيها كل صفة من صفات الله منفصلة عن الذات، فالنتجة -حسب المحاضر- حوالي ثلاثمائة وثلاثين مليون إله!!!، كما هو الحال في الديانة الهندوكية، أما الهندوس فقد تفرقوا حيال التجسيم إلى فرق ومذاهب، منهم إله "برهما" وهو يجسد الخالق، و"وشنو" الإله القيوم، أما "شيو" فتجسيد للإله للمميت ؟؟!!.

إلا أن الرسالة المحمدية قد كشفت النقاب عن هذه الأخطاء الفاحشة، وأثبتت لمن انخدع بتعدد الصفات وجعلوها مستقلة إنما وقعوا فريسة الجهل والغواية، وحادوا عن الصراط المستقيم، وأعلن القرآن الكريم، فقال ( الحمد لله رب العالمين )، الفاتحة، 2، وقال، ( وله المثل الأعلى )، الروم، 27، وقال كذلك ( الله نور السموات والأرض )، النور،35.

لقد أرشدتنا الرسالة المحمدية، أن الله تعالى هو الذات الواحد الخالق الباريء الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، وهو الرحمن الرحيم، وليست هذه الصفات إلا لذات واحد، ألا وهو الله سبحانه.

وأما السبب الثالث، فقد تمثل في الإنخداع بأنواع وضروب الأفعال المختلفة والمتلونة، ومعنى ذلك الإنخداع بأن الأفعال المختلفة هو شخصيات مختلفة، فمنها من هو مميت ومحيي، ومن يأمر بالحرب والقتال، ومن يدعو إلى الصلح، ومنها من هو إله العلم.... يقول الإمام الندوي: "فجاء الإسلام وصحح لهؤلاء السفهاء هذه العقلية الباطلة الزائغة، وبين لهم أن هذه ضروبا من الأفعال الصادرة عن الله ". 

ويبدو أن ما جال ببال الزرادشتيين من استحالة صدور الخير والشر عن ذات واحدة، لأنهما متضادان قد أوقعهم مرة أخرى في فساد الإعتقاد، فاتخدوا لعمل الخير إلها، ولعمل الشر إلها آخر.

ويتحول الندوي إلى فكرة مفادها أن الدنيا ليس فيها شيء يطلق عليه خير أو شر، فالإنسان هو الذي يجعله خيرا إذا أصاب استعماله، أو شرا إذا أساء استخدامه، فطبيعة عمل الإنسان هي المسؤولة -أولا وأخيرا- عن الخير والشر.

وقصد المحاضر من إقحام قضية الخير والشر هنا هو تأكيد على أن اختلاف الأفعال لا يدل على تعدد الفاعلين واختلافهم، بل كل ما في الكون من عجائب الخلق، وحسن الصنعة،....هو من الواحد الخالق الذي لا شريك له. 

وفي ختام هذه المحاضرة الأخيرة يقف هذا العالم طيب الله ثراه، على مظهر آخر من مظاهر فساد المذاهب السابقة والديانات السالفة، حين توهمت أن تعذيب الجسد يكون سببا فى ارتقاء الروح وسموها، وفي طهارة القلب وصفاءه، كما في الهندوسية والمسيحية.

ولما جاء الإسلام حرر الإنسان من هذه الأغلال والسلاسل والمصائب، قال تعالى( لايكلف الله نفسا الإ وسعها )، البقرة، 286. فحرم بذلك الرهبانية وأباح الزواج، وحرم ازهاق الأرواح، تقربا للآلهة وتقديم القرابين للأوثان، ودعا الى تقديم الأضاحي لله الواحد الديان، وحرم وأد البنات، والتفاخر بالمال، والحسب والنسب، وااللون واللغة، والشكل والصورة، وما إعلان حجة الوداع والذي نادت به الرسالة المحمدية في صعيد عرفات على رؤوس الأشهاد، إبان لحظة اكتمال الدين وتمام النعمة، إلا بيانا لما تحمله الرسالة المحمدية من حقوق وقيم إنسانية: " ياأيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى." حديث أخرجه أحمد في المسند، الهيثمي في مجمع الزوائد،و والبيهقي في الشعب، والمنذري في الترغيب.

انتهى بحمد الله.

بنداود رضواني