الخميس, 24 كانون2/يناير 2019 16:05

فاتخذوه عدوا

خلق الله عز وجل الإنسان لعبادته وهداه النجدين إما شاكرا فإلى الجنة وإما كفورا فإلى النار، وابتلى الله العباد بأعداء يقطعون عليهم طريق الخير والحسنى : نفس أمارة بالسوء دنيا غرورة، وشيطان متلبس بالغواية، قال تعالى على لسانه : " لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ثم لا تجد أكثرهم شاكرين " (الأعراف:16) .

والشيطان أخطر هذه الأعداء على الإطلاق، فالنفس بالترويض تنقلب لوامة، والدنيا تهون في أعين من علم حقيقتها الخداعة، أما الشيطان اللعين فهو العدو الذي لا يضع سلاحه يوما حتى تقوم الساعة، فمنذ أن طرد من الجنة بسبب تكبره عن السجود لأبينا آدم –طاعة لله- أعلنها حربا ضروسا عليه وعلى ذريته، وكان شعاره : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين " ( الحجر : 39)، فكان لزاما علينا أخذ الحيطة والحذر الدائمين حتى لا نقع في  غوايته، ومكائده مستعيذين بالله منه في كل لحظة وحين.

وقد حذرنا الرحمن سبحانه من اتباع خطواته حين قال : " يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر " النور :1 2 .                                                                       فالشيطان يستدرج العبد ليعصي ربه، فيحرضه على تجاوز المباح إلى المكروه ومن البين من الحلال إلى المشتبه، وكثيرا ما يفتح عليه باب الشهوات، فإن وجد منه تمنعا وتحصنا جاءه من باب الشبهات، فإن يئس في استدراجه نحو المعصية ثبطه عن الطاعة، فكم من صوام قوام، جواد ترك تطوعه مخافة الرياء، وما ذلك إلا من تلبيس إبليس وألاعيبه.

والشيطان دائم الجد والاجتهاد في غواية العبد، حيث لا يزال به حتى يستمرئ المعصية فينتقل به من الصغيرة إلى الكبيرة، ومن البدعة إلى الشرك والكفر الموجبين  للخلود في النار والعياذ بالله، روى الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه عن أبي موسى الأشعري (ض) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أصبح إبليس، بث جنوده فيقول : من أضل اليوم مسلما  ألبسه التاج، فيخرج هذا فيقول : لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول : أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول : لم أزل به حتى عق والديه، فيقول أوشك أن يبر، ويجيء هذا فيقول : لم أزل به حتى أشرك ، فيقول : أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى  زنى: فيقول : أنت أنت. ويجيء هذا فيقول لم أزل به حتى قتل، فيقول أنت أنت. ويلبسه التاج"، فإبليس اللعين لا يهنأ له بال حتى يرى ابن آدم متلبسا بالشرك أو غارقا في أشنع الذنوب والمعاصي كالزنا والقتل لما يحدثانه من شروخ بليغة في المجتمع، يقول بن السماك رحمه الله : "يا عجبا لمن عصا المحسن بعد معرفته بإحسانه وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته"، وصدق الله العظيم إذ يقول : "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" .( فاطر : 6)

فإبليس مصر على الانتقام من ذرية آدم عليه السلام، لذلك فهو حريص على استقباله بالأذى عند خروجه للدنيا فقد روى الإمام مسلم في صحيحه قول النبي صلى الله عليه وسلم :"صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان "، ورحمة من الله تعالى أنه تفضل علينا بالمغفرة والتوبة التي جعل بابها مفتوحا آناء الليل والنهار إلى قيام الساعة، قال تعالى:"وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون".

نادية الناصري