الإثنين, 04 شباط/فبراير 2019 14:00

كيف تؤثر الشائعات على الفرد والمجتمع؟

عُرفت الشائعات في الوسط البشري منذ أول التاريخ ولم تفتأ تتطور وتتبلور حسب العصر الذي رُوجت فيه، إلى أن وصلت الى ذروتها مع احتدام الصراع في الحربين العالميتين الأولى والثانية، فأصبحت الشائعات علما قائماً بذاته يتم تدريسه في الكليات الجامعية والأمنية على حد سواء، وكان الفضل لعلماء النفس والاجتماع والإعلام في وضع الأطر العلمية المشكلة لهذا العلم.

ومما لا شك فيه أننا اليوم في زمن السرعة والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي نتعرض يوميا لكم هائل من المعلومات والأخبار، التي أغلبنا لا يتفقد صحة مصدرها ولا يكلف نفسه عناء ذلك، فيمكن القول إننا في خضم بحر لجي يصعب الخروج منه، خاصة أن المسلمين والعرب هم اللاعب الأضعف في الميدان، بل إنّ كثيرا من أساليب الحرب النفسية تستخدم عليهم حصرا من قبل القوي العظمى. وبخصوص الشائعات فهي تتشكل من خمسة عناصر مترابطة:

1 - المصدر: الذي يكون منشئ الشائعة والمستفيد من ترويجها لعدة أسباب سنتطرق اليها فيما بعد.

2 - الرسالة: وهي مضمون الشائعة ونوعها.

3 - القناة: الطريقة التي ستروج بها الشائعة (المشافهة، وسائل الإعلام، مواقع التواصل الاجتماعي...).

4 - الطرف المستهدف: وهو الذي صممت الشائعة لأجله، إما لتحطيم معنوياته، أو التسبب في إحداث ضرر نفسي حاد عليه، أو بغية أهداف أخرى يعلمه المصدر.

5 - الارتداد: وهو الأثر الناجم بعد تداول الشائعة، ومدى تفاعل الطرف المستهدف معها.

أما فيما يخص أنواع الشائعات، فقد تعددت وتنوعت حسب المجال الذي دُرست من خلاله، فلعلماء النفس تقسيم خاص بهم، ولعلماء الاجتماع كذلك، والإعلام والأمن وهكذا، فيقولون هي زاحفة وتكون بطيئة الانتشار ويتم تناقلها في الخفاء إلى أن يعرفها الجميع في نهاية المطاف، وغائصة وهي التي تروج لفترة زمنية معينة ثم تختفي، وتعاود الظهور مرة أخرى إذا ما توافرت الظروف المواتية من جديد، وكاسحة تتمثل غالبا فيما يتم ترويجه من قبل العدو من معلومات مضخمة وأخبار ملفقة بهدف تحطيم معنويات الجنود وعامة الشعب، وتمثل أوقات الأزمات والحروب المناخ الملائم لظهورها.. ولكن اخترت تقسيما بديلا ليس متداولا بشكل كبير ربما يعتبر هو الأمثل في سياق موضوعنا هذا، فتقسم الشائعات الى ثلاثة أنواع:

- الشائعة الذكية: يقوم هذا النوع من الشائعات على تقديم القليل من السم في كثير من العسل، بحيث لا ينتبه الطرف المستهدف ويتجرّع السم ويذعن للشائعة التي تم استهدافه بها، وعادة ما تكون هذه الشائعات موجهة إلى أجهزة الاستخبارات والحكومات والهيئات عالية المستوى، وينبغي على منشئها الاتسام بالحنكة والخبرة والإلمام بالكثير من التفاصيل الدقيقة، كما تتطلب تجهيزا خاصا في مرحلة الإعداد والدراسة للآثار المحتملة التي ستنشأ عقب انتشار الشائعة، فهذا النوع يعتبر أصعب أنواع الشائعات وأعقدها، فهدف الشائعة الذكية ضرب قواعد المعلومات عند العدو، والتشويش عليه عن طريق التمويه وبث الأخبار الكاذبة والمغلوطة، فكلما انتشرت المعلومات الكاذبة ازداد الارتباك لدى العدو، وأصبح من الصعب عليه اتخاذ قرارات سليمة وراشدة، ويفقد القدرة على حماية نفسه.

