الخميس, 31 آب/أغسطس 2017 12:37

مؤلف "طقس القربان في الأديان": فلسفة الأضحية في الإسلام تتماشى مع روح الإنسان

قال الدكتور الحسن حما صاحب كتاب "طقس القربان في الأديان الوضعية والسماوية" إن فسلسفة القربان في الإسلام تتماشى مع الروح الإنسانية.

وأوضح الباحث في المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة ضمن حوار حول شعيرة الأضحى المبارك أن فلسفة القربان في الإسلام تتميز عن سائر الأديان بانتقالها من القربان الحسي المادي إلى القربان المحيل على معاني العمل والاستخلاف والتضامن الاجتماعي.

الحاصل على الدكتوراه في موضوع "مركزية الإنسان في الأديان الإبراهيمية التوحيدية" أضاف أن الدين الإسلامي ليس محل خلاف مجتمعي أو سياسي في المجتمع المغربي وهو ما يساعد على تحقيق الاندماج الاجتماعي.

وفي ما يلي نص الحوار

اعتبرتم في كتابكم طقس القربان في الأديان السماوية والوضعية أن الدين والإنسان متلازمين، كيف ذلك؟

الدين صفة ملازمة للإنسان عرفتها البشرية منذ القدم فالإنسان دائم النزوع نحو التدين والدين بحثا عن أجوبة تفسيرية للكون ووجوده فيه، وكذلك لأن الدين يحقق له الاطمئنان الروحي ويساعد على الأمن الاجتماعي.. ومن ثمة جاء تلازم الانسان مع الدين وذلك ما قررته الحقول المعرفية المهتمة بتفسير الظاهرة الإنسانية وبحث علاقتها بالإنسان مثل الانثربولوجيا والسوسيولوجيا بمختلف فروعها والعلوم التي ارتبطت بدراسة الدين بصفة عامة.. وهذا التلازم تؤكده الأديان السماوية التي جاءت لتصحح منظور الإنسان للدين الأمر الذي تجسده رسالة الاسلام باعتبارها الدين المصدق والمهيمن على السابق من الاديان والثقافات بفضل خاصيتي التصديق والهيمنة التين يختص بهما القرآن الكريم .

كيف يحضر الدين عند المجتمع المغربي؟

الدين له حضور مركزي في المجتمع المغربي من خلال ارتباطه بشعائره الدينية ومعتقداته إلا أن الملاحظ هو أن هذا الارتباط لا تعكسه بعض الظواهر الاجتماعية والثقافية مثل انتشار الفساد والرشوة وبعض المظاهر اللاأخلاقية المخالفة لطبيعة الدين خاصة  التي لها علاقة بالعلاقات الإنسانية  وهذا راجع في بعض جوانبه إلى الاختلال الموجود في القيم وتمثلها بفعل ضمور معنى التوحيد.. ولتجاوز هذا الاختلال نحتاج إلى استعادة مفهوم التوحيد المؤطر لرؤية الإنسان الكلية بالشكل الذي يجمع بين التدين على مستوى الشعائر والسلوك، من خلال استثمار بعض المميزات التي يتميز بها المجتمع المغربي؛ منها أن الدين الاسلامي في المجمل ليس محل خلاف ديني أو سياسي وهذه ميزة مهمة تساعد على تحقيق الاندماج الاجتماعي، وينبغي على الفاعل الديني سواء الرسمي أو المدني استثمارها بما يساعد على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية خاصة ونحن في سياق إقليمي ودولي مضطرب  يحتاج الى استعادة الدين في أبعاده الإنسانية والاجتماعية.

كيف تتميز رؤية الإسلام عن غيرها في مسألة القربان؟ خصوصا أضحية العيد؟

 تناول الإسلام قصة الذبيح إسماعيل مع أبيه عليهما السلام من جانبين: الأول يعرض فيه القرآن للبعد الدعوي ودعوة إبراهيم عليه السلام لقومه وتحطيم الأصنام، وهذا تكرر ذكره في مواضع عديدة من القرآن، والجانب الثاني هو الذي استقلت به سورة الصافات، وهي الخاصة بالرؤيا والذبح والفداء، مفصلة المراحل والخطوات والمواقف في أسلوبها الأخاذ وأدائها الرهيب ممثلة في أعلى صور القناعة والتضحية والفداء والتسليم في عالم العقيدة في تاريخ البشرية، وتتميز رؤية الاسلام في تأكيدها على التكافل الاجتماعي، فبعدما كان الإنسان الجاهلي، يهدي هذه القرابين إلى البيت الحرام، دون أن يناله شيء منها والتركيز على أهمية تلطيخ الدماء بجدران الكعبة جاءت الأضحية في الإسلام لتشير إلى أهمية أن يستفيد منها الإنسان (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها لكن يناله التقوى).

