الأربعاء, 19 أيلول/سبتمبر 2018 13:56

عاشوراء وضرورة اتباع الهدي النبوي

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات،  والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد  خاتم النبوة والرسالات، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من نبي أمين، ناصح حليم، وعلى آله وصحابته والتابعين وعلى من حافظ على دينه و شريعته و استمسك بهديه و سنته إلى يوم الدين.

أما بعد  من يطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى، وسلك  منهاجا قويما و سبيلا رشدا ومن يعص الله ورسوله فقد غوى واعتدى، وحاد عن الطريق المشروع ولا يضر إلا نفسه ولا يضر أحدا، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، حتى ينال من خير الدارين أمله وسؤله، فإنما نحن بالله و له .

عباد الله لقد وردت أحاديث كثيرة في مشروعية صيام يوم عاشوراء وبيان فضله، ذكرها أهل الحديث في كتبهم، منها ما اتفق عليها الشيخان، كحديث عروة عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فـُرض رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من شاء فليصمه، ومن شاء فليفطره » أخرجه البخاري ومسلم، ومنها أيضاً حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: « قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح نجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه» ».وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال صلى الله عليه و سلم : وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال : «يكفر السنة الماضية» وفي رواية: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم وغيرها من الأحاديث الصحيحة الدالة على فضل صومه.

لكن يا معاشر المومنين رويت بالمقابل أحاديث مكذوبة وضعها الوضاعون واخترعها الكذابون ولم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل افتراها المفترون لأغراض شتى، حملهم على ذلك إما الغلو و إما الجفاء في شاب هو سيد شباب الجنة، وهو سيدنا الحسين بن علي رضي لله عنه وأرضاه، نرى انه يجب تنبيهكم   و تحذيركم منها، ففي يوم عاشوراء من سنة 61 من الهجرة استشهد ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحدث الشيطان للطائفتين بدعتين: بدعة الحزن والنوح، وبدعة الفرح والسرور، ولتُنـَفَّقَ سوقُ البدعتين و تروج بضاعتها الخبيثة وضع الكذَّابون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تؤيد المذهبين، ونتج عن هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة في تخصيص يوم عاشوراء بأعمال وأفعال لم يرد بها الشرع، بل وضعها وضَّاعون لأغراض وتعصبات مذهبية، وقد أبقت أثرا سيئا في هذه الأمة، ـ فترون الناس اليوم على ثلاثة أصناف إلى:

1 - صنف يعتبرونه يوم حزن وتألم ويفعلون ما نُهوا عنه في الشرع من شق الجيوب ولطم الخدود وضرب الصدور و جلد الظهور. والبكاء والعطش وإنشاد المراثي، بل يصل بهم الأمر لسب خيار هذه الأمة من سب السلف ولعنتهم، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب، حتى يُسَبَّ السابقون الأولون، وتُقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب، وكان قصدُ مَن سنَّ ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة، فإنَّ هذا ليس واجبا ولا مستحبًّا باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنِّياحة للمصائب القديمة مِن أعظم ما حرمه الله ورسوله، كيف لا وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «ليس منَّا من ضَرَب الخدود وشَقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»، وهذا مع حدثان العهد بالمصيبة، فكيف إذا بعد العهد وكانت بعد أكثر من ألف و ثلاث مائة سنة؟! وقد قُتل من هو أفضل من الحسين، ولم يجعل المسلمون ذلك اليوم مأتماً، وفي مسند أحمد عن فاطمة بنت الحسين ـ وكانت قد شهدت قتله ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مسلم يُصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيُحدث لها استرجاعاً إلاَّ أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها»، فهذا يُبيِّن أنَّ السنة في المصيبة إذا ذكرت وإن تقادم عهدها أن يسترجع كما جاء بذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

2ـ وصنف أحدثوا فيه بدعة السرور والفرح ردا ومعاكسة لمن أحدث الحزن، فصار أقوام يستحبون يوم عاشوراء الاكتحال والاغتسال والتوسعة على العيال وإحداث أطعمة غير معتادة، وهذه بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين رضي الله عنه، فتنعموا فيه بالمآكل والمشارب، وخصوه بمزيد من التزين والتوسيع على العيال بصنع ألذ المآكل.

3ـ وصنف ثالث هداه الله لاتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم والعمل بما حثهم عليه من صيامه فوقفوا عند حدود السنة و لزموا ما بينه رسول الله  صلى الله عليه   و سلم و سنه. فإنه لم يستحب أحد من أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم الحزن و النوح و اتخاذه مأتما، و لا الفرح والسرور و اتخاذه عيدا؛ بل المستحب يوم عاشوراء الصيام عند جمهور العلماء، ويُستحب أن يُصام معه التاسع ...»  .والذي صحَّ في فضله هو صومه، وأنه يكفِّر سنة، وأنَّ الله نجَّى فيه موسى من الغرق، ألا فاعلموا  يا عباد الله أنَّ كلَّ ما يُفعل فيه سوى الصوم إما بدعة مكروهة أو محرمة.

