الأربعاء, 14 تشرين2/نوفمبر 2018 13:07

كيف تنهل اللهجة المغربية من معجم العربية؟

يصف بعض سكان دول الشرق الأوسط "الدارجة المغربية" بالصعبة والمعقّدة، لسرعة نطقها وضمّها بعض الكلمات المستمدة من قواميس لغوية أخرى، لكن جلّهم يغفل معلومة مهمّة.
 
ويتحدث اللسان المغربي لهجات كثيرة ومتنوعة، تختلف من منطقة لأخرى، إلا أن أغلب مفرداتها تُستمد من الأمازيغية والعربية، نظرا للتعايش الطويل بين الأمازيغ والعرب في البلاد.
 
وفي هذا الصدد، نشر المفكر والمؤرخ المغربي، محمد شفيق، عام 1999، كتابا يصف فيه الدارجة المغربية بـ"مجال للتوارد بين الأمازيغية والعربية"، مقدما الكثير من الأمثلة التي توضح علاقة العربية والأمازيغية بالعامية المغربية.
 
ومن خلال إجراء نظرة سريعة على المفردات "المغربية" الأكثر تداولا بين المغاربة، نخلص إلى نتيجة مفادها أن المعجم العربي يبقى واحدا من المنابع الرئيسة للدارجة.
 
ويقول باحثون إن علاقة الفصحى بالعامية ظلت مثار فضول ونقاش منذ القدم، مشيرين إلى أن العامية بصفة عامة غالبا ما تنهل وتتغذى من القواميس العربية.
 
في المقابل، يؤكد متخصصون في اللسانيات أن اختزال اللهجة المغربية في القاموس العربي "إجحاف في حقها"، على اعتبار أن المغرب كان منذ الأزل أرضا لتعايش وتلاقح عدة حضارات، مضيفين أن لغة أي شعب هي عنوان هويته وثقافته، وهو ما تجسده اللهجة المغربية التي تقوم على عدة ثقافات.
 
واخترنا في مادتنا هذه أن نكشف مدى تأثر مفردات العامية المغربية بالمعجم العربي، من خلال تتبع معانيها والنبش في تفاصيلها:
 
1- بْزَّاف: تعني الكثرة وتستعمل أيضا للدلالة على طول المدة، ويعود أصلها في القاموس إلى كلمة "الجُزاف / بِجُزاف"، التي يقصد بها الأَخذُ بالكثرة.
 
2- سَقْصِي: تشير في العامية المغربية إلى الاستفسار عن الشيء والبحث عن تفاصيله. يرادفها في المعجم مصطلح الاستقصاء، أي التقصي عن الحقائق.
 
3- جْدودي: يقصد بها في الفصحى "أجدادي".
 
4- البْسالَة: تعني المشاكسة وتفيد في بعض الأحيان قلة الأدب. تقابلها نفس الكلمة في المعجم العربي، وتدلّ على القبح والشدة والجرأة.
 
5- دِير: يقول المغاربة "دير شغلك"، بمعنى "أدِر شغلك".
 
6- الكَابُوس: يقصد بها في اللهجة المغربية المسدس، بينما تعرّف في المعجم العربي بالحلم المزعج. وبالتدقيق في الكلمة، نجد أنها مشتقة من فعل "كَبَس" أي ضغط وشدّ، في إشارة إلى الضغط على الزناد.
 
7- بْحَالْ: تتكوّن من "ب+حال" أي (بِحَال). والحال في القاموس معناه: صفة الشيء وهيأته.
 
8- حَيَّد: لسان المغاربة يقول "حيد من حدايا" أي "ابتعد عني"، وحيّد في المعجم العربي تعني "أبعده وجعله جانبا".
 
9- عَسَّاس: وهو الرجل المكلف بالحراسة. أصلها في الفصحى "العاس" من العسة أي الحراسة.
 
10- تْوَحَشْتَك: تعني "أفتقدك"، يعود أصلها إلى الوحشة، التي تعرّف في المعجم بـ"الانقطاع وبُعد القلوب عن المودات".
 
مؤثرات تاريخية وحضارية تحكم العامية
 
وفي هذا الصدد، يقول رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، فؤاد بوعلي، إن الدارجة مشتقة من الدارج أي المألوف والمتداول، مشددا على أن العامية المغربية في الأصل عربية فصحى.
 
وأضاف، خلال حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن كل شعب يختار بنفسه طريقة للتواصل العامي، وأن هذا الاختيار تحكمه مجموعة من المؤثرات الحضارية والتاريخية.
 
وتابع بوعلي "مصطلحات الدارجة تعود في الأصل إلى المعجم العربي، لكن بحكم الجوار اللغوي مع الأمازيغ ولغة المستعمر، تطورت وخلقت لنفسها مصطلحات تميزها عن باقي اللهجات".
 
وسبق للدكتور المغربي عبد العزيز بنعبد الله، أستاذ في كلية الآداب بالعاصمة الرباط، أن أصدر مؤلفا بعنوان "الألفاظ المشتركة في العاميتين المصرية والمغربية"، أجرى فيه دراسة تنظيرية وتأصيلية للدارجة، فوجد أن أصلها عربية فصيحة.
 
وقال بنعبد الله إن أصل اللهجات المغاربية والمشرقية واحد، مضيفا أن "الصعوبة التي تكمن في بعضها مرده إلى التلفظ بالكلمة وإلى أسلوب نطقها".
 
من جهة أخرى، لا يتفق عدد من الباحثين والمتخصصين في اللسانيات، على إدراج الدارجة المغربية في خانة العربية، حيث قال الأستاذ عبد الله الحلوي، في أحد مقالاته، إن رد كلمات العامية إلى أصول عربية يجب أن يرافقه دليل تاريخي ولساني.
 
وأردف قائلا "الحكم على الدارجة المغربية بأنها عربية بناء على عربية جزء من معجمها، هو أشبه ما يكون بالحكم على الدارجة الجزائرية بأنها فرنسية بناء على فرنسية جزء كبير من معجمها، أو الحكم على المالطية بأنها إيطالية بناء على إيطالية جزء من معجمها".
 
صعوبة اللهجة المغربية
 
يعزو الباحث المغربي خالد التوزاني، الحاصل على الدكتوراه في اللغة العربية، صعوبة اللهجة المغربية مقارنة مع اللهجات العامية في الدول العربية الأخرى، إلى كثافة حضور بعض الظواهر الصوتية مثل قلب الضاد طاء (بيضة= بيطة)، وقلب الراء غينا (غراب=غغاب)، وقلب القاف همزة (قلم=ألم) أو كاف (النقاب=النكاب)، وغيرها من الأمثلة..
 
وأضاف التوزاني، لـ"سكاي نيوز عربية"، أن من بين الأسباب أيضا "تطور اللهجة المغربية باستمرار ومسايرتها للمستجدات التكنولوجية وظروف الحياة المعاصرة.. ويتجلى ذلك في اللغة العامية التي يتكلّم بها الشباب، حيث نجدها مختلفة كثيرا عن لغة الآباء والأجداد، وهذا ما يجعلها لهجة صعبة ومعقدة ليس بالنسبة لدول الشرق الأوسط فقط، ولكن أيضا داخل المغرب، خاصة عندما ننتقل من مدينة لأخرى، ومن مجتمع الشباب إلى منتدى الشيوخ".
 
المصدر: - سكاي نيوز عربية/إسماعيل فوبار