الخميس, 04 تشرين1/أكتوير 2018 15:59

مكانة المعلم في الإسلام

لقد كانت العلاقة بين المعلم والمتعلم قائمة على الحب والوفاء والتكريم والتوقير فالمعلم والد يؤدب بالحسن ويهذب بالحكمة وقسوا حينما تجب القسوة ولكنها قسوة من يريد الخير لابنه وتلميذه والمتعلم ابن مطيع بار يرى في إجلاله لأستاذه من مظاهر ألأدب وحسن الخلق .

وكان التلميذ يعتبر نفسه عجينة بين يديّ أستاذه المحب له الحريص عليه وكان الطالب يحافظ على وفائه لأستاذه حتى بعد تخرجه أو انقطاعه عن حلقة التعلم أو بلوغه مرتبة في المجتمع.

ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يعتز لأنه بُعث معلماً، فيقول عليه الصلاة والسلام: "إن الله عز وجل لم يبعثني معنفاً ولكن بعثني معلماً". مسند أحمد. يرفض عليه الصلاة والسلام منهج الشدة والقسوة والعنف، ويدْعُو إلى منهج التعليم، وهو منهجٌ له علاقةٌ بالسلوك وتزكية النفس أولاً.

لما كان العلم منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقد أشار القرآن الكريم إلى مكانة المعلمين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإلى دورهم في نقل هذه الرسالة وتعليمها إلى الناس أجمعين من خلال منهجين: منهجٌ قائمٌ على التعليم، ومنهجٌ آخرٌ قائمٌ على التزكية. يقول ربنا سبحانه وتعالى:"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ" سورة البقرة (129). نلاحظ في هذه الآية أن الله تعالى قدّم التعليم على التزكية. في آية أخرى قدّم الله سبحانه وتعالى التزكية على التعليم في معرض امتنانه على هذه الأمة بأن أرسل لهم سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: "لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ" سورة آل عمران (164). التزكية هي: منهجُ سلوكٍ نفسي وخُلقي على كل إنسان أن يتحلى به سواء كان معلماً أو متعلماً. ومهمة المُسلّكين، والمربين، والأنبياء، والمعلمين، والمدرّسين الجمع بين الأسلوبين معاً، أي أن يكونوا معلمين ومزكّين في الوقت نفسه؛ بأن يحرصوا على نقل المعلومة إلى طلابهم، والارتقاء بهم من مرحلة الجهل إلى مرحلة العلم، ثم الانتقال بسلوك الطلاب إلى مستوىً أرقى مما كانوا عليه فيما مضى, وهذا يُشعِر كل المربين والمعلمين بالمسؤولية العظمى والأمانة الكبرى التي حمّلهم إياها ربنا سبحانه وتعالى.

ومن نماذج سلفنا الصالح في توقيرهم للمعلم واحترامهم له، روى الشعبي رحمه الله قال : صلى زيد بن ثابت على جنازة ثم قربت له بغلة ليركبها فجاء ابن عباس فأخذه بركابه فقال له زيد خلّ عنه يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .فقال بن عباس هكذا يفعل بالعلماء والكبراء .

وقيل للشافعي رحمه الله في تواضعه عن طلبه للعلم فقال : أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ولن تكرم النفس التي لا تهينها .

وقال الشافعي رحمه الله كنت أتصفح الورقة بين يدي مالك رحمه الله صفحا رفيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها .

وقال الربيع : والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له .

وقال بعض السلف: لا ينال العلم ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم وأهله وتعظيم الأستاذ وتوقيره .

فإن من علمك حرفا واحدا مما تحتاج إليه في الدين فهو أبوك في الدين .

وحكى أن الخليفة هارون الرشيد بعث ابنه إلى الأصمعي ليعلمه العلم والأدب فرآه يوما يتوضأ ويغسل رجليه وابن الخليفة يصب الماء فعاتب الأصمعي في ذلك فقال إنما بعثته إليك لتعلمه العلم وتؤدبه فلماذا لم تأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه ويغسل بالأخرى رجلك .

قال علي رضي الله عنه: من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية وأن تجلس أمامه ولا تشير عنده بيدك ولا تعمدن بعينيك غيره ولا تسار في مجلسه ولا تشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء .

وكان بعضهم إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه عني .

فالطالب ينظر إلى معلمه بعين الإجلال والاحترام والتقدير فينقاد له في أموره ولا يخرج عن رأيه وتدبيره بل يكون معه كالمريض مع الطبيب الحاذق فيشاوره فيما يقصده ويتحرى رضاه فيما يعتمده ويتقرب إلى الله تعالى بخدمته ويعلم أن ذله لمعلمه عز وأن خضوعه فخر وتواضعه له رفعة ، فيعرف للمعلم حقه ولا ينس فضله وإن يعظم حرمته ويرد غيبته ويغض لها .

إلا أننا اليوم نعيش في وقت يربي أولادنا غيرنا ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم قنوات تحرضهم على الفساد والعنف وشبكات تدربهم على الضياع والسخف ، وصار مصدر التعلم والتربية البيت والمدرسة لا قيمة لهما عند بعض شبابنا فالبيت للأكل والنوم والمدرسة لقضاء الوقت ونيل الشهادة عند بعضهم .

وذهب توقير المعلم واحترامه وإجلاله وتقديره، ولذلك أسباب معروفة من أولها عدم غرس الآباء والأمهات في قلوب أولادهم احترام المعلم وتقديره وتوقيره أو غفلتهم عن ذلك حتى نشأ لنا جيل من السهل أن يعتدي على المعلم بضرب ولكم وإراقة دماء فضلاً عن كلام بذيء وأسلوب جارح .

لقد توفرت اليوم أسباب العلم لكن لم تتوفر آداب المتعلم، فبدأنا نسمع عن الاعتداءات والتجريح والتشهير بأخطاء المعلمين فنحن نقول أن المعلم غير معصوم لكن كل يخطئ ويصيب فلماذا يشهر بأخطاء المعلمين وينتقصون على ملأ من الناس ومسمع وكأنهم من مجرمي الحروب ، وحين يأتي أولادنا إلى مدارسهم وهم لا يحملون احتراماً ولا تقديراً لمن يتلقون عنهم العلم فلن يحصلوا علماً ولا أدباً ولا خلقاً .

إن الواجبات التي فرضها الله علينا سبحانه وتعالى أمانة: كصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجوار، وإكرام الضيف، وهناك أمانات أخرى تتعلق بالسلوكيات التي يتعامل الناس بها فيما بينهم: كالإخلاص في المودة والصحبة والعلاقة. والتعليم أمانة عظمى، وهو من أعظم أنواع الأمانات، فالمعلم مؤتمن على تقديم العلم النافع لطلابه وأبنائه وتلامذته.

إننا بحاجة اليوم إلى إعادة النظر في تعاملنا مع الآخرين وبالأخص في تعاملنا مع المعلمين مع المربين الناصحين ممن يضيئون لأولادنا طريق العلم والمعرفة والتربية ممن يخرجون الأجيال النافعة، فأهل العلم لهم منزلة خاصة عند الله سبحانه وتعالى، لذلك وصفهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يُوَرّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما وَرّثوا العلم الذي علّموا به أتباعهم وأصحابهم, وهؤلاء نقلوا هذه العلوم إلى من بعدهم إلى أن آلت إلينا، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ.

الإصلاح – س.ز