الخميس, 31 كانون2/يناير 2019 12:00

قيام الليل : فضله، الأسباب المعينة عليه، مشروعيته جماعة

فضل قيام الليل في الكتاب والسنة:

قال الله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء (79) ] .

والتهجد: الصلاة في الليل وقراءة القرآن بعد النوم. وقوله تعالى: {نافلة لك}، أي: واجب عليك دون الأمة، قاله، ابن عباس. والمقام المحمود: مقام الشفاعة يوم القيامة يحمده به الأولون والآخرون.

قال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة (16) ] الآية.

أي: يقومون لصلاة الليل وهم المتهجدون، وفي حديث معاذ عن ... النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون}" [السجدة (16، 17) ] الآية.

قال تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} [الذاريات (17) ] .

أي: كان هجوعهم قليلا من الليل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا، ذكر الله تعالى قوما فقال: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} ، ونحن والله قليلا من الليل ما نقوم، فقال له أبي رضي الله عنه: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا، يا رسول الله، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" ! . متفق عليه. وعن المغيرة بن شعبة نحوه متفق عليه.

هذا السؤال من عائشة عن حكمة التشمر والدأب في الطاعة، وهو مغفور له، فبين - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك شكرا لله عز وجل.

عن علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طرقه وفاطمة ليلا، فقال: "ألا تصليان؟" متفق عليه.

"طرقه" : أتاه ليلا. وفي هذا الحديث: فضل صلاة الليل، لإيقاظه - صلى الله عليه وسلم - لعلي وفاطمة من نومهما للصلاة، واختياره لهما تلك الفضيلة على الدعة والسكون.

عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - عن أبيه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل" . قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا. متفق عليه.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عبد الله، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل" . متفق عليه.

وفي الحديث: كراهة قطع ما يعتاده الإنسان من أعمال البر لغير عذر.

عن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) .

ففي هذا الحديث: بشارة لمن فعل ذلك بدخول الجنة ابتداء بغير حساب ولا عذاب.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الصيام بعد رمضان: شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة: صلاة الليل" . رواه مسلم.

ففي صلاة الليل فوائد كثيرة، وخصائص  منها: أنه وقت السكون، والخشوع، والخضوع،  ومنها: نزول الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدينا. ومنها: تواطؤ القلب واللسان على القراءة كما قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} [المزمل (6) ] .

عن جابر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن في الليل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة" . رواه مسلم.

ففيه: الحث على الدعاء في الليل، رجاء مصادفة ساعة الإجابة وأحرى ما تكون في النصف الأخير.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل، فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء" . رواه أبو داود بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: الحث على التعاون على الطاعة، وقد قال الله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [طه (132) ] .

عن أبي هريرة وعن أبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا - أو صلى ركعتين جميعا، كتبا في الذاكرين والذاكرات" . رواه أبو داود بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: فضيلة أمر الرجل أهله بصلاة النوافل والتطوعات كما في الفرض. وفي: مشروعية الجماعة فيها.

الأسباب المعينة على قيام الليل:

1 - صدْق النيَّة، والعزم على القيام، ومُجاهَدة النفس في ذلك:

فكل من صدق الله صدَقَه الله؛ فعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن سأل الله الشهادة بصدْق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه))[1]؛ رواه مسلم.

2 - التبكير بالنوم، وتعاطي أسباب الاستيقاظ:

عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخِّر العشاء إلى ثلُث الليل، ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها...[5] الحديث؛ رواه الشيخان.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفَل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس[6]، وقال لبلال: ((اكلأ لنا الليل))[7]؛ رواه مسلم.

قال الإمام النووي رحمه الله: "((اكلأ لنا الفجر))؛ أي: ارقبه، واحفظه، واحرسه"[8].

3 - الوضوء قبل النوم، والمحافظة على أذكار النوم:

فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيتَ مضجعَكَ، فتوضَّأ وضوءَك للصلاة، ثم اضطجِع على شقِّك الأيمن، ثم قل: اللهمَّ أسلمتُ وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظَهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا مَنجا منك إلا إليك، اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيِّك الذي أرسلتَ، فإن متَّ مِن ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهنَّ آخِرَ ما تتكلم به"، قال: فرددتُها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغتُ: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: ((لا، ونبيِّك الذي أرسلتَ))[9]؛ رواه الشيخان.

4 - ترك المعاصي والآثام:

فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزيد في العمر إلا البرُّ، ولا يردُّ القدَرَ إلا الدعاء، وإن الرجل ليُحرَم الرزق بالذنب يُصيبه" [24] رواه أحمد، وابن ماجه.

قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: "مَن أحسن في نهاره كُوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره"[25].

وأخبر - سبحانه - أن مَن اتقاه جعل له مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3]، وأي رزق أجلُّ من الإعانة على طاعة الله ومرضاته؟!

وقال الحسنُ: "إنَّ العبد ليُذنب الذنب؛ فيُحرم به قيام الليل"، وقال الفُضَيل: "إذا لم تَقدر على قيام الليل وصيام النهار؛ فاعلم أنك محرومٌ مكبَّلٌ، كبَّلتْك خطيئتُك"[26].

5 - التقلُّل من الأكل والشرب:

فإن مَن أثقلَ معدته بالطعام ثَقُل عليه القيام،  وكان بعضهم يقول: مَن أكل كثيرًا، نام كثيرًا، فخسر كثيرًا.

 6 - أن يكون همُّ الآخرة هو الغالب على قلبِه:

فإن المُستغرق في هُموم الدنيا يصعب عليه القيام، وإن قام كانت صلاته بلا قلب.

قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

7 - استحضار فضل قيام الليل:

فإنَّ ذلك يُعينه على القيام، ويُهيِّجه على اللحاق بركب الصالحين وأولياء الله المتقين،

 8 - تحقيق محبة الله جل وعلا:

فإن العبد إذا أحب الله سبحانه وتعالى، أحبَّ الخلوة به، والتنعُّم بمناجاته ولذيذ خطابه،

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "إذا غربت الشمس، فرحتُ بالظلام لخلوتي بربي،

وقال أبو سليمان الداراني: "أهل الليل في ليلهم ألذُّ مِن أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببتُ البقاء في الدنيا".

9 - الدعاء والتضرع إلى الله:

وهو مِن أجلِّ الأسباب المعينة على قيام الليل، فإن الدعاء يُزيل من قلب العبد آفة الركون إلى نفسه، أو عمله، أو حاله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بربه عز وجل مِن العجز والكسل؛ فإنهما "مفتاح كل شر، 

مشروعية قيام الليل جماعة:

الأصل في صلاة التطوع الفردية ومنه قيام الليل ويجوز فعله جماعة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد فعله في رمضان ليلتين أو ثلاثة، ثم تركه خشية أن يفرض عليهم.

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.

ومثله في صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً.. إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ثم قام قياماً طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه.

وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ وَقَامَ يُصَلِّي فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ قُلْنَا لِعَمْرٍو إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمَّ قَرَأَ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ " رواه البخاري (138).

فصلاة التطوع في جماعة نوعان: أحدهما: ما تسن له الجماعة الراتبة، كالكسوف والاستسقاء وقيام رمضان، فهذا يفضل في جماعة دائماً، كما مضت به السنة.الثاني: ما لا تسن له الجماعة الراتبة، كقيام الليل والسنن الرواتب وصلاة الضحى وتحية المسجد ونحو ذلك، فهذا إذا فعل جماعة أحياناً جاز.فقد كان  النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل وحده، لكنه لما بات ابن عباس رضي الله عنهما عنده صلى معه، وليلة أخرى صلى معه حذيفة رضي الله عنه ، وليلة أخرى صلى معه ابن مسعود رضي الله عنه، وكذلك صلى عند عتبان بن مالك الأنصاري في مكان يتخذه مصلى صلى معه، وكذلك صلى بأنس وأمه واليتيم رضي الله عنهم جميعا.فعن أنس رضي الله عنه في الصحيح أن جدته مليكه دعت النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له ، فأكل منه ثم قال لهم:قوموا فلأصل لكم. وهذا أبو الدرداء عندما نزل عليه سلمان الفارسي فبات عنده فلما كان آخر الليل قال سلمان:قم الآن فصليا جميعاً ،وقد أخبرا النبي صلى الله عليه وسلم فأقرهما على ذلك.(رواه البخاري)

والترتيب المسبق للقيام في ليلة معينة بقصد التحفيز وتنشيط الناس وتذكيرهم بسنة القيام امر مشروع ما لم يداوم عليه فيصير كهيئة السنن الراتبة.

 يقول شيخ الإسلام رحمه الله في حكم القيام في جماعة: فلو أن قوما اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة تشبه السنة الراتبة لم يكره، لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع. انتهى.

 وقد تواعد الأنصار يوما يذكرون فيه الله تعالى وما أنعم عليهم به، وبهذا استدل الإمام أحمد رحمه الله على جواز مثل هذا الاجتماع على الطاعة من دعاء أو قراءة أو قيام ما لم يداوم على ذلك فيشبه بالمسنون،

والله الموفق للخير والصواب.

د.محمد بولوز