الجمعة, 27 نيسان/أبريل 2018 14:25

ليلة النصف من شعبان: فضلها وكيفية اغتنامه

الحمد لله حق حمده بنعمته تتم الصالحات وما الخيرات كلها  إلا من عنده، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد سيد الكائنات الذي لا فوز إلا بالثبات على عهده، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحمن جعل للذين آمنوا فيضا خاصا من قربه ووده، ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبد الله  ورسوله، ومصطفاه من خلقه وخليله، طوبى لمن جعل من الصلاة والسلام عليه حظا وافرا من حزبه وورده ، صلى الله عليه وسلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته وعلى من حافظ على دينه وشريعته واستمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين.

أما بعد، من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى، وسلك  منهاجا قويما وسبيلا رشدا، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى واعتدى، وحاد عن الطريق المشروع ولا يضر إلا نفسه ولا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله وسؤله، فإنما نحن بالله وله.

عباد الله : حديثنا اليوم عن حديث رواه ابن ماجة، وابن أبي عاصم، واللالكائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن)  و يتعلق بهذا الأثر مسائل :

- المسألة الأولى: ما معنى اطلاع الله تعالى على عباده ليلة النصف من شعبان.

- المسألة الثانية: ما الحكمة من تخصيص هذه الليلة بهذا الاطلاع الإلهي، والمغفرة الإلهية لجميع الخلق.

- المسألة الثالثة:  ما السبب في استثناء المشرك والمشاحن من المغفرة.

- المسألة الرابعة: كيف نغنم فضيلة هذه الليلة مستنين لا مبتدعين؟.

المسألة الأولى: فأما معنى اطلاع الله تعالى على عباده ليلة النصف من شعبان، فهو اطلاع مخصوص بالمزايا محفوف بالكرم و العطايا، شأنه ان الاطلاع الخاص الذي جاء ذكره في الحديث الصحيح أنه سبحانه ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ثم ينادي: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يسألني فأعطيه؟.. وذلك في الثلث الآخر منها.  وأما الاطلاع العام فنجده من خلال آيات قرآنية كثيرة أخبر الله تعالى فيها أنه مع عباده، مطلع على أحوالهم، صغيرها وكبيرها، منها: قوله تعالى: - {ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم}.وقوله سبحانه:- {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير}.  وقوله عز شأنه - {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار}

ولهذا نقول للقائل إذا قال: كلنا يعلم ويومن يوقن باطلاع الله تعالى على أحوال عباده قد بُين ذلك في نصوص متعددة من الكتاب والسنة، فأي جديد في حديث النصف من شعبان إذن؟ فنجيبه قائلين:  إن الله تعالى بين علمه بأحوال عباده في كتابه بأوجه وصيغ متعددة:

1 - فتارة بالإخبار بعلمه بكل ما في السموات والأرض، وبما يجترحه العباد، 2ـ وتارة بالإخبار أنه يراهم ويسمعهم ويعلم ما في ضمائرهم.  3ـ وتارة بالإعلام أنه منهم قريب غير بعيد، وأنه معهم أينما كانوا. 4ـ وتارة يخبرهم أنه مطلع عليهم. فهذا التعدد في التعبير عن الإحاطة الإلهية الشاملة بأحوال خلقه فيه التنبيه والإشارة إلى الحذر من مواقعة ما حذر منه، و فيه الدعوة إلى الجدّ فيما حث عليه، فإن الإنسان  إذا استشعر القرب والمعية والاطلاع والعلم الإلهي بأحوال الخلق فلعل ذلك يُحفَّزه إلى المسارعة الى فعل الخيرات و ترك المنكرات والغنيمة من البر و البعد من الإثم .

المسألة الثانية: قد يقول القائل ما الحكمة من تخصيص هذه الليلة بهذا الاطلاع الإلهي، والمغفرة الإلهية لجميع الخلق ؟ فنقول : ينبغي ان نلمح أن في هذه الليلة فضيلتان:

- الأولى: تخصيصها بالاطلاع الإلهي على أحوال الخلق، ولولا فضل الإنسان وكرامته عند ربه لما خص بهذا الفعل.

- الثانية: تخصيصها بالمغفرة ابتداء كرما، دون سبب متقدم إلا الإسلام، فمن كان مسلما فله هذا الثواب. والحكمة من تخصيص هذه الليلة بهذا الفضل: أنها ليلة من شهر مبارك، فشهر شعبان مقدمة شهر رمضان المبارك، تضاعف فيه الأجور، وتفتح فيه أبواب الرحمة، فكأن الحق سبحانه و تعالى أراد من عباده التحلل من كل ظلم: ظلمِ النفس بالشرك، وظلمِ العباد بالتباغض. حتى لا يُحرموا تحصيل الأجر الجزيل، كما جاء وصفه في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به). فللصيام أجر غير مقدر، تكفل الله تعالى به، ومن رحمته بعباده أنه يريد لهم نيل هذا الثواب العظيم، ولأجله حثهم على التحلل من كل ما يكون سببا في حرمانهم الثواب، فالشرك أعظم الذنوب المحبطة للأعمال الصالحة، والشحناء تفسد الدين، وتضيع ثوابا كبيرا.