- الشائعة العامة: وتكون موجهة نحو عامة الجماهير بمختلف طبقاتهم العلمية والاجتماعية، وتُصاغ بطريقة يتم تصديقها من قبل أغلب الناس، والشائعة العامة تحظى في معظم الأحيان بنسبة ضعيفة إلى متوسطة في مدى انتشارها وفاعليتها، وتأخذ وقتا طويلا حتى يتم تناقلها وتقبّلها من قبل الأفراد، لأنها تمسّ غالبا شخصيات لديها مكانة حساسة -تكون دينية عادة- ومسلمات ومعتقدات راسخة عندهم يصعب إقناعهم بتركها أو تغييرها، فهدف هذا النوع تغيير وجهة نظر العامة تجاه قضية ما واضعاف صورة بعض الأطراف التي تشكل خطرا لصانع الشائعة.

- الشائعة الساذجة: وهو نوع يتسم بالغباء والحمق في ظاهره، ويصاغ بهذه الطريقة عن قصد أو غير قصد، فالشائعة الساذجة لا يمكن التنبؤ بعواقبها، فربما تحدث رد فعل عكسي لما أُريد منها، فقد تُجابه بالرفض التام من قبل الناس، أو يتم تصديقها وتحظى بانتشار منقطع النظير، بل وتصبح حقيقة لا تقبل النقاش عند العامة إذا وجدت الأسباب المواتية لذلك، وقد تطرقنا إلى نحو من هذا الكلام في الفصل الأول الخاص بكيفية تفكير الجماهير.

بينما يمكننا تقسيم أهداف الشائعات إلى أربعة أهداف رئيسية:

1 - بلبلة الأفكار، وخلق جو من الشك والحيرة عند العدو، عن طريق الضغط الاقتصادي والسياسي، والأفلام، والطابور الخامس.

2 - تحطيم معنويات جنود العدو، وبث الذعر والرهبة في نفوسهم، وتمارس هذا التنظيمات الارهابية أكثر من غيرها.

3 - استمالة الأقليات، وتوجيه تفكيرها وآرائها لتكون في خدمة مصدر الشائعة، ويُمارس ذلك من خلال المنظمات الدولية والهيئات العالمية غير الربحية، بحيث تصبح هذه الأقليات ورقة ضغط ضد أي دولة تعارض قرارات القوى العظمى أو تقف في وجهها.

4 - تدمير الانتماء القومي والديني والاجتماعي للشعوب، بإحداث شرخ وهوة بين الناس وحكوماتهم ودينهم وتاريخهم، وهذا إن نجح فهو يمثل ضربة قاضية تسبب انهيار الدولة، أو تضررها بشكل عميق، لا تقدر على النعافي منه إلا بعد سنوات طويلة، وهذا هو الهدف الأكبر والأسمى من عملية نشر الشائعات.

إنه يجب عليك وبشكل مُلحّ أن تطلّق تلك النظرة الساخرة والمستصغرة لتأثير الشائعات على عقول البشر، فمن الواضح بعد ما تم ذكره خلال هذا المقال أنّ الشائعات خطيرة ومدمرة للأفراد والشعوب، مع أنّ أضرارها على المجتمعات المتقدمة ضعيفة مقارنة بما يحدث في بلداننا العربية والإسلامية، التي لا تقرأ كثيرا وتتبع كل ناعق ومستهتر يظهر من حين لآخر، فبناء وعي هذه الشعوب ضرورة حتمية لمواجهة الواقع والتخطيط للمستقبل البعيد الذي سيكون فيه البقاء للأقوى والأكثر علما ووعيا، وعلينا العمل على التصدي بقدر الإمكان للشائعات التي تضربنا من طرف تيارات متعددة، بأن نقوّي إيماننا بديننا ومعتقدنا وتاريخنا وهويتنا، وأن نشتغل بما ينفع، ونعمل على جعل الصدق والشفافية ركيزتين أساسيتين لتكوين مجتمع قوي وصلب لا تهزه رياح الحرب النفسية، ويستطيع السعي قُدما لتحقيق الأمن والرفاه والاكتفاء.

المصدر : وكالات