عباد الله لقد كثرت الأقاويل حول احتفال المغاربة بيوم عاشوراء، فمن قائل بأنها: من بقايا الأموية، الذين - فيما زعموا - كانوا يفرحون بذلك اليوم لمناسبته مقتل الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي رضي الله عنه، ومن قائل بأنها طقوس وثنية، ومن مُنظر بالقول بأنها كانت نتاج صراع بين الفاطميين والأدارسة من جهة، والأمويين من جهة أخرى... وهذه الأقوال كلها ذلك تكهنات غير صحيحة، لأسباب منها: الأول: أن المغرب لم يشهد من قبل صراعا شيعيا سنيا قط، إذ حتى شيعة أهل البيت في المغرب، وهم الأدارسة؛ لم يكونوا رافضة، بل كانوا سنيين، وكانوا من ذرية الحسن بن علي رضي الله عنه، وليس الحسين بن علي رضي الله عنه.. وبالتبع فكل المغاربة عبر التاريخ هم شيعة أهل البيت ومحبوهم.

الثاني: أن الفاطميين لم يستقروا في المغرب، بل الأكثر من ذلك، كان انقضاء دولة الأدارسة في فاس، نتيجة تحالف الفاطميين - العبيديين - مع الأمويين، فالصراع السني الشيعي في انقضاء دولة الأدارسة من فاس لم يكن واردا.

الثالث: أن المغرب عبر تاريخه لم يعرف وجود الناصبة، الذين يعادون آل البيت عليهم السلام، بل كل الدول التي تعاقبت في المغرب كانت موالية ومحبة لآل البيت من الادارسة إلى الآن...فلا يعرف في المغرب صراع بين أولياء آل البيت وأعدائهم، حتى يتجلى ذلك في أبشع منظر، وهو التشفي والفرح بيوم استشهاد سيد شباب أهل الجنة عليه السلام!!!...

والذي نراه منطقيا في سبب احتفال المغاربة بعاشوراء يعود إلى ثلاثة أمور:

الأول: أنها عادة كتابية، فقد كان المغرب موئلا للحواريين ومؤمني بني إسرائيل قبل الإسلام،  فتقمص المغاربة عادات عدة تنتمي إليهم...

الثاني: أنه يعتبر بالنسبة للمسلمين أول عيد تفتتح به السنة الهجرية، فوافق أن يكون سببا للفرح والسرور، كما هي عادة المغاربة...

الثالث: أن العشر الأول من محرم، هي فاتحة السنة الهجرية، فناسب أن نفرح بهذه المناسبة، ونسعد بها، ونؤرخ لها...

الرابع: أنه جرت العادة أن الأغنياء يدفعون زكواتهم في رأس السنة الهجرية، فيوسعون على الفقراء، ويسدون حاجاتهم، ويفرحونهم، فكانت مدة رأس السنة الهجرية هي مدة النعيم، التي توقد فيها النيران لطبخ الطعام، أما رش المياه فيها فمأخوذ عن اليهود علامة على الرزق والخيرات، ولذلك كانت أيام فرح وسرور، فخلدها المغاربة بذلك، إنما هناك بدع ومنكرات زيدت كاعتقاد الناس أن الماء يوم عاشوراء يصبح كله ماء زمزم.

وفي الختام اعلموا أن ديننا دين تصافي، وتآلف، ومحبة، وبر، وفرح وسرور، وليس دين حقد وبغضاء، و لا دين اجترار للمآسي والبأساء، ولذلك فقد جرت عادة الأمة بالفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بوفاته، وبنصر سيدنا موسى عليه السلام، وليس بتيهه، وبالإسراء والمعراج، وعيد الأضحى الذي هو مناسبة نجاة نبي الله إسماعيل عليه السلام من الذبح، وأيامه العشر خير أيام السنة، وعيد الفطر الذي هو نتيجة صوم رمضان، ويوم الجائزة...إلخ، تلك الأيام المباركة هي التي حضت الشريعة على الاحتفال والفرح بها...

أما أيام الحزن والأسى، وذكرياتها؛ فلم تكن قط مقصودة بالاحتفال، ونشر الضغينة والبغضاء، واجترار المآسي، وخلق عقائد منها تدعو لسفك الدماء، وبغض الآخر، والبكاء والعويل، وجلد النفس وتعذيبها، وإراقة الدماء ...إلخ...ولذلك فإن ما يحدث في المغرب الآن، وتاريخيا، لا علاقة له بقصة استشهاد سيدنا الحسين عليه السلام، ولا بمأساته، ولا يجمل أن نجعل منه يوم عزاء وحزن وبؤس، وحقد، واجترار للأخبار المكذوبة والمبالغة كما يفعله الشيعة في المشرق، ولله عاقبة الأمور...

ذ. سعيد منقار بنيس