المسألة الثالثة: ما سبب استثناء المشرك والمشاحن من المغفرة هو ؟

في هذا الحديث بيان عموم مغفرة الله تعالى لجميع الخلق إلا من استثنى، وهم صنفان: مشرك، ومشاحن. فأما المشرك فهو الذي عبد غير الله تعالى، بأي نوع من أنواع العبادة: من دعاء، أو نذر، أو ذبح، وغير ذلك، مما لا ينبغي فعله الا لله وحده. فمن فعل ذلك فقد أشرك، واستحق العقوبة وهي: عدم المغفرة، والخلود في النار، كما قال تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}.وقال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا}. وأما المشاحن فهو: المباغض، والمخاصم، والمقاطع، والمدابر، والحاقد، والحاسد. فكل هذه أوصاف للشحناء، وهي مُفسدة لذات البين، مُقطعة للصلات والأرحام، وقد جاء في الحديث: ( دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء. وهي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على ما تتحابون به؟، أفشوا السلام بينكم) [الترمذي في القيامة، باب: سوء ذات البين، وقوله: (لا تدخلون) في مسلم].

فهل لاحظتم  يا عباد الله الوصف المشترك بين الشرك والشحناء؟ إن كليهما يحلق الدين ويفسده، والفرق أن الشرك يبطل الدين فلا يُبقي منه شيئا، أما الشحناء فتهتكه وتتركه بلا روح، وإن لم تجتث أصله وذلك أن مبنى العبادات في الإسلام على الاجتماع، فالصلاة في جماعة واجبة، ولا يجوز التخلف عنها إلا لعذر، والمتخلف بغير عذر متهم بالنفاق، ثم حضور الجمعة واجب، وهو اجتماع الأسبوع، ثم حضور صلاة العيد سنة، وهو اجتماع العام، ويجتمع المسلمون للصلاة في النوازل: في الكسوف، والخسوف، والاستسقاء. وفريضة الحج لا يكون إلا باجتماع.. والصيام الفرض في وقت واحد في شهر واحد للجميع.. والزكاة فريضة اجتماعية.. والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد عمل جماعي.. فكل الشعائر شرعت جماعية، لم يُخص بها فرد دون آخر، وكلها تؤدى جماعة بأوقات متحدة، وبأحكام واحدة، فلا بد إذن في إيقاعها والقيام بها من اجتماع، والاجتماع أساسه التآلف والمحبة، فإذا انتفى التآلف تضررت تلك العبادات، بعضها بالنقصان والخلل، وبعضها بالزوال والترك: فلا تجد المتباغضين يجتمعون للصلاة في صف واحد، جنبا إلى جنب؟ ولا تجد المتباغضين يعطف بعضهم على بعض بصدقة أو إحسان؟ ولا تجد المتباغضين يجتمعون على دعوة أو أمر بمعروف ونهي عن منكر أو جهاد؟. فالشحناء مفسدة للدين، تحلقه، وما دخل الحسد والحقد في القلوب إلا وكان سببا في ضعف الإيمان، وربما في انتفائه كلية، كما حصل لإبليس لما حسد وحقد على آدم عليه السلام، ولذلك بالغ الشارع في التحذير من الشحناء، وسلكها في سياق التحذير من أعظم الذنوب، الذي هو الشرك، عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليطلع على عباده ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يَدَعُوه) [رواه الطبراني..] فالشرك مفسد لعلاقة الإنسان بربه، والشحناء مفسدة لعلاقته بإخوانه المؤمنين، وإذا فسدت علاقته بربه وبإخوانه لم يبق له من دينه شيء، فكيف يغفر الله له؟. وإذا فسدت علاقته بإخوانه هتك دينه وأضر به، لذلك حرم فضل تلك الليلة المباركة.

المسألة الرابعة: كيف نعظم هذه الليلة مستنين لا مبتدعين؟.

لقد اختلف العلماء فيما يتعلق بهذه الليلة من فضيلة، فقد ذهب بعضهم إلى تضعيف كل ما ورد فيها من أحاديث، وبعضهم صحح طائفة منها، بمجموع الطرق، كالحديث الذي نحن بصدده:(.. فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن) وضَعف غيرَه مما فيه ذكرُ الصلاة والصيام وغيرهما من أنواع العبادة المخصصة لهذه الليلة.. ولم يرد عن الصحابة في هذا شيء من تخصيص بعبادة أو نحوها، لكنه لم يقم دليل على منع تخصيصها بالقيام، كما هو الشأن في النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام، بل مشروعية قيام ليلة النصف من شعبان داخلة في عموم قوله تعالى:"قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً" هناك من المجتهدين من رأى أن قيام النصف من شعبان مستحب،   و هناك بالمقابل من تشدد فرأى أنه بدعة فكرهها، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه لطائف المعارف:[ وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان، و مكحول و لقمان بن عامر، وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها،...]، والأقرب في توجيه عمل هؤلاء التابعين أن تكون الأحاديث فيها صحت لديهم،فخالد ومكحول من أعظم الفقهاء ووجوه التابعين، أو كانوا يرون أن الحديث المرسل حجة كما قال به جماعة من أئمة الفقه كمالك وأبي حنيفة، أو على الأقل كانت لديهم من العمل بالضعيف من حيث الصنعة الحديثية في فضائل الأعمال، قال الإمام أحمد: ( إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وما لا يَرفع حكماً فلا نُصعب)  وقال:( ربما أخذنا بالمرسل إذا لم يجئ خلافه).

وفي اتباع هذه الجماعة من السلف ما يدفع عن العمل كونَه بدعة لأنهم مجتهدون، والمجتهد مأجور بنص الحديث والله لا يأجر على البدعة، وتابعُ المجتهد مثلُه لأنه اتبعه بأمر الله كيف لا وقد قال سبحانه: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ".

ذ. سعيد منقار بنيس