وعلى المستوى الرمزي فإن مختلف التصورات الإسلامية المتضمنة في فكر التضحية وتقديم التقرب إلى الله تعالى، تتداخل لتشكل وعياً ثقافياً، تتضح بعض ملامحه في  التضحية بالذات والتسليم لله، وهي أعلى المراتب التي يصير فيها الإنسان إلى ربه خاضعاً لأمره، بكل مقوماته، ولذلك اقترن بالتضحية بالنفس في بعدها الرمزي وليس البشري. 

إن البعد الرمزي الذي أكدته  شعيرة الأضحية التي يحتفل بها المسلمون في العاشر من ذي الحجة جاءت لتؤكد على أن الإسلام أحدث انقلابا في نظام العبادة من خلال التحول من عبادة قائمة على تقديم القربان الخارجي الحسي الى عبادة قائمة على العمل والإنجاز المرتبط بخلافة الانسان في الارض وقد أشرت الى هذه الجوانب في كتاب طقس القربان في الأديان الوضعية والسماوية.

ما هو تمثل المجتمع المغربي لشعيرة الأضحى المبارك؟

إجمالا أستطيع القول إن التحديات المرتبطة بالتدين في المجتمع المغربي والتي أشرنا الى جانب منها. أثرت على تمثل بعض الفئات في المجتمع لشعيرة الأضحية؛ بحيث يتم القيام بها بمعزل عن دلالاتها الكبرى والاجتماعية التي تعزز التضامن الاجتماعي  من خلال استحضار سياقها القرآني والهدي النبوي وربطها بفلسفة التقرب الى الله في الاسلام هذا في تقديري يعود إلى أن الاحتفال بها في بعض الأحيان يأخذ طابع العادة. وهو تحدي يعترض مختلف العبادات لذلك جاء في الحديث (التأكيد على تجديد الإيمان) ومن مداخله توظيف الإعلام الديني للقيام بهذه الأدوار وكذا مختلف الفاعلين في الشأن الديني والحركات الإسلامية...

كيف وضع القربان القرآني الإصر والأغلال التي كانت على الأقوام السابقة؟

لقد استوعب النص القرآني ما يؤسسه أهل الكتاب من تصورات حول ماهية القربان، والمنطق الفلسفي الذي يحكمه، وقدمه بمنهج يزيل عنه ما رسخته الثقافة الوثنية، ليقدم بدلاً عنها فلسفة قربانية تتماشى مع روح الإنسان. 

والذي جعل القرآن يحتفظ بالقربان، رغم ما قد يشكل من خطر على المعتقد التوحيدي، إذا ما تم صرفه عن الغاية الربانية؟.  راجع أساساً إلى أهمية هذا النسك التعبدي في الفكر الديني عموماً، والتصاقه في الذهن البشري بمفهوم التدين والعبادة. مع تأصل هذه الظاهرة في التاريخ البشري وتطورها تاريخياً واستقرارها في شكلها النهائي أضحية حيوانية ذات وظيفة مزدوجة: استغفارية واستعطافية في آن. وإن كان القربان الإسلامي مع المظاهر الوثنية، حيث تخلو شعيرة الأضخية في عيد الأضحى  من حضور رجال دين، ولا يلتزم بطقوس مذبحية في مذبح مقدس كما هو الأمر في اليهودية وبعض الأديان الوثنية، ولا يشترط فيه تقديس الدم المسفوح، بل إن رؤية الاسلام تؤكد على  تنزيه الإله عن المشاركة في استغلال القربان، والإعلاء من شأن المعاني، والمقاصد الدينية؛ من قبيل خشية الله، والتقوى، والورع، ومساعدة الآخرين، بإطعام الجائع والمسكين. لكنه في المقابل أساس لمعاني اجتماعية، وثقافية، وهي التي يحددها قوله تعالى في سورة الحج ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 36 لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ، كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ، وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ37) هذه الآيات من سورة الحج تحتوي على هذا النموذج القرباني الذي أعطا له الإسلام معاني جديدة وخالدة تقدم في أيام الحج، وهي من الإشارات التي توضح علاقة القربان بالبيت العتيق وأبعاده الاستخلافية.

حاوره أحمد الحارثي